الدكتور محمد بن علي العقلا
محمد بن صالح البليهشي

غادر دنيانا الفانية يوم الثلاثاء 11 جمادى الآخرة من عام 1447هـ الأستاذ الدكتور محمد بن علي بن فراج العقلاء وهو رمز من رموز الثقافة والاقتصاد والإدارة والأدب، من مواليد مكة المكرمة في عام 1378 هجرية. درس في مدارسها الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وسجلت خطاه حصباء البيت الحرام حافظا لبعض سور القرآن الكريم، ودارساً فروع العلم في حلقات الدروس والتحصيل في أروقة المسجد العظيم تحت ظلال البيت الحرام وبجوار زمزم والحطيم، وسجلت بيانات الطلاب الدارسين في كلية الاقتصاد والإدارة اسمه ناجحًا في درجة البكالوريوس بدرجة ممتاز، ثم الماجستير في الاقتصاد والإدارة بجامعة أم القرى عام 1406هـ، وكذلك الدكتوراه من نفس الجامعة في العام الدراسي 1408هـ، وعرف عنه أثناء دراسته في المراحل العليا نباهته وامتيازه في دراسته، وإعجاب المدرسين به جدا وأدبا وحرصاً وقوة إدراك وحفظا، ونال درجة أستاذاً مساعداً في العام الدراسي 1410هـ ورأى فيه المسؤولون والجامعة دقة بحوثه وحسن إدارته مما أهله ليكون رئيسا لقسم الاقتصاد الإسلامي في الجامعة من عام 1411هـ إلى عام 1415هـ، ثم صدرت الأوامر له ليكون وكيلا لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ثم عميدًا لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية لعدة فترات، تلاها أسندت إليه عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر، وما إن حل العام الدراسي 1421هـ حتى حصل على لقب أستاذ في الاقتصاد الإسلامي، وشغل منصب وكيل جامعة أم القرى للدراسات العليا والبحث العلمي لست سنوات متتالية، ثم رأس اللجنة الدائمة لتعيين المعيدين والمحاضرين مع رئاسة لجان الابتعاث والتدريب...
وهكذا تدرّج (رمزنا) اليوم الأستاذ الدكتور محمد العلي العقلا في مختلف المناصب الإدارية والأكاديمية في جامعة أم القرى....
وخلال العام الدراسي 1408هـ، استبشر المواطنون في طيبة الطيبة بالأمر السامي الكريم الذي يقضي بتعيينه مديرًا للجامعة الإسلامية بالمرتبة الممتازة، وسار أبو طارق في الجامعة الإسلامية مديرا لها بهذه المدينة العظيمة سيرة مميزة في الإدارة والتطوير في مسارات التعليم. وشهدت الجامعة بتخطيطه وفكره وحسن إدارته خطوات فساحًا في مجال التحديث وفتح المنافذ لتؤدي دورها كجامعة عالمية في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، رسم الدكتور العقلا منذ بداية إدارته معالم تسير وفقها بعقل متفتح واستيعاب كامل للمهام والمسؤوليات والغايات التي أنشئت من أجلها في هذه المدينة العظيمة. وشهدت برعايته وتخطيطه خطوات غير مسبوقة في العديد من المجالات التطويرية كالمحاضرات الهادفة والمحاضرين الذين تم اختيارهم بعناية، واستخدمت التقنيات الحديثة في نقل المحاضرات إلى مواقع أخرى خارج الصالة الكبرى في الجانب النسوي بيت منقول صوتا وصورة، مما أعطى شمولية في الفائدة وانتشارا للأفكار ومفاهيم جديدة لا تخرج عن الغايات والأهداف التي تضمنتها الرسالة السامية لها والأنظمة واللوائح، وهذه الخطوة حسبت لمعالي المدير (العقلا) رحمه الله ... وأوجد خطوة رائدة من خطواته التطويرية التي حسبت له وكانت من بصماته المميزة، وهي فتح مجالات الدراسات العليا لمن تنطبق عليهم الشروط مساء وانتسابا، وفي هذا ما فيه من إثبات الوجود للجامعة وإظهار قيمتها وفوائدها على أكبر قدر من الشباب ذوي الطموح والاستزادة من الفائدة والتشرف بنهل العلم والمعرفة من معين جامعة رائدة في مدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام. بدلاً من الالتفات يمينا وشمالا والبحث عن دراسات عليا خارج الحدود وما يصحب ذلك من إضاعة الوقت وتبديد الأموال والدخول في ملابسات لا مجال لذكرها. وشهدنا نحن في طيبة الطيبة أنوار الجامعة الإسلامية في معرض كتاب موسع ضم أكثر من 90 دار نشر ومراكز للحاسب الآلي، وبرزت لنا من خلال تلك الدور العالمية للكتاب إصدارات رائعة في مختلف العلوم والفنون والآداب وبتوجيهه رحمه الله جرى تخصيص أيام للنساء لزيارة المعرض استفادة من معروضاته لأول مرة، وأوضح معالي المدير رحمه الله وقتها بأن من خطط إقامة معرض دولي للكتاب في رحاب هذه الجامعة أن ترافقه العديد من المناشط الثقافية، وهذا ما تم تنفيذه في أيام إدارته للجامعة.....
خطوات فساح ومناشط عديدة، وإشراقات رائعة تمت خلال تلك الأيام وحسبت لذلك الرجل الذي تعددت خطط التطوير في مقاعد الدرس والتحصيل، وتألقت الجامعة وصارت بالفعل مركز إشعاع في مدينة المختار عليه الصلاة والسلام في كل الاتجاهات كما أرادت لها القيادة الحكيمة في هذه البلاد....
وزينت تلك الخطوات الطموحة التي تمت في عهد الأستاذ الدكتور (الرمز محمد العلي العقلا تواضعه الجم وسعة صدره التي استوعبت كل الأطياف في هذه الجامعة على مستوى الطلاب والمدرسين والإداريين وكافة منسوبي الجامعة، ولذلك زرع حبه في نفوس الطلاب، وحملوا مزايا شخصيته وتواضعه وكريم خلقه إلى بلادهم، ورسمت صورته في نفوسهم حبا وتقديرا وإجلالاً لتلك الشخصية الإدارية المميزة المتوجة بدعوة الخير والإصلاح والصلاح والنصح والهداية لكل الأطياف من طلاب الجامعة الذين يمثلون العالم بأسره. وقد كانت الصورة التي خرج بها، وأحاطت بسيارته على البوابة الرئيسة للجامعة يوم غادرها مودعا، من فترة إدارته خير مثال لصدق المشاعر وحب جماهير الجامعة من الطلاب والأساتذة وكافة المنسوبين الذين غطوا عليه مسار سيارته، وأفاضوا من حبهم وتقديرهم وشكرهم على رعايته وقوته وحسن تعامله معهم. مما ترجموه من كلمات الثناء والتقدير والاحترام شعرا ونثرا ودعوات له بمزيد من التوفيق والسداد والصلاح والإصلاح. وعاد رحمه الله إلى مسقط رأسه في أم القرى محملاً بمشاعر النقاء والصفاء من طيبة الطيبة ومن مسجدها العظيم وروحانيتها الرائعة وعبقها الشامخ
وترك في أروقة الجامعة الإسلامية سيرة حافلة بالعطاء امتدت منذ تلك الأيام إلى يوم مغادرته دنيانا الفانية صباح يوم الثلاثاء 11/6/1447 هجرية، وحظي رحمه الله بالصلاة عليه في المسجد الحرام في جموع الطائفين والراكعين، واستقبلته مقبرة شهداء الحرم في مكة المكرمة وبقيت صورته معطرة بذكريات الطيبة والثناء الحسن في أرجاء المدينة المنورة شخصية أحبها أهل المدينة ووثقوها في صفحات الخالدين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.






