الدكتور منصور بن إبراهيم الحازمي
محمد بن صالح البليهشي

قبل أكثر من مئة عام وبالتحديد في يوم الاثنين 26 ذي القعدة عام 1344 هـ ومع بدايات دخول الحجاز تحت مظلة الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله شهدت أم القرى أول مؤتمر إسلامي عالمي دعا إليه الملك المؤسس للبحث في شؤون المسلمين، وحضره ممثلون لأكثر من خمس عشرة هيئة ودولة، وممن صمهم وقد الحجاز الشيخ إسماعيل بن مبيريك، والشيخ عساف بن سعد بن جزاء الأحمدي والشيخ بخيت بن بنيان اللهيبي والشيخ إبراهيم بن عايج الحازمي ومؤلاء المشائخ الأربعة من قبيلة حرب إثنان من فرع مسروح وإثنان من فرع بني سالم، اختارهم الملك لتمثيل قبائل الحجاز في ذلك المؤتمر الذي يعقد لأول مرة بعد انضمام الحجاز إلى دوحته الوارفة المملكة العربية السعودية). وقد وردت هذه الأسماء المختارة في وثيقة مؤرخة في 22 القعدة عام. هي تقول الوثيقة من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل لحضرات المد الشريف شرف عدنان والشريف هزاع والشريف علي بن الحسين الحارثي رتي والشيخ عبد الله الشيبي والشيخ عبد الله الفضل والشيخ سليمان قابل والت الشيخ سعود دشيشة والشيخ عساف الأحمدي والشيخ إسماعيل بن مبيريك وال الشيخ بخيت ركاته 1344 محترمين بن بنيان والشيخ إبراهيم بن عايج، السلام عليكم ورحمة الله وبركات
فلما عهدنا فيكم الكفاية والغيرة على مصالح الحجاز، رأينا إنابتكم كم عن الحجاز في المؤتمر الإسلامي الذي سيعقد في مكة المكرمة للنظر في شؤون الحرمين الشريفين ومصالح الحجاز العامة، نسأل الله أن يسدد خطواتكم ويوفقنا جميعاً إلى ما فيه الخير للإسلام والمسلمين).
والشيخ إبراهيم الحازمي لو لم يكن في مكانة من الوجاهة والاطلاع والانتماء والمعرفة لما اختاره الملك ضمن ذلك الوفد، وقد عرف عن الملك المؤسس معرفته بأقدار الرجال ومنازلهم ومراكزهم لدى قبائلهم. والدكتور (منصور) من أبناء ذلك الرجل الشيخ إبراهيم الحازمي الذي يعد أحد رجال الملك عبد العزيز في تلك الفترة وقد مثل صوتاً قبلياً في في ذلك المؤتمر العالمي الذي تحدد فيه مستقبل البلاد وهي في بدايات استضاءتها بالأمن والاستقرار في ظل هذه الدولة المباركة.
كانت مرابع الأحمدي والحازمي اللذين كانا ضمن الوفد الحجازي ازي وادي الصفراء وما حوله من أودية وقرى، ولكن إبراهيم الحازمي استوطن مكة المكرمة في أواخر أيامه، وبها ولد الدكتور منصور، فهو مكي المولد والنشأة وجذوره في وادي الصفراء ورياض بدر وأودية الآب ورحقان والواسطة وأم ديان، وتلك الديار الواقعة بين المدينتين المقدستين.
قال الشيخ محمد حسين زيدان رحمه الله في حفل تكريم الدكتور منصور في اثنينية عبد المقصود خوجة رحمه الله بتاريخ 1410-4-29 هـ عن والد الدكتور منصور معرفاً به إبراهيم بن عايج الحازمي أبو منصور رأس من رؤوس الحوازم، مثل قبائل العرب كلها في الكيان الكبير يوم المؤتمر الإسلامي الأول الذي عقد في مكة المكرمة، كان يمثل كل القبائل ولا أريد أن أعددها فكأنه كان يمثل الحجاز كله في ذلك المؤتمر هو ومن إليه ومن معه، كانوا عوناً لعبد العزيز وكانوا عوناً لتأسيس هذا الكيان الكبير.
ثقافتنا ورمزنا اليوم الدكتور منصور الحازمي من الرعيل الأول الذين تدين لهم. تأسيساً وتأصيلاً وزخماً وعطاء، وهو رائد من الرواد في مجالات الثقافة والنقد والإبداع على مستوى الجامعات ودهاليز العلم وساحات المعرفة في طول البلاد وعرضها، كان من بناء النهضة الأدبية الثقافية في بلادنا، وله مكانته العلية وصوته المسموع في دنيا العلم والمعرفة بكافة جوانبها، وهو وزملاؤه من الرعيل الأول في حياتنا الثقافية وهم جيل تحمل أعباء البناء والتأسيس لجوانب الحضارة الحديثة التي عايشوا بداياتها فكان بناؤهم مثمراً وإشراقات جهودهم مقدرة وبناءة.
والدكتور منصور من مواليد البلد الحرام في عام 1354 هـ ورسمت خطاه آثارها في ادخلة حرب بجرول وتجرع مرارة اليتم منذ طفولته، حيث توفي والده وعمره سنتان فقط وظللته رعاية جدته ودرس في مدارس مكة وابتعث إلى القاهرة في عام 1374 هـ، وحصل على (الليسانس) في اللغة العربية وآدابها من جامعة القاهرة في عام 1378 هـ، وبعد عودته إلى أرض الوطن صار معيداً في جامعة الملك سعود التي ابتعثته إلى لندن للدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، وعاد إلى أرض الوطن حاملاً شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث، واستقبلته جامعة الملك سعود مدرساً. وتدرج في سلم ترقيات الإدارة والتدريس حتى صار أستاذاً)، وتولى عمادة كلية الآداب بالجامعة وسار في أروقة جامعة الملك سعود بصوت جهوري مسموع ومكانة مميزة بين العاملين فيها، حتى صار عميداً لمعهد الدراسات الجامعية للبنات الذي كان في وقته بمثابة جامعة في الجامعة لأنه يضم مختلف التخصصات والأقسام الجامعية وأعد له الإدارة اللازمة والبرامج المتخصصة مع الاتزان والواقعية والثقافة اللازمة، وكانت له جهود مميزة بجانب كوكبة من المخلصين يذكرها مديرو الجامعة في ذلك الوقت حيث وضعت الأسس التي قامت عليها إدارة الجامعة وعمادتاها ورئاسات أقسامها، وبهم تألقت الجامعة وعاشت عصراً ذهبياً متحملة أعياء الأمومة الكبيرة لبقية الجامعات التي نبتت ونمت في جهات الوطن واستسقت منها النظم والتعليمات في مجال التعليم الجامعي ثم التعليم العالي.
ولما تميز به الرمز) منصور الحازمي من حسن أدبه وإيمانه بقوة الكلمة المكتوبة في مسارات الأدب والثقافة أسس مجلة كلية الآداب في عام 1390 ه التي بقيت زمناً طويلاً وهي تنافس المجلات الأدبية والثقافية في الداخل والخارج، وبحكم تكوينه الثقافي والأدبي برزت مجهوداته الثقافية في العديد من المؤلفات والبحوث التي أثرت رف الأدب بكافة نوعياته، ويأتي في مقدمتها جهوده مع زميله الدكتور الشامخ في إعداد معجم المصادر الصحفية الدراسة الأدب والفكر في المملكة العربية السعودية، ومن مؤلفاته: مواقف نقدية سالف الأوان، محمد فريد أبو حديد كاتب الرواية، ما وراء الأطلال، رحلات العرب خلال النصف الأول من القرن العشرين الوهم محاور الرؤيا، من أشعار العلامة حمد الجاسر في شبابه و وازدان رف الشعر بديوانيه أشواق وحكايات، وشالوم يا عرب، إلى غير ذلك من المقالات والبحوث والدراسات الأدبية والنقدية التي تميزت بعمق الطرح والثقافة الرصينة.
ولا تُنسى جهود الدكتور منصور في موسوعة الأدب العربي الحديث، وهي موسوعة تتناول الأجناس الأدبية منذ دخول الملك عبد العزيز الرياض لمدة مائة عام في مجالات الشعر والقصة والمقالة والدراسة الذاتية والمسرح والنقد التي حظيت بدعم صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه الله لها وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وقد اختارته العديد من أوعية الثقافة للتحكيم، كجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي، وغيرها التي كان أحد الذين فازوا بها (رمزنا) اليوم في عام 1421 هـ، وتوجته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالميدالية الذهبية الكبرى، وتسابقت العديد من الجهات الثقافية على تكريمه في داخل البلاد وخارجها وما لبث حتى تم اختياره عضواً في مجلس الشورى في دورته الأولى، ويدين له طلابه يحسن تعامله ورعايته الأبوية وتواضعه وصدق توجيهه وإخلاصه في دراساته لهم أو في مناقشته الرسائل الماجستير والدكتوراه التي فحصها وناقشها وأشرف عليها خلال سنين عمله بالجامعة، لمدة تزيد على خمسين عاماً.
إن مسيرة (الرمز) الدكتور أبو مازن مسيرة حافلة بالعطاء الله، والإنجازات العظيمة التي جعلته في مقدمة الصفوف عمقاً وثقافة وإخلاصاً وسمعة ورجولة، وقد اجتمعت في شخصه الكريم أصالة النسب، وريادة الأعمال الإدارية والثقافية والتربوية وصارت خطوات سيره في دروب الحياة منهجاً يحتذى، وتطلعات ناظريه ورواه أمثلة حية للطموح والارتقاء والوطنية وانطبق عليه في جهوده وثقافاته المتعددة وعلاقاته وأستاذيته ومناقشاته الثقافية ومناوشاته المعرفية التي عرف بها قول شوقي:
وآثار الرجال إذا تناهت
إلى التاريخ خير الحاكمينا
وأخذك من قم الدنيا ثناء
وتركك في مسامعها طنينا
حيا الله شيخ الأدب ومعدن الثقافة الأصيل الدكتور منصور بن إبراهيم بن عايج الحازمي المروحي السالمي الحربي وأطال عمره وزاد توفيقه.






