ميدان الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة
محمد بن صالح البليهشي

هذا الميدان الذي برز بحلته الجديدة يعتبر صفحة من تاريخ المدينة المنورة وموقع من مواقع إشراقاتها التي وجدت بصورة رائعة نتيجة فكر ثاقب من ربان حضارة وتطوير مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة، حيث أشرقت الأنوار والمساحات الخضراء والعبق التاريخي في هذا الميدان الذي أطلق عليه سموه الكريم اسم ميدان الملك عبد العزيز وازدان باللمسات الجذابة والتنسيق اللائق والسعة والنظافة والتشجير، وأزيلت منه وما أحيط به سابقاً تلك المشوهات التي كانت في جنباته، وجرى نزع ملكيات جميع ما يحول دون إظهاره وتميزه وحضارته وإشراقاته، وزاده جمالاً إزالة أسوار أمانة المدينة المنورة حتى بدا صورة ناطقة من صور الإشراق والتميز في مدينة المختار عليه الصلاة والسلام، وأصبح الميدان صورة رائعة مكاناً وزماناً ومكانة.
وكأني بسمو الأمير ومكتبه الشامخ ومبنى الإمارة يطل على هذه المساحة من التاريخ قد وقف مراراً وهو يستعرض هذه البقعة من أرض المدينة ويستنطق تاريخها، كأني به وهو ينظر لهذا المدخل الغربي للمدينة وقد سجلت جنباته وساحاته ذلك الجمع من الصحابة وهم يحيطون بنبي الهدى وقد تجمعوا بحرة (السقيا التي يضمها هذا الموقع حيث يصف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك الجمع حول نبيهم وكانت المنطقة لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد اشتراها من ذكوان الزرقي قال ابن أبي طالب في ذلك الجمع: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بحرة السقيا قال عليه الصلاة والسلام: انتوني بوضوء ثم استقبل القبلة فقال: اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك ودعا لأهل مكة بالبركة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثلي ما باركت لأهل مكة واجعل مع البركة بركتين وقال أبو هريرة رضي الله عنه قيل له عليه الصلاة والسلام يا رسول الله إن صاعنا أصغر الصيعان وقدنا أصغر الأمداد فقال الهادي البشير: اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا وقليلنا وكثيرنا واجعل مع البركة بركتين).
وزاد بقوله: اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، واجعل ما بها من وباء (بخم) اللهم إني قد حرمت المدينة ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم ...
وفي هذا الموقع حول مسجد السقيا وبئر السقيا استعرض عليه الصلاة والسلام جيش بدر ورد من ليس له قدرة على المضي مع الجيش الإسلامي حيث رد البراء بن عازب وعبد الله بن عمر لصغر سنهما وكانا قد خرجا راغبين في الاشتراك مع الجيش المحمدي.
وفي هذا الموقع قال جابر بن عبد الله إن أباه قد قال له: يا بني إنا اعترضنا هاهنا بالسقيا حين قاتلنا اليهود (بحسيكة) مظفرنا بهم ثم عرضنا النبي صلى الله عليه وسلم بها متوجهين إلى بدر فإن سلمت ورجعت ابتعتها وإن قتلت فلا تفوتنك، قال: فخرجت أبتاعها فوجدتها لذكوان بن عبد قيس ووجدت سعد بن أبي وقاص قد ابتاعها وسبق إليها.
ومن بئر السقيا في هذا الموقع كان يستسقى للنبي صلى الله عليه وسلم الماء العذب وتلك البئر كانت جنوب مسجد السقيا القائم حالياً ولكنها دخلت في الطريق فأزيلت لمصلحة السائرين والزوار، وكان ماؤها عذباً وكان أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه حين نزل عنده النبي صلى الله عليه وسلم في الأيام الأولى للهجرة يستعذب الماء من بيوت السقيا.
وهذا المعلم يقع ضمن مساحة ما يسمى بالنقا) الذي يمتد من الشاطئ الغربي لمسيل وادي بطحان مغرباً حتى يلتقي بما يسميه المؤرخون بحاجر) الذي ينتهي على ضفاف العقيق على مشارف بنر عروة وكان النقا وحاجراً في هذه المساحة تغني بها الشعراء في مختلف أحقاب تاريخ المدينة المنورة.
فالمنطقة تسمى النقا) وهي منطقة تاريخية من مناطق المدينة المنورة وسميت بذلك لارتفاعها ونقاء هوائها ومن هذه الناحية كان المدخل الرئيسي للمدينة وقد شهد هذا على امتداد أحقاب التاريخ منذ العهد النبوي قوافل الحجاج والزائرين الذين يذهبون إلى الحج ويأتون الزيارة المسجد النبوي الشريف والتعطر بأنفاس طيبة الطيبة، هذا الجانب التاريخي المتصل بالسيرة النبوية لهذا الموقع.
أما تاريخه في هذا العهد الزاهر فقد سجلت جنباته أياماً خالدة منها: يوم أن زار الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى المدينة المنورة في أول زيارة له في عام 1345هـ بعد أن أعاد المدينة إلى دوحته الوارفة دخل موكبه من هذا الميدان وأقامت المدينة أول لقاء له بأهلها في حفل بهيج تخلله الكلمات المعبرة والقصائد الشامخة ومن على جنباته أيضاً في ذلك الحفل الخالد استمع أهل المدينة إلى الملك عبد العزيز وهو يقول لهم: إنني أعتبر كبيركم بمنزلة الوالد وأوسطكم أخاً وصغيركم ابناً فكونوا يداً واحدة وألفوا بين قلوبكم لتساعدوني على القيام
بالمهمة الملقاة على عاتقنا.. إنني خادم في هذه البلاد لنصرة هذا الدين وخادم للرعية... ومن هذا الميدان وفي تلك الزيارة تم تشغيل القطار الجاثم في محطته واستقله الملك ومرافقوه ورجاله وسار بهم إلى منطقة البوير) في رحلة مشهورة وفي يوم مشهود حيث تفقد خلال تلك الرحلة المناطق الشمالية للمدينة واجتمع ببعض رجال البادية هناك.
وفي هذا الميدان من عام 1346هـ يوم أن زار جلالة الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى المدينة الزيارة الثانية أقيم (سرادقه) ووقف على جنباته طلاب المدارس والمواطنين وهم يهتفون ويرحبون بجلالته وصوت المدفعية تطلق إحدى وعشرين طلقة تحية لجلالته وخلال حفل الاستقبال والترحيب تحدث الملك عبد العزيز إلى أهل المدينة مستشعراً قداستها في تواضع جم ونفس كبيرة وقلب أبوي محدداً دور المواطنين وموقع كل منهم في البناء والتفاعل ومنزلة الوالي منهم.
وفي هذا الميدان وبعد عصر يوم الخميس 13 / 11 / 1346هـ التقى الملك عبد العزيز بأهل المدينة وشيوخ القبائل واستمع لمطالبهم وتفقد أحوالهم ووجه ببحث كافة ما يعترض لجان البحث والإصلاح الاستقامة أمور المدينة وتحقيق أمنها واستقرارها، وسجلت جنبات الميدان هتاف جموع المواطنين وهي تودع الملك في سرادق كبير متوجهاً عبره إلى جدة مختتماً زيارته الثانية
لهذه البلدة المقدسة.
ومع بداية موسم الحج من عام 1347هـ وبالتحديد في يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة خرج الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى من هذا الميدان إلى جدة بعد توديعه وبعد
حفل الغداء الذي أقامه له أهل المدينة تكريماً لجلالته في هذا الميدان أيضاً.
وعبر هذا الميدان في عام 1364هـ وخلال زيارة جلالة الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى للمدينة في زيارته الرابعة لها استقبل الملك فاروق ملك مصر بعد الحفاوة به في جبل رضوى وخطت أقدام الملك عبد العزيز في ساحات هذا الميدان في ذهابه إلى ينبع وإيابه إلى المدينة المنورة يرافقه ملك مصر في زيارته للمدينة المنورة.
وفي ساحة ميدان الملك عبد العزيز هذه أقامت بلدية المدينة المنورة حفلها بمناسبة زيارة جلالته في المرة الرابعة من زياراته لهذه المدينة المقدسة وألقى شعراء المدينة عمر بري ومحمد سعید دفتر دار وغيرهم قصائدهم المرحبة بالملك والمستبشرة بوجوده وقابلهم جلالته يرحمه الله تعالى وتحدث إلى المواطنين بكلمات ضافية حملت شكره لهم وإشعارهم بعظم مدينتهم وحرصه عليها وعمله لكل ما يرفع شأنها ويطور أركانها ويقيم شعائر الله فيها.
ومن منفذ هذا الميدان قبل مغادرته المدينة أعلن جلالته عن تبرعه بمبالغ مالية تزيد على ثلاثمائة ألف ريال لأهل المدينة، وهذا مبلغ كبير في تلك الأيام، ومبلغ ألف وخمسمائة ريال المدرسة العلوم الشرعية وأرسى عدداً من المشاريع التي تقتضيها المصلحة والتطوير.
كل ذلك وغيره سجلته جنبات هذا الميدان الذي تشرف بأقدام وكلمات الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى في غدوه ورواحه وهو يكثر الترداد والزيارات لمدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم. فالميدان عبق تاريخي احتفظ أولاً بإشراقات دعوات النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة وأهلها بالبركة ومضاعفتها، ومنه انطلقت الكثير من مفاخر هذه البلدة المقدسة، واحتفظ الميدان أيضاً في سجلاته وتاريخه بتلك الجموع الغفيرة التي وقفت على جوانبه وهي ترحب وتهلل وتكبر بوجود عبقري الجزيرة وموحد شمل الأمة ومعيد أمجادها الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى وهو يحيى أهل المدينة في كل زياراته لها، ويستمع إلى هتافاتهم وترحيبهم ويلبي طلباتهم في كل مرة من مرات تلك الزيارات والمدينة تكرر إقامة (السرادقات الملكية في هذا الموقع من مدينتهم الحبيبة، وتصدح خلالها بكل معاني الحب والولاء والتقدير لجلالته بعد دخولها تحت مظلته، ليس في مرة واحدة ولكنها لثلاث مرات في السنوات الأولى متتاليات في الأعوام 1345هـ و 1346هـ و 1347هـ وفي المرة الرابعة في عام 1364هـ، واكتسب الميدان بعد ذلك التأهيل بإقامة حفلات الاستقبال والترحيب في كل انطلاقة بشر وفرح لقدوم المسؤولين وإقامة مراسيم الاستقبال والحفاوة على مستوى المناسبات الوطنية والدينية واستقبال ولاة المدينة في أواخر القرن الماضي.
وعلى الرغم من تتابع مواكب التاريخ من هذا الموقع المميز والمهم في أرض النبوة (المدينة المنورة وعلى الرغم من الوهج التاريخي الوطني لهذه المنطقة التي اكتست بجلال الفخار وإشراقات الأنوار وعلى الرغم من تتابع الولاة لهذه المدينة العظيمة، فإن صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة يحفظه الله تعالى. هو السباق لاستشعار أهمية وارتباط هذه البقعة المباركة بالمؤسس رحمه الله تعالى في بدايات دخولها تحت مظلته ودوحته الوارفة، فأطلق عليها بحسه الوطني والتاريخي والتطويري والحضاري اسم ميدان الملك عبد العزيز)، وعمل في هذا الميدان كل ما يؤهله ليكون اسماً ومسمى، فظهر الميدان سعة وخضرة ونظارة وإشراقاً صورة جمالية رائعة وإبداعاً خاصاً في عالم التطوير والحضارة والرقي توسطته سارية العلم السعودي الخفاق.
فشكرا ثم شكرا سمو الأمير.






