الشيخ محمد علي بن عساف الأحمدي
محمد بن صالح البليهشي

رمزنا اليوم هو الشيخ محمد علي بن سعد بن جزاء الأحمدي واحد من عباقرة شيوخ القبائل في عصره ومن الرموز البارزة التي شهدت أحداث توحيد المملكة العربية السعودية مع والده الشيخ عساف بن سعد بن جزاء مع الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى، لقد كان للشيخ عساف الأحمدي موقعًا مميزاً أثناء تلك الأحداث واشترك الشيخ عساف ضمن وفد حرب في المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقده المؤسس رحمه الله تعالى وكان برفقة الشيخ عساف الأحمدي وهو يمثل قبيلته الأحامدة ويمثل قبيلة حرب مع شيوخ حرب الذين اختارهم الملك ضمن ذلك الوفد.
كان برفقة الشيخ عساف أبناؤه محمد علي وعباس اللذين شهدا وقوف والدهما وتعاونه مع جلالة الملك عبد العزيز أثناء سيره على مدن الحجاز لتستظل في دوخته الوارفة وتعلما منه الكثير من الحكمة والتعقل والشموخ والرجولة والإباء.
و(رمزنا) الشيخ محمد علي هو الذي خلف أباه في مشيخة قبيلة الصميدات من الأحامدة من بني سالم من حرب، ويوم توفي والده الشيخ عساف بن سعد بن جزاء في عام 1363هـ تلقى الشيخ محمد علي الموافقة السامية. من جلالة الملك عبد العزيز ليكون محل والده بمشيخة القبيلة والقيام بمسؤولياتها والتزاماتها أمام الدولة وأمام مسار القبيلة، وكان الشيخ (الرمز) محمد علي بن عساف قد بلغ من العمر 51 سنة أمضاها بجانب والده تعلم خلالها الشيء الكثير من أعراف وعادات وتقاليد القبائل وكيفية التعامل مع الأحداث وإدارة مجالس القضاء العرفي الذي كان سائداً قبل دخول البلاد في خيمة الملك المؤسس رحمه الله تعالى، ثم كيفية التعامل مع المسؤوليات الجسام أمام الدولة وتنفيذ تعليماتها وأمام الدوائر الحكومية وما تتطلبه من تعاون وحرص على الأمن والاستقرار وتنفيذ الأوامر ورفع احتياجات المواطنين إلى أعتاب الدولة مع الإخلاص. والولاء والسعي لما يصلح شأن البلاد والعباد
لقد قام الشيخ محمد علي بن عساف بالدور القيادي الذي تتطلبه مسؤوليات القبيلة من ولائها للقيادة ومن تعاملها مع القبائل الأخرى وظل مجلسه مفتوحاً لقبيلته وللقبائل الأخرى ولكل محتاج ولاجئ إلى جواره، وتعلم من أسلافه من والده عساف ومن عمه حذيفة وجده سعد بن جزاء كل معاني الرجولة والشجاعة والكرم والولاء لقادة البلاد والتعامل مع الأحداث وعلاج المشاكل القبلية وتنفيذ الأوامر والتعليمات بعزيمة قوية وفطنة وسرعة بديهة وإنصاف في كل ما يعرض عليه أو يبحث في مجلسه من المشاكل الاجتماعية والقبلية وغيرها، واتخذ له في مجلسه منظرين ومساعدين من أصحاب الفكر النير والعقلية الراجحة وفي مقدمتهم أخاه عباس وكبار قبيلته، ومن هنا حافظ على كيان مجلسه الذي هو امتداد لمجلس آبائه وأجداده في القبيلة.
وكانت فترة رئاسته للقبيلة بعد وفاة والده فترة شح في الموارد وعوز وفقر عم المنطقة للأحداث العالمية التي ظللت العالم بأسره، ومع هذا كانت يد الشيخ محمد علي معطاءة وكرمه وبذله قد عرفه القاصي والداني لكل معوز ومحتاج، وظل مجلسه عامراً بالضيوف وناره لا تنطفئ . وكان قوياً في شخصيته عفيفاً في نفسه غيوراً على قبيلته وديرته لا يجامل في الحق ويصدح بكلمة العدل، ومن هنا أحبه كل عارفيه وتركزت محبته في نفوس القبائل الأخرى لكرمه وشجاعته وتحريه العدل والإنصاف فيما يعرض عليه من قضايا لحلها.
وهو من الذين رحبوا بافتتاح مدرسة المسيجيد في عام 1365هـ وبادر بحث قبيلته على إلحاق أبنائهم بتلك المدرسة وطالب في عام 1382هـ بافتتاح مدرسة (زخقان) لإيمانه بالعلم وأثره في الحضارة والتنوير وتقدم لوزارة الزراعة لحفر وإصلاح آبار في جهته وساعد في كل ما يحقق تطورًا وتقدمًا للمواطنين، وفوق ذلك كله كان الشيخ محمد علي بن عساف حريصاً على الأمن والاستقرار الذي أرسى دعائمه الملك عبد العزيز، وله شخصية معروفة أمام الجناة والمعتدين على حقوق الآخرين وقد سبق عصره حقيقة بكثير واتضح ذلك من خلال ما أرسله من خطاب للنائب العام الملك فيصل بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى بتاريخ 20 شعبان 1367هـ بخصوص ما لاحظه من بعض الذين يتقدمون بالشكاوى الكيدية التي تهدف إلى. الابتزاز للاعتراض ورفع الشكاوى وأوضح للنائب العام رؤيته للتعامل مع تلك الشكاوى بالحكمة من موقع المسؤولية الاجتماعية والفطنة والذكاء. فقبل ثمانية وسبعين عاما من الآن اقترح الشيخ محمد علي شيخ الصميدات من الأحامدة في خطابه للنائب العام بمكة المكرمة بفرض (غرامات على كل من تقدم بشكوى كيدية ولم تثبت
بحيث يدفع المدعى جميع مصاريف الدعوى وهو ما تقرر حالياً في دفع رسوم (الدعاوى) وقال الشيخ محمد علي في خطابه الأنف الذكر بعد شرح أغراض وأهداف أولئك المدعين الذين يعمدون إلى الإضرار بالناس وإشغال الدوائر الحكومية والشرعية افعليه والحال ما شرحاسترحم إصدار أمركم الكريم بأن كل من يقدم شكاية في أحد من سكان البادية أو الحيوف يؤخذ عليه التعهد الوثيق بأنه إذا ظهر أنه غير محق في شكواه ولم يثبت له حقاً واضحاً فيكون ملزوماً يدفع جميع مصاريف المدعى عليه من مقر سكنه ذهاباً وإيابا مع جميع مصاريفه وتعطيله مدة جريان الدعوى مع تقرير الجزاء الذي تراه الحكومة جسمًا لمادة الفساد وردعا للمشوشين والمشغلين لدوائر الحكومة بالدعاوى الكاذبة والغير صحيحة سداً لأربعة
الفساد).
وأقول هذا أن هذا الخطاب وهذا الاقتراح والرفع المقام النائب العام في ذلك الوقت قبل ثمانية وسبعين عاماً يدل دلالة واضحة على ما يتمتع به ذلك الرمز الشيخ محمد علي علي بن عساف من وعي وإدراك وعقل واتزان ورغبة أكيدة في الإصلاح ووأد أبواب الفساد، وردع أصحاب الأهواء والأغراض والنفوس الشريرة في بني البشر ثم إن رجلاً بهذه العقلية والوعي والإدراك جدير بالرئاسة والقيادة وجدير بالاحترام والتقدير والذكر الحسن والسيرة العطرة لشيوخنا ورموزنا في كل زمان ومكان وحري بهم أن توثق صور قيادتهم وأساليب تعاملهم مع أحداث الزمان وتقلبات الدهر، وحري بنا أن نفخر بأولئك الرجال الذين عملوا وتركوا بصمات التعقل والإخلاص
والحرص والعدالة والتضحية.
ومن الطبيعي أن رجلاً بهذه الصفات والعقلانية لا يقف ذكره عند ربعه وجماعته وقبيلته، بل يردد اسمه كل المنصفين من القبائل الأخرى، ولعل قصيدة الشاعر محيل بن عبد السميري الجهني خير شاهد على ذلك حيث أثنى على الشيخ محمد علي بقصيدة جاء فيها :
يا راكب حر عليه الهدب لاح
مكمل بالميركة والأواني
ينصا لابن عساف مع في الإصباح
يبشر بترحيب وطيب المعاني رد السلام ثم خصة بالأمداح
وتمين عاود له بطلق اللسان
شيخ يصب السمن والوقت كلاج
وباما ذبح لأهل الفقود السماني
شيخ مقر الحق ماهو بمزاححزم عسير ولا رقاه الهداني
عد يقيل ولا تمناه مياح
واللي يميحه فالفرق والهواني
ومما يذكره كبار السن للشيخ محمد علي في عام 1381هـ ذلك الموقف الشجاع عندما طال الخلاف في قرية عين حسين بالسويق في ينبع النخل وتم الاستنجاد به للتدخل وحل الخلاف والإصلاح بين الفرقاء الذي كاد أن يشعل نيرانًا من العداوات والبغضاء حيث أتى الشيخ الرمز) محمد علي بن عساف على رأس وفد من شيوخ القبائل المجاورة ومن أعيان قبيلة الأحامدة، وتم حل الخلاف وإعادة المياه إلى مجاريها من الصفاء والود والاحترام بين الفرقاء وقد سجلت الشاعرة سالمة بنت عمران القيساني رحمها الله تعالى أخت الشيخ مازن بن عمران القيساني رحمه الله تعالى زوجة الشريف جابر بن حمد العياشي ذلك الموقف بقصيدة قالت فيها : تسعين بيضا نشرت لابن عساف
وأبيض على اللي له تعنى وخبر
وتسلم يمين خلت الفعل ينشاف حتى المغوى دون حقه تعير
دموا .. مهمة عن قبائل والأسلاف. نطاح للقالات شيخ مكبر
هرچه صواب وعدلت كل شواف
يا فيتل الشارب .. وحي الموقر
لقد سار الشيخ (محمد علي بن عساف في مشيخة القبيلة سيرة والده وأسلافه وكان مثالاً للرجل العصامي القدير المحافظ على مركزه القبلي وواجباته أمام مسؤوليات الدولة وفاء واحتراماً وإخلاصاً وحباً وتقديراً حتى وافاه الأجل المحتوم في العام الهجري 1386هـ وكان لفقده الأثر البالغ وقيل في ذلك العديد من (الحدايا) والقصائد رثاء لفقده وأثره في القبيلة ومنها قول الشاعر ناشي بن جبري الأحمدي رحمه الله تعالى:
نجم طلع بالدار وأمس قيل غايب
يامن درى بالدار عقب النجم غاب نطاح حمل الجور لاجات النوايب
رماي للمبذول يوم الدهر عاب
وتسلم الراية من بعده ده في مشيخة القبيلة والقيام بالمسؤوليات أخوه الشيخ الشاعر النسابة العارف عباس بن عساف بن سعد بن جزا الذي تحمل المسؤولية بكل ثقة واقتدار واستمر فيها رجلا ثقة وأمانة وحرصاً وإخلاصاً وشموخاً وإباء وتقديراً وحسن معاملة حتى وفاته رحمه الله تعالى في العام الهجري 1396هـ، وبوفاته صدر الأمر الكريم للشيخ خالد بن محمد علي بن عساف ليحل في موقع مشيخة القبيلة متأسياً بوالده وعمه وأسلافه ولا يزال بحمد الله تعالى موفقاً في مساره ونهجه وأصالته.






