الشيخ محمد الحافظ بن موسى
محمد بن صالح البليهشي

في الأسبوع الماضي أهدى إلي الدكتور زاهر عبد الرحمن عثمان حفظه الله تعالى كتابه (ورق... من ناس وهو كتاب قد ظهرت فيه براعة وثقافة وفلسفة الدكتور التراثي التطويري، الهندسي الإداري) زاهر عبد الرحمن عثمان الذي تعمد فيه أن يبرز صوراً مشرقة من ماضي مدينة المختار خلال بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، صاغها بشفافية مميزة وأسلوب رائع وفلسفة جميلة ظهرت فيه براعة العرض وعمق الثقافة وجمال الأسلوب وقد قرأت الكتاب وذكرني في صورة من صوره على ضفاف العقيق بعاشق (العقيق) المرحوم بإذن الله تعالى الشيخ محمد الحافظ بن موسى ذلك العلامة المديني الذي عاش حياته كلها للعلم والثقافة والأدب والتربية ثم القضاء، واستعرض الدكتور زاهر في صورة على العقيق ... عاشق شيئاً من عشق (خاله) الشيخ محمد الحافظ للعقيق الوادي المبارك وتعلقه بإدارته في عروة التي قامت على انقاض قصر مسلمة بن عبد الله بن الزبير التي اتخذ منها (أبو موسى) رحمه الله تعالى طيلة حياته موعداً منتظراً قضى فيه أجمل ساعات يومه من بعد صلاة العصر حتى منتصف الليل يومياً يستقبل زواره من علماء وأدباء ومفكرين ومؤرخين ونسبه وكان الشيخ الحافظ عليه رحمة الله نهراً متدفقاً علماً وثقافة وتاريخاً ونسباً وشعراً إذا تكلم في موضوع أشبعه بحثاً وقد حضرته في كثير من المرات وكنت محرراً صحفيا في جريدة الندوة رغم صغر سني بالنسبة لحاضريه من الوجهاء والأدباء من داخل المملكة وخارجها فكان رحمه الله معيناً صافياً وتاريخاً يمشي على الأرض يعجب به كل من يستمع إليه ويفرح به كل طالب علم على اختلاف المستويات والاتجاهات، إذا تكلم في أي موضوع يأسر مستمعه بغزارة علمه وأدبه وثقافته يكره مقاطعته إذا تحدث فهو كما قال عنه المحقق الشيخ يوسف المرعشلي: قد نبغ في علوم الشريعة والتاريخ واللغة وتتبع أخبار الحاضرة والبادية فحفظ أشعارهم وعرف أنسابهم فكان إخبارياً حتى علم من علوم الفريقين داخل الجزيرة العربية ما قد جهله أعلمهم من الأشعار والأنساب، وكان لا يأنف من أن يتعلم من أي أحد حتى الذي لا يعبأ بحاله وكان عالماً بأسماء المواضع شديد الحافظة سريعها ما رأت عيني على وجه الأرض مثله في الحفظ والدهاء ... أورد الشيخ المرعشلي هذا في ذيل كتابه نثر الجواهر والدرر المسمى عقد الجوهر، وقال عنه أحد طلابه الأستاذ عبد العزيز الربيع مدير تعليم المدينة الأسبق رحمه الله تعالى وهو يذكر مناقبه في كتابه ذكريات طفل وديع الذي صدر في أواخر التسعينات من القرن الماضي تحت عنوان لقاء .. لا ينسى التقيت أستاذي الجليل الشيخ محمد الحافظ وكأنني على موعد معه فوجدت فيه الأستاذ النموذجي الذي لا يعرف له مجالاً في غير العلم والثقافة والمعرفة فهو إما معلم أو متعلم دارس أو مدرس، كان نهمه إلى الثقافة والمعرفة لا يعرف الحدود ولا يقف عند غاية فهو يقرأ في كل مجال من مجالات المعرفة يحب كشف مستور الجهل وتخطي أسوار الظلام وكلما كشف ستراً أو تخطى سوراً ركبه شوق عارم إلى مزيد من الكشف ورغبة لا تقاوم في تخطي أسوار أخرى، وقد غير مجرى حياتي كما غير مجرى حياة كثير من التلاميذ وكان له دوره العظيم في النهضة التعليمية ولا سبيل إلى نكرانه أو جحوده، إنه الرجل الذي يتنافس في الفخر به العلم
والثقافة والقضاء أستاذنا وصاحب الأيادي البيضاء علينا العالم الأديب الشاعر الراوية المؤرخ المعلم القاضي أبو موسى الشيخ محمد الحافظ)، وقال عنه الأديب محمد حسين زيدان إن الشيخ محمد الحافظ حين يؤرخ فيمن يذكر إياس وشريك والنخعي يكون محمد الحافظ حاضراً، وقال عنه الكثيرون من رواده ومحبيه وزواره ما لم يتسع المجال لذكره ولكنه يرحمه الله كان دائرة معارف متحركة في كل فن من فنون الثقافة والتاريخ والأدب والقضاء ولو كان هناك تسجيل كما عرف في زماننا لما شهده مجلسه من ألوان الثقافة والأدب ومسامرات الشعر والتاريخ والأنساب لكان حصيلة ذلك مجلدات ومجلدات ، ويوم أن تسلم القضاء في عام 1374هـ بعد مشوار طويل في التربية والتعليم والتاريخ
والآثار جعل من القضاء وسيلة للصلح وليس للتفريق ولا يخلو مجلسه القضائي من تعليقاته العابرة الموجهة ومزاحة الممنهج لاستمالة الخصوم وسبر أغوار نفسياتهم وأمثاله المناسبة لمسار كل قضية، وله قدرة فائقة وذكاء لماح المعرفة ميول الخصوم واتجاهاتهم ومواطن الخير في نفوسهم لكي يدخل منها إلى ساحات الصلح والسماحة والرضا وعدم القطيعة بينهم ولا يأنف من الاستعانة بذوي اليسار لبذل ما يحقق هذه الغاية النبيلة، وقد عاش عمره القضائي في محكمة المدينة المنورة حتى وصل إلى قاض تمييز وهو يعتبر نفسه مصلحاً اجتماعياً على كل المستويات يعرف بحصافته وذكائه حتى وهو في سن الشيخوخة في القضاء مفاتيح كل قضية ونوعيات ونفسيات البشر ويكلف نفسه بقطع المسافات الطويلة للوقوف على مواطن الخلاف والقضايا ومن هنا زادت معرفته بتاريخ وجغرافية المنطقة. ونوعيات قبائلها وأخلاقياتهم وميولهم، يغضب ولكنه لا يحقد ويهدد ولكنه لا ينفذ وقد تشرب مسؤولية القضاء وحساسيته، وكثيراً ما أتخذ من القضاء وسيلة للتربية والتعليم والتثقيف والتذكير بمخافة الله سبحانه وتعالى وقد اجتمعت في شخصية الشيخ الحافظ كل تلك الصفات والملكات من عمق علمه وذكائه واطلاعه ومسار حياته ومن دراسته في المسجد النبوي الشريف على أيدي علماء أجلاء كالشيخ محمد عبد الله التمبكتي والشيخ رشيد أحمد والشيخ أحمد الفيض آبادي وفي مدرسة العلوم الشرعية وأجازه في الحديث بكتب الصحاح الستة وغيرها كل من المشائخ أمين الطرابلسي وحسين أحمد المدني والعلامة الطاهر عاشور والثعالبي، وعندما جلس على كرسي التعليم تخرج على يديه الكثير من العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين كالمشائخ حماد الأنصاري وأبو بكر الجزائري ومحمد علي ثاني وعمر محمد فلاته وعبد العزيز الربيع والفريق الطيب التونسي والشاعر محمد هاشم رشيد والدكتور يوسف البيروني وعلي حسن الشاعر وغيرهم رحمهم الله تعالى كما أجاز الشيخ الحافظ الكثير من العلماء بالرواية والسماع وعلم اللغة من نحو وصرف وعلم
الأنساب والتاريخ وأسماء المواضع والقبائل وأسر المدينة وبيوتاتها.
بقي القول بأن الشيخ محمد الحافظ بن موسى من أبناء مدينة رابغ حيث ولد بها وشرفت به في صباه وبدأ أولى خطوات تعليمه على يد والده الشيخ موسى بن حميد الحافظ صاحب المجلس العامر الذي يدلف إليه العلماء ورجال الثقافة والأدب في ذلك العصر حيث اتخذ الشيخ موسى الحافظ مدينة رابغ مسكناً وموطناً ولحرصه على ابنه لما رأى ما يتمتع به من ذكاء وفطنة أرسله إلى المدينة وأوصى من يثق به في إدخاله المدرسة العلوم الشرعية إضافة إلى الاستضاءة بوهج المسجد النبوي الشريف
لحفظ القرآن الكريم حفظاً وتلاوة وتجويداً.
كان لقائي بالشيخ محمد الحافظ في بداية التسعينات الهجرية من القرن الماضي عندما اصطحبني صديقي المرحوم بإذن الله تعالى محسن بن مبارك الغانمي إلى مجلس الشيخ الحافظ في عروة بالمدينة المنورة وكان الشيخ الحافظ صديقاً للشيخ مبارك بن سليمان الغانمي والد الأخ محسن أمير قرية مستورة حينها فلقينا مجلس الشيخ الحافظ مليئاً بالأدباء والعلماء والمفكرين وذوي الحاجات ومن يومها عرفت الشيخ وزرناه مراراً ورأيت فيه وعاء علمياً في كل نواحي العلم والمعرفة والأنساب والتاريخ، وأذكر للشيخ أبو موسى) رحمه الله تعالى من توجيهه المباشر عندما قابلته أمام برحة باب السلام وأنا بصحبة أحدهم وهو كبير في سنه وممن يرتادون المحكمة للتداعي بصفة مستمرة ووجهني بعدم المسير مع ذلك الشخص أمامه وقال في دعاياته المملوحة الموجهة بأن من أسير معه لا يغيب عن المحكمة ولو للوضوء منها ونصحني بالاتجاه
للعلم والثقافة والبعد عن مسايرة محبي التداعي في المحاكم وأساطين المشاكل والدعاوى، وهكذا يسير الإصلاح والتربية معه أينما حل وارتحل ولم يمنعه كرسي القضاء عن رسالة التوجيه للنشء خاصة وهو يعرف أنني كنت مدرساً في مدرسة يدرس.
بها أحد أبنائه.
رحم الله شيخنا الفاضل ورمز الثقافة والمعرفة الذي تنافس الفخر به العلم والثقافة والذي غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود في صبيحة يوم الجمعة الثاني من ربيع الثاني من عام 1418هـ عن عمر يناهز التسعين عاما وتمت الصلاة عليه بمسجد المصطفى وأخذ مكانه في بقيع الغرقد بهذه المدينة الطاهرة العظيمة.






