الشيخ مشعان بن موقد

محمد بن صالح البليهشي

هو مشعان بن غانم بن سعد بن موقد بن طريس بن دخيل الله بن موقد بن جبر بن جبير بن رميح البركاني العوفي المسروحي الحربي، أحد أعلام قبيلة حرب وتعتبر أسرته من القواعد الأساسية في قبيلة عوف وكان الأجداد أدوار فاعلة في منطقة الحجاز خاصة في الأزمان التي شهدت المنطقة فيها اعتداء جيوش محمد علي باشا على الجزيرة العربية حيث وقفت أسرة وقبيلة الشيخ ابن موقد إلى جانب مختلف القبائل العربية ضد تلك الحملات العثمانية التي أتت بجيوشها وذخائرها لاكتساح القبائل وإخضاع هيمنتها. على بلاد الحرمين وما حولها.

يذكر التاريخ أن الشيخ طريس بن دخيل الله بن موقد كان على رأس قبيلة عوف التي اعترضت قوافل الذخيرة التركية في وادي الصفراء عند قدومها من ينبع يمون وجيوش ومعدات لاستئصال القبائل في هذه المنطقة وكان الموقف الشيخ طريس بن موقد إلى جانب شيوخ القبائل من الأحامدة والحوازم وبني عمرو وبني علي وصبح الأثر الأكبر في هزيمة الأتراك وكبح جماح قادتهم وكسر شوكتهم.

كما تذكر مصادر التاريخ أن أزيد بن كمي المويعزي العمري الحربي) قاد قافلة من وادي الفرع قوامها 254 جملاً محملاً بالتمر ولما وصلت القافلة إلى نواحي الحناكية جهز القائد التركي إبراهيم أغا الألفي عام 1254هـ مائتي فارس وباغتوا الحملة المذكورة وقتلوا 45 من أصحابها.

استنجد الشيخ بن كمي والشيخ ابن ربيق بالشيخ فراج بن طريس بن موقد الذي قاد جموع الصواعد من عوف استجابة لهما وتابعوا الجيوش العثمانية المعتدية وباغتوها في مضيق الجديدة بوادي الصفراء وخاض ذلك الجيش المسروحي الحربي معارك دامية ضد قوات محمد علي باشا وقتلوا عدداً كبيراً منها واحتلوا الفريش من حاميتها التي كانت بقيادة سليم باشا وعندما علم قائد المدينة العسكري حسين أفندي بنبأ استيلاء ابن ربيق وابن موقد على حامية الفريش جمع عساكره وقواته واتجه بها إلى المنطقة مهاجمة الجيش المسروحي وهزموا عساكر حسين أفندي شر هزيمة واستولوا على عدد كبير من الخيول والمؤن والذخائر.

وذكرت التقارير العثمانية أن فراج بن طريس بن موقد قد وصل الغوالي بالمدينة المنورة ومعه 1500 رجل من عوف ومؤيديهم في موقف آخر له مع القوات العثمانية واستحل العوالي وضواحيها وذلك في عام 1254هـ وأشارت التقارير العثمانية في كتاب محمد على باشا وشبه الجزيرة العربية إلى أن ابن موقد باستطاعته أن يجمع ثمانية آلاف مقاتل من حرب. وقد برز من شجعان ابن موقد البركاني العوفي عدد من الرموز المهمة التي كان لها أثر كبير في مسار الأحداث خلال القرن الثالث عشر الهجري أمثال محارب بن موقد الذي كان فارساً شجاعاً حارب أمراء الأشراف والترك يوم أن ركز البيرق في العوالي وتجمعت حوله قبائل عوف المحاربة الأتراك وكذلك الشيخ ماجد بن موقد هو الآخر كان له قدم راسخة في الشجاعة والتضحية من هذه الأسرة الكريمة وهما أعمام الشيخ مشعان بن موقد ومن الشواهد التي سجلت بعض مواقف ابن موقد في تلك الأحداث قول الشاعر
الرويلي يصف شجاعة ابن موقد وجماعته :

مزن سما يازين دنة رعوده
سيله يشيل التي على الدرب عشام
سرنا عليهم يوم ركز عموده
وجنودنا تمشي طوابير ونظام
نشدي لمزن صدق الله رعوده
سيله يزف اللي على الدرب قدام حرب حربونا مثل حرب الأسودة
وبادو طوابير على الحرب علام
جونا كما نار تلظي وقوده
مثل القيامة يوم حشرات الإسلام
والسيف فينا غارقات حدوده
والمسعد اللي يقضب الدرب قدام
ياما خذوا من كفنا من بارودة
الميري اللي حسها يرزم ارزام

ثم إن الشاعر الرويلي خاف من الباشا وقال يسترضيه وإن كان في رده إشارة إلى هزيمتهم السابقة وأنهم يحاولون الرد عليهم وأخذ الثار :

يوم إن ابن موقد يليم جنوده
حنا جنود الترك تزير من العام
لايد من يوم عليهم نعوده
حتى تذوقهم قراطيع الأسهام

والشيخ مشعان بن موقد رحمه الله تعالى هو سليل أسرة آل موقد البركاني الصاعدي العوفي المسروحي الحربي وامتاز هو الآخر بالشجاعة والفروسية ويوم أن استظلت البلاد بالحكم السعودي كان ولاء ابن موقد كاملاً للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود موحد الجزيرة العربية وجامع شتاتها وتشرف بمقابلة الملك عبد العزيز في العديد من المرات والمناسبات وحظي منه بالتوجيهات والأوامر التي تدل على ثقة الملك به يرحمه الله.

وكان ابن موقد يقول عن الملك عبد العزيز بأنه ملك للدين والدنيا وهو قائد شجاع وحد القبائل ولم شتاتها فاستقامت الأمور وعرف الناس في عهده معاني العدل والإنصاف.

اتجه الشيخ مشعان منذ نعومة أظفاره إلى طلب العلم على يد عدد من العلماء وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم واشتهر بتقواه وزهده طوال حياته واتخذ من الصوم حياة ومن الدعوة إلى الحق منهجا ومن الإحسان والإصلاح أسلوباً وطريقاً إلى قلوب الناس.

يحب الخير ويدعو إلى الاستقامة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بأسلوب مميز كساه بالبساطة والتواضع ولين الجانب.

مشعان بن موقد مثل طوال حياته مسار ومعيشة الرعيل الأول استقامة وثقة وإيماناً وتواضعاً وتطبيقاً للشريعة الإسلامية ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى ولكن جميع من قابله واستمع لأحاديثه ورأى سلوكه وصفاء قلبه وحسن نيته يعجب بتلك الشخصية التي تدعو إلى الإعجاب والمحبة والتقدير ولذلك حظي بمحبة الناس وإعجابهم به وحظي بتقدير واحترام قبيلته له وحظي باحترام جميع قبائل عوف وكافة القبائل المحيطة (بالنخيل) وماحوله وقبائل الحجاز على طوله وعرضه لا لشيء إلا لأنه اتخذ من محبة الله وطاعته ما أهله بإرادة الله تعالى لمحبة الناس لهذه الشخصية الفريدة.

ولعل قصة ركوبه مع صاحب السيارة في إحدى المرات الذي ركب معه الشيخ مشعان وهو لا يعرفه والذي تناول (السيجارة ) ليشرب الدخان فنصحه ورد عليه السائق وهو لا يعرفه والله لأشرب الدخان ولو كنت مشعان بن موقد) فقال الشيخ وما يدريك أني أنا مشعان بن موقد وذهل السائق ورمى الدخان وتاب وتركه للأبد.

لعل في هذه القصة وهي واحدة من مئات القصص التي تبرز قوة شخصية الشيخ مشعان وصدقه مع نفسه ومع الناس وإخلاص نيته تؤكد بعض
تلك المكانة والقبول له عند الناس.

وبلغ من مكانته عند ولاة الأمر أن حظي بزيارة أصحاب السمو الملكي له في داره (بالنخيل) كل من الأمراء بندر بن عبد العزيز وعبد المجيد بن عبد العزيز ومقرن بن عبد العزيز ...

الشيخ مشعان بن موقد عرفه أصحاب الفضيلة وزاروه في منزله مرات عديدة منهم الشيخ الحذيفي والشيخ تقي الدين الهلالي عالم المغرب والشيخ عبد الله العقيل والشيوخ عبد العزيز بن باز ومحمد صالح بن عثيمين وعبد العزيز بن صالح وغيرهم عرفوا زهده وتقواه وإخلاصه وتقديره للعلم
والعلماء فنال حبهم وتقديرهم.

جمع رحمه الله تعالى بين مشيخة العلم والدين ومشيخة القبيلة، وبتوفيقه سبحانه وتعالى تعلم أبناؤه وأحفاده وصار منهم الدكاترة وأعضاء في النيابة ورؤساء مراكز وضباط بالسلك العسكري ويوم أن توفي رحمه الله تعالى صدرت الأوامر الكريمة بترشيح ابنه محمد خلفاً لوالده وابنه أحمد نائباً له ولا يزال أبناؤه يسيرون على سيرة والدهم وأجدادهم في القيادة والتضحية والاستقامة وحب الخير والسعي للإصلاح والإخلاص لقبائلهم ولوطنهم ولولاة أمرهم ومن المعلوم أن والدهم الشيخ مشعان بن موقد هو أحد مشائخ حرب المعروفين المقدرين وتتكاتف أسرته على مشيخة أجداده الذين كانت لهم أدوار بارزة في منطقة حجاز ما بين الحرمين الشريفين واتخذ من بلدة النخيل بالحناكية مقراً لأمارته ومشيخته منذ العام الهجري 1354هـ بأمر من الملك عبد العزيز رحمه الله وتوجيه منه وصارت (النخيل) بوجوده فيها تذكر بزيارة كبار الشخصيات والعلماء وتتعالى في أجوائها أصوات حفظة القرآن الكريم ومقرئاته وعرف الناس المستودع الخيري وانتعشت الزراعة وأشرقت جنبات المنطقة بالبساتين والمياه وأنوار المعرفة والعلم برعاية الدولة أعزها الله.

وبذلك رسخت صورة الشيخ مشعان في الأذهان وبقي رمزاً من رموز الرجال الذين لهم الحضور الدائم والذكرى الطيبة والشخصية المميزة التي لا تنسى على كل المستويات ومن هنا أضاف لأسرته وقبيلته وأبنائه فخراً إلى مفاخرهم السابقة، دينا ودنيا وحق لهم أن يفاخروا بأصالتهم وبأجدادهم وبوالدهم الشيخ مشعان ذلك الفارس التقي النقي الزاهد صاحب السيرة العطرة والمواقف النبيلة.

غادر الشيخ مشعان بن موقد دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود في يوم الإثنين السابع عشر من شهر محرم عام 1425هـ وله من العمر قرابة المائة عام وصلى عليه جموع المصلين بالمسجد النبوي الشريف ودفن ببقيع الفرقد بالمدينة المنورة رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.