الشيخ محمد ثاني العالم الموسوعة
محمد بن صالح البليهشي

في التسعينات الهجرية من القرن الماضي كنت أحمل الشهادة الثانوية وكنت مديراً لمدرسة ابتدائية بالمدينة المنورة وفي تلك الفترة أعلنت وزارة المعارف عن وظيفة أمين مكتبة طيبة الثانوية ومرتبتها كانت أعلى مما أنا عليه في ذلك الحين وتقدمت لاختبار تلك الوظيفة وكانت الوظائف في ذلك الوقت تعلن عن طريق مسابقات ولجان اختبار لمعرفة مدى ملاءمة ثقافة المتقدم مع طبيعة الوظيفة المعلن عنها، ودخلت الاختبار مع مجموعة كبيرة من المتقدمين وكان اختباراً بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقد حاولت وأنا أكتب هذا أن أتذكر شيئاً منه فلم أجد سوى جزء من سؤال لا يزال عالقاً في ذهني
لم تمحه الأيام والسؤال يقول:
مالفرق بين قول الشاعر:
مغللتي بالوصل والموت دونه
إذا من عطشاناً فلا نزل القطر
وقول الشاعر :
فلا نزلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تلتئم البلادا
وقد طربت لهذين البيتين وعلقا بذهني ولم أنسهما وأديت الامتحان
وكنت الفائز الوحيد بتلك الوظيفة.
ودخلت بوابة مدرسة طيبة الثانوية أميناً لمكتبتها بعد أن رهنتُ بيتي في المحكمة من أجلها لما تقتضيه التعليمات ووجدت العالم الجليل والشيخ الفاضل محمد بن علي بن محمد ثاني الذي كان أميناً للمكتبة قبلي ولديه دروس يلقيها على طلاب الثانوية في تلك الأيام وكان لقائي به يرحمه الله تعالى بداية معرفتي بهذا العالم الذي رأيت منه كل رعاية ومحبة وتقدير ومن حسن حظي أن أوفق لدخول هذه المدرسة العريقة وأن أعيش جوها التعليمي والتربوي في تلك الأيام حيث كان يديرها الأستاذ الشيخ أحمد بوشناق وهو من هو في علم الإدارة والتربية وبها صفوة من الأساتذة الأجلاء وفي مقدمتهم الشيخ محمد ثاني يرحمه الله تعالى.
كنت حينها منتسباً لكلية الشريعة بالرياض ووجدت ضالتي في هذه المكتبة التي كانت خزانة كتب عظيمة لا يستهان بها في مختلف العلوم والفنون ويجلس على بوابتها هذا الشيخ الفاضل محمد ثاني في فضله وعلمه وأدبه وأخلاقه، كان بحراً من العلوم في الشريعة واللغة وهو يحفظ القرآن الكريم حفظاً متقناً وكانت له مسابقة يومية في التلفزيون في شهر رمضان المبارك وتدور أسئلة تلك المسابقة حول آيات القرآن الكريم، ومع كل صباح تجد المدرسين والطلاب حول شيخنا يسألونه عن الآيات ومعانيها وفي أي السور وإذا به مخزن علم وفطنة وحفظ فهو يذكر الآية ومعانيها التي وردت فيها وأسباب نزولها ورقمها وسورتها بصورة عجيبة تدل على حفظ متقن وتعمق في القرآن وعلومه ولا يكتفي برقم الآية بل ويحدد الصفحة التي وردت فيها خلاف الرقم والسورة كان يرحمه الله تعالى ظاهرة عجيبة يقف أمامها كل الحفاظ الذين رزقهم الله هذه النعمة وقلما تجد من يكون مثل الشيخ في هذا الجانب، لقد كان لي شرف الاستفادة في دراستي من هذا العلم الذي هيأه الله لي وأنا ادرس بالانتساب في عِلم وجدته كله في أستاذي عليه رحمة الله تعالى (محمد علي ثاني)، ومع ملازمتي له وتشرفي بزمالته في المكتبة عرفت أنه ولد بالمدينة المنورة عام 1339هـ ودرس مبادئ القراءة في كتاب الشيخ محمد بن سالم ثم التحق بمدرسة العلوم الشرعية طالباً ثم معلماً ومن أساتذته أصحاب الفضيلة الشيوخ حسن تاج وعمر الطرابلسي وأحمد التونسي ومحمود أبو بكر الفلاتي وعمر توفيق، وحفظ القرآن الكريم وعمره لا يزيد عن اثني عشر عاماً ونال الشهادة العالية من العلوم الشرعية سنة 1361هـ ولازم حلقات المسجد النبوي الشريف وأخذ مكانه في حلقات الكثير من المشائخ أمثال الشيخ محمد تكر ومحمد الطيب الأنصاري ومحمد بن علي الحركان الذي منحه إجازة علمية في التفسير والحديث والفقه، ويوم أن صدرت أوامر الملك عبد العزيز يرحمه الله بافتتاح مدرسة شقراء في عام 1362هـ وصدور أوامره باختيار مدرسين أكفاء لها جرى اختيار شيخنا محمد ثاني ومعه الشيخ عبد المجيد الجبرتي والشيخ عبد الله الخربوش والشيخ إسحاق الكردي والشيخ سويلم نافع وبدأت الدراسة بها قوية لقوة أولئك الأخيار ووجدوا على مقاعد الدرس وقتها عبد الله بن سليمان المنيع وصالح الحصين وسعد البواردي وعبد الله الدريس وسعد أبو معاطي وعبد الرحمن المقحم وعبد العزيز العليان وغيرهم، وبعدها عاد الشيخ محمد ثاني إلى المدينة المنورة التي أرقها فراقها وتشبعت نفسه بروحانيتها فعمل معلماً بمدرسة دار الأيتام ثم المدرسة المنصورية ثم مدرسة طيبة الثانوية فمتوسطة الصديق فثانوية طيبة مرة أخرى في عام 1382هـ وكان محباً لتدريس القرآن الكريم وتفسيره والتوحيد والحديث والفقه ويذكر طلابه في تلك المرحلة مدى إخلاصه وغزارة علمه وتواضعه واعتداده بشخصيته التي تفرض احترامه من طلابه ومن غيرهم، وقد عرف الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف ورئيس المحاكم الشرعية بالمدينة المنورة يرحمه الله غزارة علم الشيخ محمد ثاني فكلفه بالتدريس في المسجد النبوي الشريف منذ عام 1373هـ وكان في حلقته يدرس الآجرومية) في النحو وقطر الندى وألفية ابن مالك وتفسير ابن كثير وسبل السلام وعمدة الأحكام وفتح الباري وصحيح مسلم وسنن أبي داوود وموطأ الإمام مالك ونيل الأوطار على مدى خمسين عاماً في رحاب هذا المسجد العظيم، وشارك شيخنا في لجان التوعية لحجاج بيت الله الحرام في المشاعر المقدسة بالمدينة المنورة ومكة المكرمة، وتشرف بإمامة المصلين في المسجد النبوي الشريف محتسباً بتكليف من الشيخ عبد العزيز بن صالح حيث أم المصلين لأكثر من سبعة عشر عاماً وخدم العلم وطلابه مدرساً في وزارة المعارف أكثر من أربعين عاماً. وقد رأيت من مكارم أخلاق ذلك الرجل وتواضعه وغزارة علمه وذكائه وسرعة بديهته ما خزنته ذاكرتي ولم تذهبه مرور الأيام والسنين وقد امتاز بالحلم ولين الجانب وطيب المعشر، واستفدت من ملازمته
وصحبته بين كتب مكتبة طيبة الثانوية كثيراً في دراستي وفي حياتي كلها، وكان شيخنا مرجعاً لجميع مدرسي المدرسة تحقيقاً واستفادة وسمواً وأخلاقاً وعذوبة منطق حيث يتحلق عليه في مكتبه بالمكتبة في أوقات الفراغ وبين الحصص المستطلعون والمستفتون والمعجبون ولا غرو في ذلك فهو في رأيي وعاء علم وجامعة في كل علوم الشريعة والعربية والاجتماع والتاريخ.
أما حبه للمدينة المنورة ومعرفته بمآثرها وقداستها ورجالها فقد ملك عليه كل جوانحه وحياته وكانت أمنيته التي يرددها في كل إشراقة يوم بطيبة الطيبة أن يرزقه الله الوفاة بها ودخول بقيعها وقد تحقق له ذلك في يوم الخميس الرابع عشر من شهر المحرم من عام 1431هـ حيث صلى عليه جموع المسلمين في المسجد النبوي الشريف وأخذ مكانه في بقيع الغرقد رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وأسكنه فسيح الجنان .






