الأستاذ / محمود عباس اسكندراني
محمد بن صالح البليهشي

ومن لا يعرف هذا الرمز الذي كان ملء السمع والبصر أمام كل طلاب مدرسة طيبة الثانوية للفترة من عام 1374هـ إلى عام 1403هـ جميع الوزراء والمديرين العامين والدكاترة من رؤساء الجامعات والأساتذة والأعيان الذين درسوا في هذه المدرسة طيبة الثانوية) يذكرون أبو اسكندر الأستاذ محمود عباس اسكندراني رحمه الله تعالى، يذكرونه بلباسه المميز وكلماته المميزة وابتسامته النظرة وأهم شيء خيزرانته) التي لا تفارق يده، يلوح بها يميناً وشمالا، يومئ بها على هذا ويطارد بها ذاك ويلامس بها جانب آخر في دعاية وحنان وشفقة وأبوة حانية لكل الطلاب دون تفريق.
في عام 1391هـ كتب الله سبحانه وتعالى أن انتقل إلى مدرسة طيبة الثانوية أميناً لمكتبتها وفي يوم من أيام ذلك العام الدراسي حملت أوراقي إلى هذه المدرسة وقبل دخولي إليها صباحاً إليها مررت بـ (كازينو) أمامها في باب العنبرية لأستريح به قليلاً لشرب الشاي وكان ذلك (الكازينو) مقهى يصعد إليه بدرج ليس عالياً. ووجدت بعض طلاب مدرسة طيبة الثانوية جماعات ووحدانا في وقت الفسحة الكبيرة) يشربون الشاي ويتحدثون مع بعضهم ويبدو أنهم تسلقوا جدران المدرسة للقاء في هذا الموقع لأن المدرسة تغلق أبوابها على طلابها أثناء اليوم الدراسي، وفجأة هجم عليهم أستاذ يلوح (بخيزرانة) في يده ففروا من أمامه وهو يضرب هذا ويعترض ذاك وتكاثروا على سلم المقهى في هروب جماعي تاركين كل ما أمامهم من أكواب الشاي وبقايا فطور وغيره في سرعة مذهلة وهروب ملفت من ذلك القادم، وبقي المقهى في لحظات فارغاً من مرتاديه سواي ونفر قليل، فسألت عامل المقهى عن ذلك الأستاذ فقال: هذا أبو اسكندر) مراقب المدرسة، ومن يومها ارتسم في ذهني صورة الأستاذ محمود اسكندراني مراقب المدرسة الثانوية، ودخلت إليها وقابلني على بابها وأفاد بأنه رأني وكاد أن يوقع بي لظنه أنني من طلاب المدرسة فأفدته أنني موظف جديد إليها فقال: لو علمت لأتاك
نصيبك.
ومن يومها توطدت علاقتي بذلك الرجل الذي يألف ويؤلف ويعتبر الأب الروحي لكل طلاب مدرسة طيبة الثانوية، كان لصوته رنة خاصة ولعصاه طعم خاص لا يغضب منه أحد ولا يحمل حقداً لأي شخص في تلك المدرسة الفنية، ولديه معرفة تامة بطلابها وأسرهم وكافة بيوتات المدينة، وهو دائم الابتسامة ويغلف غضبه (بنكات خاصة وتعليقات مقبولة، نال ثقة وحب وتقدير مجتمع مدرسة طيبة الثانوية لمدة تزيد عن ثلاثين عاماً ومعظم خريجي المدرسة الذين التحقوا بالجامعات وبالأعمال في شتى مدن المملكة بقيت صورة الأستاذ محمود اسكندراني) في أذهانهم لم ينسوه ولم تنمحي ذكراه من نفوسهم وعقولهم، وحتى الذين زاروا المدرسة من المسؤولين وغيرهم يحملون له أطيب الذكر، ومما أذكره من دعاياته أن أحد المفتشين بإدارة التعليم زار المدرسة وكان واقفاً يُطل على فناء المدرسة قمر (أبو اسكندر) بعصاه وتظاهر بعدم انتباهه لحضرة المفتش فنالته (عصا) أبو اسكندر على ظهره فالتفت غاضباً وتكلم يسخط ولكنه ما لبث أن ضحك لما علم أن خيزرانة) محمود اسكندراني هي التي وجدت
طريقها إلى ظهره.
والأستاذ محمود عباس إسكندراني من مواليد المدينة المنورة عام 1342هـ وحفظ القرآن الكريم في كتاب العريف محمد بن سالم بالمسجد النبوي الشريف ثم التحق بالمدرسة التحضيرية الأولى وتخرج منها عام 1365هـ، ورشح في وظيفة مراقب ليلي بمدرسة الأيتام بالمدينة، وفي عام 1373هـ أصبح مدرساً بالمدرسة المنصورية ثم بالمدرسة الفهدية فالمدرسة الناصرية، وفي عام 1374هـ حطت رحاله بمدرسة طيبة الثانوية مراقباً وبقي بها قرابة ثلاثة عقود نال ثقة جميع المسؤولين في التعليم وفي مدرسة طيبة الثانوية بكل طلابها والعاملين بها، ويعتبر أبو اسكندر) رحمه الله تعالى أشهر رموز هذه المدرسة (العتيقة) ولمدرسيها وطلابها ذكريات وذكريات مع تلك الشخصية المتفردة لإخلاصه وصدقه ونقاء سريرته وقد وافاه الأجل المحتوم في اليوم الرابع من الشهر الرابع من عام 1403هـ صلي عليه جموع المصلين في المسجد النبوي الشريف وسار في جنازته جموع غفيرة من محبين وطلاب إلى البقيع حيث حظي بموقعه فيه رحمه الله تعالى وأدخله فسيح
جناته.
ذكرت هذا الرمز في هذا اليوم كأحد رموز الذاكرة لدي لتجديد ذكراه والترحم عليه وقد وجدت قصيدة في رثائه من بين أوراقي لا أدري كيف وصلتني ؟ ولا أعرف لماذا احتفظت بها؟ وهي لأحد الأوفياء من الذين درسوا بالمدرسة وواصلوا تعليمهم إلى درجة الدكتوراه وجادت قريحته عندما علم بوفاة الأستاذ الإسكندراني قبل أربعين عاماً ذلكم هو الدكتور زاهر عبد الرحمن عثمان مدير التطوير العمراني والثقافي بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض سابقاً وهي تحمل مشاعر جميع العارفين بتلك الشخصية
العجيبة وذلك الرمز المميز قال فيها :
طوي الكرى واستيقظ التنهيد
والبدر مات وخيم التسهيد
والعلم من فوق الثريا مطرق
آسفا وفاجَتْ بالدموع البيد
والقبة الخضراء واجمة وفي
شفة الزمان تساؤل مردود
ويُطل "باب العنبرية" ساهما
قلقا يسائل عنك يا محمود
يتسلل الدمع الحزين سحابة
خرى وطيف الذكريات ودود
فتشوقًا رُغمَ المُصَابِ يَشُدُّني
للإمس إذ هو مشرق وسعيد
كم كنت تلقانا ووجهك دوحة
البشر فيها باسم غريد
تقتات فيها من حنانك بلسما
والنصح منك موجه و سديد
والخيزرانة إذ تداعبنا بها
حينا فيفقد طبعها المعهود
ونقل ما تقسو وإن تقش ففي
عتب المُحب وعتبة محمود
واليوم والكلمات ضلت دربها
والفكر بال والزمان جحود
غادرتنا وعلى جبينك بسمة
وعلى يمينك يُشرق التوحيد
جاءت تودعك القلوب قوافلا
وعلى الشفاه الحمد والتمجيد
الدهر قد أبقى لك الذكر الذي
لا المال يُخلفه ولا المولود
فاهنا بقبرك واضطجع في جنة
فيها النعيم وكوثر وخلود
الرياض 11 / 4 / 1403هـ






