الدكتور محمد بن يعقوب تركستاني
محمد بن صالح البليهشي

رمزنا اليوم الدكتور محمد يعقوب بن أحمد تركستاني، عالم لغوي منحه الله قدرة عجيبة في توثيق وتحقيق التراث اللغوي العربي، مع قدرته على إبراز تراث الألسن واللهجات القديمة... رجل سخره الله سبحانه وتعالى لكشف الكثير من جزئيات الكلمة العربية، والوقوف أمام كل حرف فيها، وإرجاعه إلى أصله، وكشف بنيته، والنظر العميق إلى أصوله ومدلولاته لبس من التواضع جلبابا، وحلاه بمنطق حكيم وحب الناس على اختلاف ثقافاتهم وتوجهاتهم، مع حرصه على جمال اللغة وإعجابه بها، والبحث العميق في بنيتها وقوة وعمق جرسها.
خاصة وهو يتتبع اللهجات ويرجع كل لهجة إلى أصولها، وجهة انتشارها، ويثبت البراهين والأدلة على أصولها في اللسان العربي والشواهد التي يدلل بها على أصالتها ومكانتها في اللسان العربي المبين....
الرمز الدكتور محمد يعقوب واحد من أولئك القلة الذين أتاهم الله من الفطنة والدقة والعناية بقضايا فقه اللغة، الذي تخصص فيه وغاص في أعماقه، وصار عرابا في (مجاهيله)، وتميز يكشف مكنونه وبمرور الوقت صار عالما لا يشق له غبار في هذا العلم الدقيق، الذي يقف أمامه كبار علماء العربية ويُريحون ركابهم لتجلياته وتدقيق مكنوناته، ومع ذلك لا يصلون إلى ما وصل إليه هذا العالم اللغوي الذي في رأيي لا يُجاريه فيه في الوقت الحاضر إلا القلة القليلة ممن رزقهم الله قوة البصيرة وتشريح الكلمة العربية، والوقوف أمام مكوناتها ومدلولاتها وجرسها وأبعاد مراميها وقوة بيانها، وإعادتها إلى موطنها الذي سادت فيه وأرسلت أشعتها في أرجائه....
لا أعرف أحدا من علماء العربية وقف طويلاً أمام الكلمة العربية من حيث البناء والاشتقاق ومسار الاستخدام قديمًا وحديثا، مع تفسير الاختلافات والمدلولات مع الفصحى المعاصرة في الوقت الحاضر سوى الأستاذ الدكتور محمد يعقوب التركستاني وتلميذه الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الصاعدي مع قصوري في معرفة أولئك الرجال من علماء اللغة الذين يسيرون في نفس مسارهم ويقلدون الكلمة العربية دراسة ونهجا ودلالة، مع التأصيل اللغوي والتوثيق والنقد مع إبراز الفروق اللفظية والدلالية بين الألفاظ والتعابير، ودراسة اللهجات العربية والتعبيرات الاصطلاحية في العربية المعاصرة ....
إن هذين العالمين اللغويين الدكتور تركستاني والدكتور الصاعدي يحق لنا أن نفتخر بهما وترفع العقال تحية لهما لما تخصصا فيه وما تعمقا في أعماقه من هذا الفن الرفيع الذي أهلهما للبحث فيه وإظهار عجائبه، وتعترف به مجامع اللغة العربية في الداخل والخارج وتضمهما إلى كوكبة العلماء المتميزين في هذا الفن. ولا أستطيع أن أقارن بين اتجاه كل منهما، ولكن ما أعرفه أن كل واحد منهما قد وقف أمام الكلمة العربية وحلل مكوناتها ودلالة معاني حروفها وغربل جزئياتها وكلياتها، وأظهر الكثير من جمالها وأبان الكثير من جوانب الإشعاع فيها بطريقته الخاصة بنية واشتقاقا ودلالة وتعبيرا وفقها ولغة وكتابة وخطا ونصا وتراثا. ويعود إعجابي بالدكتور الرمز (أبو فهر) الأستاذ الدكتور محمد يعقوب تركستاني إلى تلك الساعة التي انتظر فيها سماع صوته في برنامجه الفتنة الجميلة من الإذاعة السعودية، والأثير يردد مقدمته في
قوله
لغة أودع في أصواتها من يواقيت الهدى ابها درر
لغة نعصر من أغصانها زهر آداب وأخلاق غرر لغة قد عقد الدين لها ذمة يكلوها كل البشر ذلك البرنامج الشهير الذي يأسر كل محب للعربية، ويستهوي صوت مقدمه كل متذوق لها، وقبل ذلك الملحق التراثي الذي ازدانت به جريدة المدينة المنورة، وقدمته على مدى عشرين عامًا بانتظام، ثم في جريدة البلاد. وكان ذلك الملحق بمثابة الدروس العلمية التي انتظم بها وتابعها الكثيرون من محبي العربية وتتلمذوا عليها، وصارت لهم في تلك الأيام التي كانوا ينتظرون فيها ذلك الملحق دروساً استفادوا منها، وصاروا تلاميذ الأستاذ الدكتور محمد يعقوب التركستاني، وأنا واحد منهم، حيث لم أنل شرف التلمذة على يده إلا من خلال متابعتي لذلك الملحق الشهير، الذي به تربع حفظه الله في نفوس الكثير من طلاب العربية وعشاقها. وترك بصمته على التراث العربي بكل مكوناته الحسية والمعنوية.
والدكتور محمد يعقوب التركستاني تروى من رحيق لغة الضاد بين رياض الطائف المأنوس، حيث ولد ونشأ وتلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في جنبات وردة وأزهاره، ونال الثانوية من العزيزية في مكة المكرمة بجوار البيت الحرام، وكذلك نال درجة البكالوريوس في اللغة العربية بتقدير ممتاز عام 1391هـ، وكان الأول على دفعته. واستهوته العربية في فقهها، فنال الماجستير في العام الدراسي 1397هـ بتقدير ممتاز، مع التوجيه بطبع الرسالة على نفقة الجامعة. ولم يعثر به جواده وهو يسعى إلى نيل الدكتوراه من جامعة أم القرى في فقه اللغة، عن رسالته في الغات طي: أصواتاً وبنية ونموا ودلالة)، بتقدير ممتاز أيضا، نالها بكل جدارة وثقة واعتزاز وفخر، ومع حرصه على نيل الفخار من دراسته وعمله في المدينتين المقدستين المدينة المنورة ومكة المكرمة، صارت أقدامه إلى بوابات الجامعة الإسلامية التي وجدت فيه القدرة والجدارة والعلم والثقافة والإيمان بكلية العربية لغة القرآن ومصدر البيان. فعمل بها معيدا، وترقى في جوانب العمل بها مدرسا، فمحاضرًا، فأستاذا مساعدًا، فمشاركا، ثم أستاذا عام 1418هـ. واستقبلته جامعة الملك عبد العزيز معارا لها في قسم اللغة العربية بكلية الآداب عضوا في هيئة التدريس لمدة ست سنوات، كانت زاخرة بالعطاء الثقافي والتراثي لهذا الرجل العبقري الذي جمع الصيد في فراته، وأفاد به كل طلابه ومحبيه والمعجبين بأخلاقه وثقافته وسعة علمه ودقة بصيرته....
وأشرقت سجلات الجامعة الإسلامية بالعديد من أعماله التي حفظت اسمه ونشاطه، كترؤسه قسم التحقيق والنشر في مركز البحث العلمي، وإدارته لتحرير مجلة الجامعة الإسلامية، وأمانته لمجلس الجامعة، وعمادته لشؤون المكتبات، وكذلك عمادته لكلية اللغة العربية. وتميزت أعماله العلمية بعناوين ملفتة للنظر وعميقة في مدلولاتها، لم يسبق إليها حسب علمي كمخارج الحروف وصفاتها، وتحصيل الهمزتين الواردتين في كتاب الله من كلمة أو كلمتين وأصول الكلمات، ومشكلة الخلط بين الضاد والظاء، والجوهر الفرد
في الكلام على أما بعد....
وكتاب قوة الصراط في تفسير غريب القرآن، وغيرها من العناوين التي ناقشها وفصلها وأوضحها، وأبان ما ينبغي لمناقشتها وفهمها، وما أراده النحاة وعلماء اللغة منها. وحفل مشروع فهرسة مخطوطات عمادة شؤون المكتبات بالجامعة بجهوده في ذلك، وسجلت له مآثر مشهودة واللجان العلمية والإدارية مساهماته واشتراكه في الندوات العلمية المتصلة بقضايا اللغة العربية في داخل الجامعة وخارجها وإشرافه ومناقشته للعديد من رسائل الماجستير والدكتوراه للعديد من طلاب ودارسي العربية، وكان له حضور في محاضرات الأندية الأدبية في داخل المملكة وخارجها، صادحًا بوضوح وبلاغة بصفته الشخصية حينا وممثل الجامعة في أحيان كثيرة فكان نعم المندوب والرائد والرمز الذي يحمل الرسالة بصدق وأمانة وإخلاص، وكان طوال فترة عمله يسعى لبناء الجسور بين التراث اللغوي الكلاسيكي والواقع اللغوي المعاصر، وصارت أعماله مرجعا للساعين إلى تأصيل التراث... هذه لمحات من جهود وأعمال الرمز الدكتور محمد يعقوب التركستاني)، العالم اللغوي وعراب اللغة وسادن التراث حفظه الله وأمده في عمره وبارك في جهوده.






