الأستاذ محمد بن عبد الله الرثيع المغذوي
محمد بن صالح البليهشي

في المجلس الثقافي العلمي في ديوانية الشريف عصام بن ناهض الهجاري التقيت بعدد من الفضلاء وجرى النقاش في العديد من القضايا الثقافية والتاريخية التي تصدرها الشريف عصام الهجاري حفظه الله تعالى بثقافته الواسعة وسعة اطلاعه في التاريخ والعلم والأدب، وتطرق الحاضرون إلى قضية التاريخ الذي تم تدوينه على واجهات صخور الجبال في مختلف مناطق المدينة المنورة وما حولها من ضواح وأودية وهجر في مختلف جهاتها، وأشار الشريف الهجاري إلى أحد الحضور وهو الأستاذ محمد بن عبد الله الرثيع المغذوي الذي وهبه الله سبحانه وتعالى موهبة عجيبة ومنحه هواية من أصعب الهوايات ألا وهي اكتشاف وقراءة النقوش في العديد من المواقع الأثرية وطرق القوافل القديمة.
وذكر الشريف عصام أن خبير النقوش الصخرية الإسلامية المبكرة (الرثيع) قد فاز بجائزة النقوش والكتابات الإسلامية بالمجلس العربي للاتحاد العام للآثاريين العرب بالقاهرة لعام 2023م وهو عضو مؤسس للجمعية العمومية لجمعية الآثار المهنية وتلقى العديد من خطابات الشكر والثناء والإشادة من مختلف الجهات الثقافية والتاريخية وقد رزقه الله تعالى موهبة نادرة وهواية صعبة تتمثل في تتبع وقراءة النقوش الإسلامية المبكرة ورصدها وتوثيقها ودراستها وتحليلها.
وعلمت من ذلك المجلس الثقافي (الشريفي) وما دار فيه من نقاش أن (رمزنا) اليوم الأستاذ محمد بن عبد الله الرثيع المغذوي العوفي المسروحي قد وهبه الله حب وغرام النقوش التي سجلت على صم الصخور والوقوف أمامها طويلاً وتحليل كلماتها ومفاهيمها، وأصحابها الذين رأوا أن لا وسيلة لتخليد أسمائهم وما يرغبون نقله من معارف وعلوم وتأصيل إلا باللجوء إلى التوثيق بالنقوش على الواجهات الصخرية في مناطق وجودهم أو تنقلاتهم أو نشاطاتهم الحياتية وبهذا تركوا تاريخاً موثقاً للأجيال منقوشاً على الحجارة ليبقى ذلك التاريخ ما بقيت تلك الجبال والصخور والكهوف والمغارات.
ومعلوم أن تلك النقوش هي جزء مهم من التاريخ للمكان والإنسان، ويؤكد علماء التاريخ وأساطين المعرفة التاريخية أن تلك النقوش تعتبر من أهم مصادر التاريخ وأوثقها، فالروايات الشفوية لكبار السن وجملة التاريخ في أحقابه المختلفة الذي تناقله المؤرخون جيلا بعد جيل في مدونات وكتب التاريخ قد يعتريه السهو والنسيان وتعتريه الأهواء والأغراض والاتجاهات المختلفة عبر العصور ولكن التاريخ الموثق على صم الصخور هو الأصدق رغم معاناة كتابته واختيار مكانه وصعوبة الوصول إليه وقراءته وتحليله ومعرفة تسلسل
أصوله وأصول كاتبه.
ومعلوم أن التعامل مع تلك النقوش وقراءتها والوصول إليها من الصعوبة بمكان ولكنها نقوش ثابتة مستقرة وهي صفحات ناطقة أمام الأجيال لا تصل إليها الأهواء والأغراض لأن أي تعد عليها يفسدها ويغير ملامحها ومفاهيمها وأغراضها والأهداف المتوخاة منها، فالصدق في تسجيلها من قبل أصحابها وحسن النية التي تحيط بها والنفوس العالية التي ارتقت لتسجيل تاريخها على الصخر لصعوبة التعامل معه والأوقات التي تستلزمها عملية النقش والصبر والمعاناة التي وجدت لدى صاحب النقش كلها أمور تنطق بها رسوم وكلمات تلك النقوش.
لا أعرف الأستاذ المغذوي قبل تلك الليلة الثقافية المتألقة لدى الشريف عصام الهجاري وفقه الله تعالى، ولكنني سمعت عنه وعن جهوده ومعاناته مع بحوثه وهواياته ومواهبه وفرحت بلقائه ودعوته لمعرفة الكثير من جهوده في ذلك المجال الذي تميز به فتكرم بزيارتي في الأسبوع الماضي جزاه الله خيراً وشرفت معه بجلسة تاريخية ماتعة حيث عرفت منه العديد من مناطق جولاته في المدينة وجبالها وفي الحناكية والربذة وما حولها وفي تيماء وجهاتها وفي أودية الصفراء وينبع النخل والفرع ووادي حجر وخضرة والأكحل والسويرقية ونواحي مهد الذهب وغيرها من المناطق المحيطة بالمدينة المنورة.
ورأيت مدى سيره وراء هواياته المفضلة قراءة التاريخ على صخور الجبال في تلك المناطق وعشت معه ساعات ماتعة في جوانب رصيده الذي في جوف قرانه في حقائبه الصخرية التي يحملها وتسجيلاته التي يصور بها ويستوثق مما يحمله كل نقش في جهته، وأوضح العديد من الجوانب التي قرأ نقوشها وحلل مفاهيمها. وأفاد بأن الكتب التي سطرت على صخور جبال المدينة وما حولها وقام بتوثيقها تتضمن نقوشاً للصحابة والتابعين وتابعيهم والمحدثين والقضاة وأصحاب الشرط والحسبة والقادة وأهل العلم والأدب وأبنائهم وذراريهم وجميع شرائح المجتمع المدني جميعهم وثق لهم من خلال الكتابات على الصخور رجالا ونساء وكذلك أصحاب المهن ورجال النفوذ في ملكيات توثق المنازل والأملاك والعيون والآبار والمزارع والأراضي كما وثق (رمزنا) أعانه الله تعالى نقوشاً للمجالس العلمية في أعراض المدينة التي ضنت بذكرها المصادر التاريخية ونقوشاً تعريفية أضافت وصممت ورجحت أقوال العلماء والأنساب وأعلام المحدثين من أهل المدينة وغيرها ونقوشاً شعرية منها ما وجد في كتب الأدب بروايات أخرى ومنها ما خلا من ذكر الموروث الأدبي. ووجد الأستاذ محمد المغذوي نقوشاً صححت بعض المسميات للأودية والأماكن قد تغير مسماها في زماننا، ونقوشاً لسور وآيات من القرآن الكريم قال بأنها تفيد الباحثين وعلماء الخط ورسم الحروف، كما اكتشف نقوشاً في كيفية الدعاء قد تدخل من نافذة كفتح لأهل الزمان لكي يطلعوا على إيمان وأمنيات وعقائد كاتبها في القرون المفضلة وتوضح مدى تعلقهم وثقتهم وحسن ظنهم بالله تعالى، ووجد نقوشاً إخبارية عن بعض المصائب التي تتعلق بالأوبئة والشدة والفقر والعسر والأيام العصيبة التي مرت على أهل المدينة المنورة في بعض القرون الماضية وأغفلتها المصادر التاريخية.
إن الأستاذ المغذوي بما وهبه الله سبحانه وتعالى من قدرة على تتبع النقوش المختلفة وقراءتها وتحليلها ومعرفة أزمنتها وتنسيب أصحابها والحياة في محيط تلك النقوش في كل موقع ومخاطبة رموزها وما أحدثوا فيها من عمار وزراعة وصناعة في أماكن بعيدة عن المدينة بمقاييس تلك العصور، وخروج بعض القبائل والأسر من المدينة المنورة للحياة في مختلف المواقع والأودية المحيطة بها ... باكتشافه وتحليلاته لما تضمنته النقوش يعطي الدليل القاطع على أن سكان المدينة المنورة منذ القرن الأول حيث الأنصار والمهاجرون وما تبعه من قرون قد استوطن كثير منهم مناطق وأودية ملل وينبع والصفراء والفرع واليتمة وخضرة ونواحيها والمهد وقراه والحناكية ومناطقها وعاشوا بها زراعة وتعميراً وحياة وامتدت أيدي العارفين والقادرين إلى الصخور لتسجيل شيء من تاريخهم وتفاعلهم مع المناطق التي استوطنوها ودليل كل ذلك هذا الكم من التاريخ الذي تعامل معه (رمزنا) الخبير في علم النقوش وتاريخها ومن الطبيعي أن أولئك لم يستوطنوا المناطق التي حلوا بها وحدهم بل عاشوا مع أهلها في مراحل التاريخ المختلفة في كل الأماكن والمواقع التي وثقت التاريخ
الذي وجدناه في الوقت الحاضر.
نسيت أن أقول بأن الرمز) محمد بن عبد الله الرثيع المغذوي من مواليد المدينة وقد ولد على ضفاف العقيق عام 1393هـ وواصل تعليمه حتى تخرج من كلية المعلمين مدرساً للدراسات الإسلامية بمدارس المدينة المنورة ومنذ تخرجه وعلى مدار سبعة وعشرين عاماً إلى اليوم ولا يزال مغرماً بتتبع النقوش الإسلامية المبكرة حيث استمر راصداً لها وموثقاً لمواقعها وزادت النقوش التي وثقها على خمسة آلاف نقش إسلامي مبكر في منطقة المدينة المنورة ويؤكد الأستاذ الرثيع بأن من يتجول في أودية المدينة المنورة ويطلع على آثارها وكتاباتها الصخرية يعلم يقيناً أنها كانت عامرة بالسكنى جيلا بعد جيل من فجر الإسلام وأن أهلها كانوا على قدر كبير من العلم والمعرفة وأن من يتتبع تلك النقوش بمعرفة ودراية سوف يثرى معرفته بحقائق ومعلومات عن هذه الأودية وسكانها ضنت بها الكثير من المصادر التاريخية التي بين أيدينا.
وأنا في الختام بعد هذا التجوال مع الأستاذ العالم الخبير بالنقوش الصخرية كتابة ودراسة وبحثاً وتاريخاً وتوثيقاً أقول: بأن هذا الرجل موهوب في هذا المجال ولا يصعب عليه قراءة أي نقش حجري، وأصبحت خبرته مضرب مثل في هذا المجال وحري بهيئة التراث وهي تعيش فترة بعث جديدة بتوجيهات القيادة الواعية وحتى تواكب الحضارة التي تعيشها بلادنا بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، حري بها أن تضم هذا الرجل إلى كيانها لأنه مكسب في اعتقادي لكتابة تاريخ جديد موثق بعيد عن التحريف والزيف والضلال وأن تستغل وجوده خاصة وأنه هاو في تتبع النقوش الصخرية وقارئ لها ومحلل ونساب لأصحابها وهو لا يزال بصحته وتألق موهبته كما أن مركز دراسات المدينة المنورة وهو المعني بكل دراسة توثيقية عن هذه المدينة المقدسة لابد أن يفكر في الاستفادة من جهود هذا المواطن المخلص العارف الموهوب في احتواء ما لديه من آلاف النقوش التي وثقها لتكون كتاباً أو كتباً تغطي هذا الجانب من التاريخ الذي لا يتعامل معه ويوثقه إلا موثق عارف صابر مكافح خبير بمواقع تلك النقوش في كافة أرجاء وأودية ومحافظات المدينة المنورة مثل الأستاذ محمد بن عبد الله المغذوي وهذا جزء من التاريخ المكتوب الذي بين أيدينا في مجلدات الكتب وجزء من التاريخ الشفوي إن لم يتفوق عليهما صدقاً وثقة ونسباً متصلاً وتوثيقاً وأسلوب حياة.






