الدكتور محمد العيد الخطراوي
محمد بن صالح البليهشي

ذلكم هو الدكتور محمد العيد الخطراوي الذي غادرنا إلى دار البقاء في أواخر شهر شعبان 1433هـ. وكان لفراقه يرحمه الله حزناً عميقاً لدى كل عارفيه.. وقد فقدت الساحة الأدبية لدينا علماً كبيراً من أعلامها الذين كانت تتكئ عليهم والذين يعرفون للكلمة قدرها وللحرف معناه. إنه يرحمه الله يقدر قيمة الكلمة المكتوبة ويعرف أبعادها ولذلك يتعامل معها بصياغته الفنية المعروفة لكي تعطي مفهومها في دقة ووضوح.. فهو إلى جانب كونه شاعراً مجيداً يعتبر مؤرخاً وكاتباً وناقداً من طراز خاص وله العديد من الدواوين الشعرية التي تؤكد ملكته الأصيلة والتي تؤكد كذلك إيمانه بالمثل والقيم الإسلامية الرائدة. أما كتبه المنثورة وأبحاثه المتعددة فهي كذلك تمتاز بالعمق والأصالة والإعجاب بلغة العرب وريادتها وسلامة ألفاظها وبعد معانيها وهو كذلك أديب متعدد المواهب واسع الاطلاع عميق اللغة يحب العربية ويغار عليها ويغضب عندما يمس لحناً فيها ولذلك كانت إسهاماته في فنونها متعددة شعراً و قصة ورواية ونقداً وبحثاً وتاريخاً. ولقد كان لي شرف التلمذة على يديه عندما كنت منتسباً في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وشرف العمل معه عندما كان مديراً لثانوية قباء حيث كنت وكيلاً له بالثانوية في فترة من الفترات وقبلها شرفت بزمالته في عام 1394هـ، مدرساً في ثانوية طيبة.. وزاملته كذلك في أسرة الوادي المبارك ثم في عضوية مجلس إدارة النادي الأدبي بالمدينة المنورة لمدة تزيد عن ثلاثين عاماً وكان يرحمه الله هاجسه الأول في حياته كلها اللغة العربية وخدمتها والتعامل معها بكل تجلة واحترام وكان يخاف عليها من وسائل الهدم الحديثة. أما هاجسه الثاني فهو المدينة المنورة التي أحبها كل الحب وخطى خطوات جادة مشكورة في خدمة تاريخها العلمي والثقافي والأدبي وتحقيق العديد من الكتب والأعلام ودواوين الشعراء في هذه المدينة العظيمة وهو يعتبر أن ذلك كله يندرج تحت حب المدينة المنورة وحب ساكنها عليه الصلاة والسلام ويقول دائما أن هذا الحب من علامات الإيمان وهو مما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى إضافة إلى ما فيه من خدمة وطنية واجتماعية وثقافية.
وأعود فأقول: إن (الرمز) الدكتور محمد العيد الخطراوي عرفه المجتمع المدني مدرساً ومديراً في مدارس المدينة المنورة وأستاذاً جامعياً في جامعاتها وعرفته المنابر الثقافية شاعراً ومحاضراً وناقداً ولغوياً وهو في كل ذلك أستاذ الجيل) وأحد شعراء أرض عبقر الذين كتب عنهم برنامجاً (إذاعياً) في عام 1397هـ، ثم أخرج حلقات ذلك البرنامج في كتابين عاصرت حياته مع ذلك الجهد الأدبي الكبير الذي جمع فيه بين الشعر والنثر ونصب نفسه يومها ناقداً ومحللاً ومؤرخاً وفيلسوفاً لما استعرضه من أعمال أولئك وعددهم أربعة وعشرون شاعرا من شعرائنا الرواد رحمهم الله جميعا ورحمه كذلك فهو الخامس والعشرون وجميعهم فقدتهم أرض عبقر وهو في دراسته الشعر كل منهم يورد لمحات منه ويستعرض بعض الجوانب من الناحية الفنية الخالصة ويلمسها برفق ويجلو محاسنها ويكشف عن معادنها ويصونها عن الغنائه والفسولة ويبتعد عن الضعف والفجاجة ويحرص على أن تكون دراسته ذات فائدة وجدوى مع العرض الفني للوحات الشعرية الفائقة وهي إن لم ترق إلى معارج الكمال كما يقول فإنها لا ترضى بالسفوح وحسبه شرف الغاية و المنزع....
أما الشعراء الذين تطلع إليهم في أرض عبقر وقدم حلقات برنامجه التي تجاوزت ثلاثين حلقة في إذاعة الرياض فهم على ترتيب الحلقات ابن عثيمين وابن بليهد وفؤاد شاكر وحسن صيرفي وعبد الحق النقشبندي ومحمد هاشم رشيد وإبراهيم محمد الدامع وحمد الحجي وعثمان بن سيار وماجد الحسيني ومحمد فهد العيسى وطاهر زمخشري ومحمد حسن فقي والشاعر الأمير عبد الله الفيصل ومحمد حسن عواد عبد الله بن إدريس وحمزة شحاته وحسن عبد الله القرشي وسعد البواري ومحمد علي السنوسي وأحمد قنديل وعبد السلام هاشم حافظ وسعد أبو معطي ومحمد سليمان الشبل. ويقول رحمه الله يوم أن كتب عن هؤلاء قبل ثمانية وأربعين عاماً إن هدفه التعريف والتنويه وذكر المحاسن أكثر من ذكر المعايب والمآخذ عدا بعض اللمسات النقدية الخفيفة التي كان لابد منها... لأننا من جهة في حاجة إلى إقامة البناء ورفع النماذج ولأننا من جهة أخرى كما قال العقاد: ( إذا قلنا: أن فلانا من الناس يملك بستاناً وعمارة لا يلزمنا بالتالي في ميزان الصدق أن نقول: ولكنه لا يملك معارض تجارية أو قطيعا من المواشي إذا حسبنا أننا لم نعد الحق فيما ذكرناه...
وأقول أخيراً : رحم الله أبا طارق) لقد كان فيها ملء السمع والبصر ولئن فقدت العربية كاتباً ومؤلفاً وناقداً وقصاصاً وروائياً وشاعراً ولغوياً ومؤرخاً.. فقدت إسهاماته المتعددة ونشاطه الدؤوب ولغته العربية كحارس غيور على إبداعاتها أمين على جمالها من لوثة الأعاجم والأعراب المستعجمة. لأن فقدته جسماً ولساناً وقلباً فإن إرثه الذي تركه والذي يزيد عن أربعين كتاباً في الشعر والأدب والثقافة والتاريخ والحضارة مما يشكر عليه ويذكر للأجيال القادمة...
وحسبه أن أمنيته التي طالما تمناها وهي الموت في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم والدخول في بقيع الغرقد مع الداخلين فيه قد تحققت رحمه الله وجزاه الله خيراً على ما قدم.






