خربوش الذويبي وأمانة التاريخ
محمد بن صالح البليهشي

قال الشاعر :
ولست أرى الرزية فقد مال ولكن الرزية فقد حُر
ولا فرس يموتُ ولا بعير يموت بموته خلق كثير
وقال الشاعر أحمد شوقي :
وأخبار الرجال إذا تناهت
إلى التاريخ خير الحاكمينا
وأخذك من فم الدنيا ثناء
وتركك في مسامعها طنينا
بالأمس الأربعاء 1443/3/28هـ غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود الشيخ العلم الرمز خربوش بن هندي بن ناهس بن فاجر الذويبي أمير الفوج السادس بالحرس الوطني وصلي عليه بالمسجد النبوي الشريف، وأراد الله تعالى أن يكون قبره في طيبة الطيبة وفي بقيعها المبارك.
ولا يشك أي مسلم في أن الموت حق وهو كما قال الشاعر:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوما على آلة حدباء محمول
فسبحان الخالق العظيم الحي الذي لا يموت جلت قدرته وتعالى جلاله.
ولكن فقد الرجال ذوي المكانة العالية والمنزلة المرموقة في وسطهم وبين أهليهم وقبائلهم ومعارفهم له الأثر البالغ في النفوس وذلك الفقد يحدث فراغاً يحس به الناس وهو مؤثر في النفوس البشرية ومؤثر في الديار والأماكن وتبقى الآثار الطيبة التي يسجلها التاريخ للأجيال اللاحقة لا يمحوها الزمن ولا تندثر آثارها بمرور الأيام والسنين وأقرب مثال لموضوعنا، قصص الشيخ المقدام الشجاع الكريم (حجرف الذويبي) ذلك العملاق الذي تتوارث الأجيال قصصه وبطولاته أبد الدهر وهو الذي يقول :
لي لابة تدري بها العدا ندب بها قوم على الدرب عايلة نشب نار يجذب الضيف ضوها
وليا خبث زدنا حطبها سقايلة
وقال فيه وفي ربعه عايض الشلوي
على العدو سم سقطري وذرنوحللصاحب أحلى من قراح بلحلوح
وبالجود والمعروف كل شكرهم
ويضفي على الجمع المعادي خطرهم
والشيخ خربوش بن هندي الذويبي من سلالة ذلك الفارس الشجاع (حجرف الذويبي) وكلهم (الذوبة ) لهم القدح المعلى في الأصالة والكرم والشجاعة والانتماء والنخوة والشهامة, وقد عرف عن أبي بندر الشيخ خربوش الذويبي يرحمه الله تعالى كل هذه الصفات الرائعة المميزة، فهو ذلك الرجل التقي النقي الشجاع البارز العلم المحب لقومه ولوطنه والمخلص لقادة البلاد ولهذه الدولة العزيزة الغالية المملكة العربية السعودية).
عرف عنه الصمت وعدم الخوض فيما لا يعنيه والحرص على الفضيلة ومكارم الأخلاق، عُرف عنه حبه للخير والبحث عن مواطن المعروف ومكامن الصدق والنية الطيبة فيمن يتعامل معه أو يلوذ به عُرف عنه فرحه بكل بادرة مميزة في الشباب تنم عن بروز
وذكاء وعبقرية وإبداع.
عرف عنه بعد نظره واستشفاف مواطن النفس البشرية لمن يتخاطب معه أو يحتك به.
عرف عنه تلك النظرة اللماحة التي تنبئ على ذكاء فطري وبعد نظر
معرفي يندر أن تخطئ.
عرف عنه نظافة اليد واللسان والبعد
عن الفحش في القول أو العمل وحبه
للصدق والصراحة والأمانة.
عرف عنه كل ذلك وغيره من الصفات المميزة التي تستحق الإشادة والخلود والتوثيق في ثنايا التاريخ، ولا
نزكيه على الله سبحانه وتعالى. لا أعرف الشيخ خربوش بن هندي الذويبي يرحمه الله تعالى إلا أنه ذلك العملاق الذي يتكئ على تاريخ مؤصل وانتماء مميز في قبائل حرب العريقة تاريخاً وعمقا وشيخة ضاربة في أعماق التاريخ، وهو أمير الفوج السادس بالحرس الوطني بالمدينة المنورة وحين تنادى نفر من جماعتي لتكريمي في بعض مساراتي العلمية والثقافية رأيت أن أدعوه يرحمه الله تعالى لرعاية ذلك الحفل قبل عشر سنوات تقريباً فقابلته يرحمه الله في داره وعرضت عليه رعاية ذلك الحفل فرحب بالفكرة وحبذها وشجع عليها وأقيمت المناسبة في أحد قصور المدينة المنورة وكان حفلاً بحمد الله تعالى أضفى عليه أبو بندر ( الكثير من الإشراقات المضيئة الباقية إلى اليوم وإلى الأبد إن شاء الله تعالى والتي وثقتها وسائل التواصل في ثناياها وأعجب بها الكثير
الزخم الرعاية وعمق الثقافة والأدب التي خيمت عليها. وقد حظيت بخطاب شكر وإشادة وفخر واعتزاز منه يرحمه الله على حسن تنسيق الحفل ومن حضره من شخصيات مميزة في العلم والأدب والثقافة والتاريخ. وكان دائم الإشادة بذلك الحفل في كل مناسبة أقابله فيها لسمو ذوقه وإعجابه بلغة الأدب والثقافة لمن حضروا في تلك المناسبة.
ومن هنا بدأت معرفتي الحقيقية بهذا الرجل الشهم الرمز العملاق الأصيل المليء بالحكمة والتواضع المتخم بالشموخ والإباء الممتلئ إلى حد الثمالة بحب الوطن وقادته وبحب المدينة المنورة وحب قبيلته وحب الخير لكل الناس وكل القبائل وبعده عن مواطن الزلل والشر وبؤر العبث والفساد.
لقد أعجبت بهذا الرجل بشخصيته وشموخه وعلو قامته وتواضعه ورأيتُ فيه تلك النفس الصافية والقلب النظيف واللسان الذي يترفع عن دنايا الأمور والفكر الذي يبعد عن الظنون والمساوئ.
رأيت فيه : حبه للصدق والصادقين وتشجيعه للشباب في كل بادرة طموح أو نبوغ أو إبداع أو تألق رأيتُ فيه : تلك الشخصية المهيبة التي عندما تسبر أغوارها تجد الطيبة ولين الجانب وحب الخير والفرح بالفضيلة ومكارم الأخلاق. لم يمنعه شموخه وعلو قامته ومشاغله الكثيرة من زيارتي في المستشفى عندما كنت مريضاً بل وشرفت بزيارته وأبنائه جميعاً في منزلي للاطمئنان على صحتي وأنا مريض
وهو من هو مكانة وقدراً وسنا وعلو منزلة. ومن هنا تأتي عظمة الرجال وتسجيل المواقف وتقدير الرموز والأعلام في دنيا الناس.
زرته مراراً في منزله العامر وقابلته مراراً بمسجد قباء معتمرا وكانت نفسه راضية مليئة إيماناً إن شاء الله تعالى
وابتسامته ورضاه على محياه وتذكرت الحكمة التي تقول : من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن اهتم بأمر آخرته كفاه الله أمر دنياه وآخرته
واليوم وأنت تفارق دنيانا يا أبا بندر أقول : رقيت أبو بندر بروس المعالي وأخذت من تاج الفخر كل عنوان وكتب لك التاريخ قول مثالي يُرجح موازينك على كل ميزان ماضيك ياراس العرب ذوب حالي عز وشرف ياشيخ مع سرج وسنان ولا يعرف أقدار الرجال إلا الرجال مثلك سليل المجد قول وبرهان
رحم الله تعالى (أبو بندر) وغفر له وأسكنه فسيح جناته وعزائي لأبنائه جميعا ولأسرة الذوبة كافة وبني عمرو وقبيلة حرب في فقيدها الكبير وأحد رموزها المميزة.






