الشريف محمد بن عبدالله بن عبد الكريم بن بديوي الهجاري
محمد بن صالح البليهشي

بعد صلاة الفجر من يوم الثلاثاء 28 رمضان 1445هـ صلى المسلمون على الشريف محمد بن عبد الله بن عبد الكريم المجاري شيخ الأشراف الهجارية وشيخ قرية الأشراف في ينبع النخل وأخذ مكانه في بقيع الغرقد في طيبة الطيبة رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته، والشريف محمد بن عبد الله بن عبد الكريم بن بديوي الشجاري من أعيان ينبع الذين تربعوا على قمة مجد تليد وارث مميز، غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود في آخر الأيام الأواخر من الشهر الكريم بعد حياة حافلة بالعطاء والبذل والكرم والإصلاح، فهو ممن اجتمعت القلوب على محبته لما امتاز به من سلامة الصدر ورفعة المقام والقدرة وحسن الشمائل وجميل الخصال.
عاش رحمه الله طيلة حياته نظيف القلب يسعى إلى الإصلاح ويتعامل بالعفو ويسير بالود وسهولة التعامل، أحبه أهل ينبع وعرفوه بأصالته وعلو قدره ونظافة يده ولسانه ولا تزكيه على الله سبحانه وتعالى، يحرص على ذويه وقومه وقد بني جسور المحبة بينه وبين أهل ينبع عموما فارتضوه حكما في خصوماتهم ومصلحا في اختلافاتهم وخبيرا في الأعراف القبلية والنزاعات الأسرية لقناعاتهم بسلامة نيته ونقاء سريرته وشموخه وحسن منطقه وواقعية ما يراه من أحكام وإلزام وقوانين عرفية قديمة بين قبائل المنطقة.
عرفوه بفصل الخطاب والنزول إلى أفهام الناس ومخاطبته للآخرين على قدر عقولهم فقال الثقة المطلقة في القيادة والأدب والأخلاق والإدارة، عرفوه بوطنيته وحبه لقادة بلادنا وسعيه لكل ما يحقق تقدما ورفعة وحضارة لينبع وأهلها وهو أحد رجالات التعليم ورواده ومن أوائل من تولوا التعليم في محافظة العيص، كذلك عرفوه بسماحته عندما تولى إدارة الضمان الاجتماعي فهو بحق من مؤسسي العمل الاجتماعي في ينبع. عرفوه بطيب سجاياه وكرم أخلاقه ولين جانبه وسلامة نفسه وتسامحه، ولذلك أحبه كافة أهالي الينبعيين حاضرة وبادية، كما كان محل تقدير ولاة الأمر وأمراء ومحافظي ينبع طيلة حياته ونال الثقة مرارا في اختياره لإنقاء كلمة أهالي ينبع أمام خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله.
والشريف محمد بن عبد الله بن عبد الكريم حفيد ذلك الرجل الكبير الشريف عبد الكريم بن بديوي، وقد تربى في كنفه وسار على نهجه، وهو سليل أسرة كريمة توارثت المجد والشيخة والقيادة أبا عن جد، فتوارثت هذه الأسرة الإمارة في ينبع وما يتبعها من ديار جميلة إداريا في الزمن القديم، حيث وصلت الشيخة إلى بديوي بن عبد العزيز بن مبارك الهجاري في عام 1290هـ والشريف بديوي بن عبد العزيز بن مبارك الهجاري أمير ينبع هو أحد الشيوخ الأربعة الذين التقطت لهم أول صورة في منطقة المدينة المنورة عام 1297هـ. ومعه فيها الشيخ حذيفة بن سعد بن جزاء من شيوخ حرب والشيخ عبد الله بن مطلق شيخ الصخارتة من الأحامدة والشيخ عوض بن درويش العمري شيخ بني عمرو من بني سالم والجديدة وقائم مقام ينبع إبراهيم بن عواد، ومن بعد الشريف بديوي تعاقب أولاده عليها وهم مبارك وعبد العزيز ومحمد علي وغالب فعبد الكريم، وقد أشار علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر في كتابه بلاد ينبع إلى أسلافه فقال: (وكان أمير إقليم ينبع في أول القرن العاشر الهجري رجل من الأشراف يدعى (دارج) وهو جد ذوي هجار الأشراف المعروفين الآن في ينبع النخل ولهذا الأمير موقف كريم في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ويتابع الجاسر بقوله: (وممن عرفته في ينبع النخل الشيخ عبد الكريم بن بديوي من ذوي هجار) أمراء ينبع منذ العهد القديم من الأشراف) كما ترجم له في كتابه سوانح الذكريات فقال عن الشريف عبد الكريم بن بديوي أوهو رجل سمح الطلعة متهلل الوجه كريم اليد والخلق شريف النسب من آل هجار أمراء ينبع قديما وتداول الإمارة عدد من آل فجار، هؤلاء لا يتسع المقام للاسترسال في الحديث عنه ويجد القارئ طرفا منه في كتابي بلاد ينبع).
وكان عبد الكريم ولي الإمارة سنة 1336هـ، وفي عام 1344هـ تشرف بأن سلمت ينبع على يديه للملك عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل رحمه الله حيث كان ذلك من قبل مندوبة الأمير سعود بن عبد العزيز الكبير ويصف ذلك الأستاذ صالح السيد في كتابه تاريخ الإدارات والمصالح الحكومية في ينبع في تعداده الأمراء ينبع تحت الرقم 64 فيقول: (الشريف عبد الكريم بن بديوي، وكان في إمارة ينبع إلى أن سلمها إلى القوات السعودية بعد أن سلمت ينبع للملك عبد العزيز رحمه الله سنة 1344هـ كان فارسا شجاعا وحكيما من أشهر فرسان الحجاز شارك في الثورة العربية على الأتراك ويذكر الأستاذ عبد الكريم الخطيب رحمه الله في كتابه رجال وأسر من ينبع وعبد الكريم بن بديوي هو الذي خرج من ينبع لجيش الملك عبد العزيز لتسليمها لفائدة سعود الكبير، وكان يوم التسليم يوما حافلا حين دخلها جيش عبد العزيز إذ خرجت ينبع بقضها وقضيضها من الشيوخ والشباب بالميناء وهم يكبرون ويهللون ويرحبون بالقائد سعود الكبير حتى دخل الدار إذ كانت تخفق عليها وعلى الدوائر الحكومية والسفن الراسية بالميناء الألوية البيضاء ألوية الأمن والسلام) والشيخ الشريف عبد الكريم بن بديوي المجاري كان في مقدمة الرجال القادة الذين وقفوا في مواجهة فخري باشا وجيشه عندما سار بقواته لاقتحام ديار ينبع وله المواقف المشرفة في مقاومة جيوش الأتراك وفك الحصار عن ينبع وكان ذلك بعزمة وإقدام منه كما ذكره محمد حسين زيدان في ذكريات العقود الثلاثة وهو فارس شجاع وعرف بصلابة رأيه وبعد نظره وقال عنه ابن شفلوت وهو من رجال الملك عبد العزيز عن شجاعته ما اعتلى بنت الحصان مثله... وقال عنه تورنس واصفا ملامحه وشجاعته الشريف عبد الكريم يبلغ من العمر السادسة والعشرين من عمره رجل مربوع القامة نحيل الجسم شديد السمرة سريع الحركة نشيطا يكره الأتراك كراهة عميقة وبغضا شديدًا فهو من أسرع فرسان العرب وكان يفخر بأنه اعتاد أن يقطع ثلاث مراحل في وقت يقطع غيره مرحلة واحدة..)
ويوم أن انطلقت الثورة العربية كان أحد قادة الجيوش ومعه قومه وقبائل ينبع من حرب وجهينة وأبلوا بلاء حسنا وبرز في ميادين المعارك العديد من القيادات المهمة. والفرسان الشجعان أمام طوابير الترك وأسلحتها وعتادها وقد عاصر الشريف عبد الكريم بن بديوي المجاري عهد الأتراك والعهد الشريفي والعهد السعودي الذي تشرف منذ مجيئه بتقدير خاص من الملك عبد العزيز وتوقيره حفاظا على استجابته وأمانته وتقديرا لمكانته وأصالته وإعجابا بشجاعته ولذلك كان محل التقدير والاحترام والتكريم وقد أوكل الملك عبد العزيز إليه بعض المهام في شؤون ينبع وأحوال باديتها ورآه أهالي ينبع وهو من المرافقين الخاصين للملك عبد العزيز في عام 1364هـ عندما أتى لاستقبال الملك فاروق بينبع البحر وأحد مستشاريه في ذلك الاجتماع بين الملكين
في جبل رضوى التاريخي الذي كان من مخرجاته فكرة إنشاء الجامعة العربية. ولعل ما ذكره الأستاذ عبد الكريم الخطيب عما رآه في زيارة الملك لينبع وما ارتسم في ذهنه عن الشريف عبد الكريم خير تأكيد على مكانته وعلو قدره في العهد السعودي عندما قال:
كنت شابا يافعا وأبصرت الشريف عبد الكريم يقف مستقبلا بالقرب من بوابة الدار التي ودع الأهالي الملك عبد العزيز مغادرا ينبع، وما إن ترجل الملك عبد العزيز بسيارته حتى رفع الشريف عبد الكريم صوته بقصيدة يحيي فيها الملك عبد العزيز وصافحه بحرارة، ولم أدرك يومها وأنا يافع سر مصافحة الملك الحارة للشريف عبد الكريم بن بديوي إلا حينما كبرت ووعيت وأدركت كل الإدراك بأن الملك عبد العزيز فارس شجاع
يحب ويكبر كل فارس شجاع) ويتابع: (هذا عبد الكريم بن بديوي كان فارسا من فرسان العرب لن يهمله التاريخ وهذه سيرته المضيئة المشرقة لقد عرفته شخصيا وعرفت فيه الأخلاق الرفيعة والشهامة والمروءة..)
وقال الأستاذ محمد حسين زيدان: كان الشريف عبد الكريم مقربا من الملك سعود بن عبد العزيز نا حظوة عنده بأنس به ويستلطف مجلسه مكان كذلك يعد عليه دوما وإذا قدم المدينة يجتمع به ويرافقه ولما زار الملك سعود ينبع عام 1375هـ في طريقه للمدينة المنورة من أجل احتفال كبير بالتوسعة السعودية الأولى للمسجد النبوي زار الملك سعود الأمير الشريف عبد الكريم بن بديوي في داره وأقيم له احتفال يليق به
ومدحه بقصيدة بليغة ....
فهو شاعر من شعراء الحكمة ومن شعراء الكسرة المعروفين وكان محل ثقة الملك فيصل بن عبد العزيز ومن المقربين إليه وقد عينه مشرفا على المبرة الملكية البادية جهينة عام 1368هـ وكان الملك فهد يثني عليه في بعض مجالسه فيقول عنه: (الشريف عبد الكريم راعي ينبع من الرجال الأخيار)
وأقول هنا في خلاصة من القول بأن الشريف عبد الكريم شيخ الأشراف المجارية وشيخ قرية الأشراف سليل مجد وإدارة ورجل أصالة في النسب والمعرفة والخبرة والرجولة وكذلك هو رجل المواقف والشجاعة وهو حكيم من حكماء العرب عاش سيدا في قومه ودياره وتوفي في العام الهجري 1386هـ. وكان من نوادر الرجال خلفا ومهابة وسؤددا وشموخا، الكا طوال حياته على أصالة وعروبة وشموع من أسلامه وورت كل ذلك لعقبه وعلى رأسهم حفيده الشريف محمد بن عبد الله بن عبد الكريم المجاري الذي غادرنا إلى دار البقاء وكتب الله له أن يصلى عليه ويدفن في بقيع الغرقد بالمدينة المنورة في أواخر الشهر الكريم لعام 1445هـ والذي لمكانته وعلو منزلته عند ولاة الأمر. تمت تلبية طلبه عندما اشتد به المرض ليكون ابنه الشريف هاشم بن محمد بن عبد الله بن عبد الكريم بن بديوي مكانه في مشيخة القبيلة وفي مشيخة قرية الأشراف. في منطقة العشيرة بينبع النخل والذي تسلمها في حياة والده ونجح فيها بكل ثقة واقتدار ويشهد له كل عارفيه بلطافة معشره وجميل مخبره وحسن خلقه وسلامة . نهجه ووطنيته كأبيه وجده وأسلافه، حفظه الله ووفقه وأعانه.






