الشيخ محمد العلي التركي
محمد بن صالح البليهشي

رحم الله الشيخ محمد بن علي بن محمد بن منصور بن عبد الله بن تركي ذلك العالم الزاهد الفقيه.
ذلك الرمز الذي عرف بين الوسط المدني باسم محمد بن تركي الرجل العالم المتواضع الذي تميز بأخلاقه وقربه من الفقراء والمساكين وتميز بمظهره وطلاقة وجهه وتواضعه وحسن أخلاقه عرفه علماء المدينة في أواسط القرن الماضي بقوة حجته والوقوف عند رأيه المدعم بالدليل لا يكذب ولا يداهن ويتحرى في مطعمه وملبسه الحلال البين لا يقترب من الشبهات ولا يجامل في الأحكام. الشرعية ويقف عند الحدود ولا يفارق المسجد النبوي خاصة في اخر. حياته، صادق في قوله يكره الكذب ويحارب النفاق ويعادي أصحاب البدع والخرافات والشعوذة، عاش بالمدينة عيشة التقشف.
وصل إلى المدينة بعد ترحال من موطنه الأساسي في مدينة عنيزة بالقصيم التي ولد فيها عام 1299 هـ وفقد والده في معركة (المليدا) الشهيرة في عام 1308 هـ وحفظ القرآن مع تجويده عن ظهر قلب ودرس على يد العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن بن سعدي والشيخ صالح القاضي والشيخ محمد العبد الكريم وغيرهم وقد رأى فيه الشيخ السعدي نبوغا وذكاء، فأتاح له الدرس في منزله حيث يذهب ابن تركي إلى الشيخ السعدي ويقرأ عليه في كل يوم ثلاثاء شرح المغني ويناقشه فيه وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة ولما بلغ عمره أربعة عشر عاما سافر إلى مكة المكرمة واشتغل بعض الوقت بالتجارة مع أخيه إبراهيم العلى التركى ولكنه لم يكن قلبه محيا للتجارة، بل كانت أفكاره علمية واتجاهاته دينية فالتحق بالمدرسة الصولتيه ودرس بها ووجد في حلقات العلم والدرس بالمسجد الحرام بغيته فاستفاد منها في علوم التفسير والحديث والفقه والعربية ونبغ في الأحكام الفقهية وعرف الكثير من علماء المسجد الحرام وعرفوه كذلك بجده وذكائه حيث جلس في دروس المشائخ أحمد بن عيسى وأبي بكر خوقير وعبد الله الزواوي وعبد الرحمن الدهان وشعيب المغربي.
رحل الشيخ ابن تركي من جده إلى الهند والتقى بالعلماء الهنود في دلهي وبومباي وحيدر اباد وكلكتا وزار العراق ومنها انتقل للمدينة النبوية وتنقل بين حلقات الدرس والتحصيل في مسجدها العظيم ودرس علوم الحديث، وفي العام الهجري 1340 شد رحاله إلى مصر ومنها إلى فلسطين وألقى دروسا في أروقة المسجد الأقصى وكان أمين الحسيني ممثل القدس قد أعجب بدروس ابن تركي وقد أثر عنه أنه قال عندما سمع دروسه وحسن بيانه ( لم يجلس على هذا الكرسي بعد الشيخ محمد عبده أحسن من هذا الشاب محمد ابن تركي )
ومن القدس عاد شيخنا إلى جده ومنها وصل الرياض ثم الاحساء فالقطيف وبقية المناطق المحيطة ومن ذلك الترحال تكونت لديه. حصيلة ثقافية في مختلف العلوم الدينية والدنيوية فكان مرجعا في الفقه والحديث والتفسير والادب والتاريخ والسير والمغازي ووصلت به حدة الذكاء وفرط حبه للعربية واعجابه بالمتنبي ان حفظ ديوانه كاملا كما حفظ بعض المعلقات واستفاد منها في معرفة لغة العرب واشعارهم.
مع بدايات دخول المدينة المنورة في عهد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل عام 1344 هـ شهدت أروقة المسجد النبوي الشريف حلقة الشيخ ابن تركي كما كان منزله مدرسة مستقلة الطلاب العلم الشرعي ومحبي اللغة العربية حيث فتح بيته وقلبه لنشر العلم والثقافة وكان بالمدينة تلك الفترة يسير في شوارعها ويغشي مجالسها الأدبية وهو اشبه ما يكون بمدرسة متنقلة قد ملأ علما وثقافة وزهدا وتواضعا وصدرت الأوامر الملكية من الملك عبد العزيز بتولية ابن تركي القضاء في المدينة المنورة في عام 1345 هـ ومن ثم تم تعيينه في عام 1346 هـ مساعدا لرئيس القضاة في مكة المكرمة وفي العام الهجري 1348 قدم طلبا بإعفائه من ذلك المنصب وكانت مدرسة العلوم الشرعية في بداية الخمسينات الهجرية من القرن الماضي بمثابة جامعة كبرى بالمدينة فسعى المسؤولون بها لدى الشيخ بأن يكون أحد مدرسيها بالقسم العالي فوافق وكانت موافقته وانضمامه إلى مدرسة العلوم الشرعية كسبا كبيرا للمدرسة وللعلماء الذين كانوا بها وللطلاب في القسم العالي الذين استفادوا منه وعرفوا عنه القوة في حصيلته العلمية والقوة في حجته وصلابة رأيه وجراءته وعلو بيانه ومن اشهر من تلقوا عنه واعجبوا به علما وثقافة واديا وتواضعها وورعا المشائخ محمد منصور خطاب عبيد الله كردي وسليمان الصنيع ومحمد بن سيف وعبد العزيز البسام وعبد الله الفهيد وعبد العزيز الفريح وجميع طلاب العلوم الشرعية إضافة الى كثير من طلابه ومحبيه في حلقات الدرس بالمسجد النبوي الشريف وعارفي فضله الذين درسوا عليه في داره، وقد طلب اليه التدريس في المعهد العلمي بالرياض فاعتذر عن ذلك لعدم رغبته مغادرة المدينة المنورة وكان الشيخ ابن تركي معتبرا من جميع العلماء والمحدثين الذين يزورون المدينة المنورة حيث يحرصون على اللقاء به في رحاب المسجد الشريف او في داره ومنهم العلامة المحدث الشيخ محمود ياسين الذي وثق زيارته في المدينة واظهر حرصه على لقاء العلامة ابن تركي وقال عنه :
في ثامن أيامنا بالمدينة المنورة الثلاثاء 7 ربيع الآخرة 1359 ادينا ولله الحمد صلاة الفجر بالروضة مع الامام الأول ومكثنا نقرأ ما تيسر لنا حتى صلينا الضحى ثم رافقنا الاخوان لزيارة الشيخ ابن تركي وقد كان هذا الرجل يجاهر في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم ... ويضيف بعد الثناء عليه بقوله بقي الشيخ ابن تركي صابرا لأنه يرى ان في عنقه دينا لابد من ايفانه.
بقي الشيخ ابن تركي في المدينة المنورة قرابة سبعة وثلاثين عاما وعرفه اهل المدينة بصلاحه وتقواه وحبه لمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد اتخذها موطنا ودار بقاء حتى مماته وعرفوه نقيا تقيا عفيفا يتحرز من كل ما فيه شبهة من مأكل ومشرب وملبس وقدره علماء العالم الإسلامي وعرف مكانته جميع علماء المملكة العربية السعودية بعلمه وقدرته على المحاجة بالقول الصحيح وحدته وغيرته على الدين والعلم والمعرفة وقد الف كتابا بالاشتراك مع الشيخ بهجت البيطار في الرد على عبد القادر الإسكندراني واطلع عليه الملك عبد العزيز واعجب به وارسل خطاب شكر قال فيه : أوردنا ردكم على عبد القادر الاسكندراني فوجدناه ردا سديدا وجوابا صائيا مفيدا وافيا بالمقصود محمدنا الله على ما من به عليكم من معرفة الحق والبصيرة فيه وعرضناه على مشائخ المسلمين فاستحسنوه واجازوه والحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية وعصابة تذب عن دين المسلمين وتحمي حماه عن زيغ الزائغين وشبه المارقين والملحدين فاغتنموا الدعوة الى الله والى دينه والى شرعه ودحض حجج من خالف ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من البينات والهدى وان تكون الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنه فان القيام في ذلك من اوجب الواجبات ومن حسن توفيق الله لكم ان اقامكم في اخر هذا الزمان دعاة الى الحق وحجة على الخلق فاشكروه على ذلك والسلام)
وبعد حياة مليئة بالأعمال الصالحة ولا احد يزكيه على الله سبحانه وتعالى مرض الشيخ ابن تركي في المدينة ولازمه مرضه لمدة تزيد على السنة مما اضطره إلى عدم استطاعته للخروج للمسجد النبوي الشريف الذي تشرف بالصلاة فيه طيلة مدة بقائه في طيبة الطيبة وفي صباح يوم الجمعة الموافق للعشرين من جمادى الثانية عام 1380 ، غادر هذه الدنيا إلى دار الآخرة وصلت عليه جموع المسلمين بعد صلاة الجمعة في المسجد الشريف ودفن ببقيع الفرقد رحمه الله وادخله فسيح جناته. وبفقده فقد العالم الإسلامي رجلا من الرجال الإسلام وعالما كبيرا من علماء الشريعة.






