الأستاذ محمد الطيب إدريس

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ محمد الطيب إدريس
الأستاذ محمد الطيب إدريس

إذا ذكر التعليم بالمدينة المنورة في النصف الثاني من القرن الماضي لابد أن يذكر ذلك الرمز الأستاذ محمد الطيب إدريس، فهو واحد من عمالقة التعليم الذين عايشوه طالبا ثم مدرسا مع بدايات الخمسينات الهجرية من القرن المذكور.

وتعود معرفتي بالأستاذ إدريس) كما كانوا يسمونه في العام الهجري 1391هـ عندما صدر قرار مدير التعليم الأسبق الأستاذ عبد العزيز الربيع بتوجيهي لافتتاح مدرسة أسد بن فرات الابتدائية في حي العنابية شرقي المسجد النبوي الشريف، وكأن الربيع رحمه الله قد أوعز إلى الأستاذ إدريس بالوقوف معي ومساعدتي في البحث عن المبنى المناسب وتهيئة كل الإمكانات لافتتاح تلك المدرسة وصار (المفتش) الأستاذ محمد الطيب إدريس يتابع خطوات افتتاح المدرسة ويعلمني بطريق غير مباشر في كيفية التعامل مع التهيئة والتجهيز واستقبال المدرسين وجلب الكتب والأثاث وقد استفدت منه أيما استفادة لأنه رجل خبير في افتتاح المدارس وتعليم قياداتها فنيات العمل الإداري فيها، ومن يومها توطدت علاقتي به وعرفت حرصه على الإفادة وإخلاصه في أداء مسؤولياته وكان الربيع) يعتمد عليه في إعداد القيادات التربوية من منسوبي التعليم وهو بحصافته يسهم في المشورة لمدير التعليم واختيار المديرين الذين يستطيعون أن يديروا تلك المدارس في كافة المراحل، ولديه حس إداري وقراءة لشخصيات العاملين ومعرفة قدراتهم وهو إلى جانب ذلك يمتاز بشخصية إدارية طموحة وحماس ووطنية، ويمتاز بابتسامة لا تفارق محياه مما يجذب الآخرين لتقبل تعليماته وتوجيهاته ومع ذلك معتد بنفسه وواثق من ثقافته وله مكانة خاصة وموقع إداري مميز.

وقد تتلمذ (رمزنا) الأستاذ إدريس في العمل الإداري على يد العربي القدير المرحوم الأستاذ عبد العزيز الربيع وعلى يد رئيس التفتيش الأستاذ صالح أخميمي المساعد الأول للربيع في بناء الإدارة التعليمية رحمهما الله حيث دخل أستاذنا محمد إدريس في رواق التفتيش الإداري بعد نجاحه في المسابقة التي أقامتها الوزارة لاختيار مفتش إداري ودفعه الربيع إليها بعد تردد منه خوفا من الفشل وقد صرّح للربيع بذلك فقال له: يا ابني الذي لا يفشل لا ينجح ومن هنا كانت العزيمة والإصرار وعاد بعد المسابقة بنجاح باهر وبذلك اتخذ هذه العبارة وذلك التوجيه من الربيع الذي لا يفشل لا ينجح قاعدة له يصرح بها أثناء متابعته لافتتاح المدارس وتوجيهه للقيادات أمام كل متهيب أثناء الإعداد للقيادة التربوية.

والأستاذ محمد الطيب إدريس من أبناء المدينة المنورة وهو من مواليد العام الهجري 1344هـ ودخل وهو في الرابعة من عمره في كتاب خلف بئر حاء بجوار المسجد النبوي الشريف وتعلم القراءة وحفظ ربع القرآن ثم استقبلته مدرسة التهذيب الأهلية إضافة إلى حلقات المسجد النبوي الشريف حيث أتم حفظ القرآن الكريم وبعدها التحق بالمدرسة الناصرية في عهد مديرها الأستاذ أحمد صقر وبعده الأستاذ محمد عبد الكريم السناري رحمهما الله وتلقى تعليمه فيها بالمراحل الأخيرة وكان متميزا في دراسته ومتفوقا فيها مما حاز على إعجاب مدرسيه ومنحوه تزكيات بعد نجاحه في عام 1361هـ لقبوله في مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة ولكن قلة ذات اليد حالت دون ذلك فمارس السقاية بالمسجد الشريف والتحق بأعمال حرفة النجارة وغيرها. وفي العام الدراسي 1364هـ نجح في مسابقة مدرس رياضيات في المدرسة الناصرية ثم رفع إلى معاون بمدرسة النجاح وفي عام 1373هـ صدر أمر جلالة الملك سعود رحمه الله بافتتاح أربع مدارس بالمدينة من بينها المدرسة المحمدية حيث كلفت إدارة التعليم الأستاذ إدريس) لتأسيسها في حوش منصور ومن هنا برزت مواهبه الإدارية والتربوية وصارت المحمدية قمة في التربية والنشاط وحضر إحدى حفلاتها سعادة وكيل إمارة المدينة المنورة الشيخ عبد الله بن سعد السديري رحمه الله الذي أشاد بجهود مدير المدرسة ونجاحها في أداء رسالتها وأطلق عليها اسم المدرسة المحمدية النموذجية وبعد خمس سنوات كلف بالعمل مساعدا لمدير متوسطة الصديق وما لبث أن صار مفتشا بالإدارة التعليمية ثم رئيسا للتفتيش الإداري بعد إحالة الشيخ صالح أخميمي إلى التقاعد وصار العضد القوي والركن الركين لمدير التعليم وخلال العام الهجري 1394هـ عاشت الإدارة التعليمية أيامًا مشرقة للاحتفال بمرور خمسين عاما على افتتاح المدرسة الناصرية، تلك المدرسة التي عاش فيها الأستاذ طالبا ومدرسا وكان شعلة من النشاط في التجهيز والإعداد والتوجيه إلى جانب اللجان المشرفة، وكانت آراؤه وتوجيهاته محل التقدير والعرفان، وقد شارك في البرامج التي استمرت ثلاثة أيام متتالية وفي الندوات التي أقيمت بهذه المناسبة وقد دون أستاذ الجيل محمد الطيب إدريس ) مشاركاته في الندوات وفي السجل الذي أصدره مركز المعلومات والإحصاء والتوثيق التربوي بوزارة المعارف بمناسبة مرور خمسين عاما على تأسيس المدرسة الناصرية، ومنها قوله وهو يستعيد شريط الذكريات عن المدرسة والكتاتيب في النهضة التعليمية ضمن ندوة ضمت كبار المسؤولين عن التعليم بالمدينة وأدارها المدير العام للإدارة التعليمية قال مسجلا شيئًا من ذكريات الماضي: إن الطالب كان لا يترك الكتاب إلا وعمره حوالي أربع عشرة سنة ثم يذهب إلى المدرسة فيلاقي التحضيري وهو في الدور الأول في المدرسة الناصرية حيث أن الدور الثاني يوجد فيه الابتدائية فالطالب يذهب إلى الكتاب ويأخذ وقتا طويلا في حفظ القرآن ومن هنا لا يصل إلى الابتدائية إلا بعد سن الخامسة عشر تقريبا وكانت الدراسة أصعب بكثير من الدراسة الحالية فمعظم المواضيع التي تدرس في هذه المرحلة تدرس الآن في مراحل متقدمة وعلى سبيل المثال كان الطالب يدرس في المرحلة الابتدائية مادة اللغة الإنجليزية وأذكر أن الطالب من الدفعة التي كانت قبلنا يستطيع أن يمسك الجريدة ويقرأ ما بها بكل بساطة وكان من هذه الدفعة طالب تخرج وعمل في شركة أرامكو) في الظهران مترجما وهو خريج المدرسة الناصرية فقط ...

ويضيف: قد تخرج من هذه المدرسة طلاب عمالقة وقوائم الخريجين خلال الخمسين عاما الماضية تشهد بذلك وأذكر منهم معالي السيد عمر السقاف وضياء الدين رجب واللواء طيار أسعد زهير وأيوب صبري ومنصور عارف وعلي حسين عامر وعبد الهادي طاهر والدكتور أحمد ملا وحمزة عابد والدكتور رضا عبيد والشيخ علي المهنا وغيرهم كثيرا.

وأعود بعد هذا إلى أن الأستاذ محمد الطيب إدريس قد عاش حياة حافلة بالعطاء والتضحية وعاش روحانية طيبة الطيبة ولم يغادرها لأي عمل آخر في غيرها وفي العام 1397هـ طلب الإحالة على التقاعد واتخذ من المسجد النبوي مكانا للعبادة مع احتفاظه بروحه المرحة وقلبه الأبيض النظيف وحب الخير لكل عارفيه وأصدقائه ومحبيه، وقد شرفت بلقائه في آخر أيامه في المسجد النبوي الشريف بعد صلاة الظهر على ما أذكر فكان لسانه ذاكرا وقلبه شاكرا وأسر إلى بدعوته التي طالما رددها لأصدقائه بقوله: (إنني أدعو الله أن لا يأتي اليوم الذي انتظر فيه من يجلسني على عربة ثم يقودني).

واستجاب الله له حيث مرض في أيام معدودة وبعدها توفي في يوم الجمعة الموافق 22/03/1416هـ وأخذ مكانه في بقيع الغرقد بهذه البقعة المباركة رحمه الله وغفر له وأجزل الأجر والمثوبة.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.