جعفر بن محمد البيتي
محمد بن صالح البليهشي

من مواليد المدينة المنورة 1110هـ اشتهر بالبيتي باعلوي السقاف المدني الشافعي وهو سيد شريف اهتم به والده وحفظه القرآن الكريم وعلمه العربية ودرسه الحديث والفقه والتفسير وعلم المنطق على يد علماء عصره في الكتاب وفي المسجد النبوي الشريف وكان ذكياً لماعاً سريع الحفظ قوي الذاكرة وقد اهتم باللغة العربية وعلومها وبالأخص الشعر العربي الذي صار لديه هو الركيزة التي سار عليها وبها عرف وإليها يتكئ عندما تشتط به الحياة أو تتثاقل قدماه في المسير نحو أهدافه التي يتطلع إليها أو أحلامه التي يعيش
بها ...
لقد اتخذ من الشعر مطية وجعل شاعر العربية المتنبي مثلاً أعلى له في التناغم مع الألفاظ والتحاور مع المعاني ....
خرج من المدينة المنورة مرات عديدة وزار الشام واليمن وتركيا والتقى بعلماء وشعراء تلك الأمصار وصارت له حظوة لديهم ومكانة بينهم لعمق لغته وجزالة لفظه واختيار ما يتطرق له شعراً أو نثراً على أن النثر لديه قد اعتمد على السجع وهو السائد في تلك الأيام وكانت لديه إلمامة بالطب ...
ترجم للسيد البيتي خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام كما ترجم له صاحب كتاب سلك الدرر خليل بن علي بن محمد مفتي الشافعية المؤرخ والعالم الفقيه وكلها ترجمات مختصرة عن هذا الشاعر الذي
صدح بشعره وغناه المعجبون بأعذب الألحان...
يقول الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في مقالات له عن السيد جعفر البيتي بأنه اطلع في مكتبة الشيخ عارف حكمت على نسخة مخطوطة من ديوان هذا الشاعر الكبير وهو مليء بشعره ونثره ... وقد ظهر السيد جعفر البيتي في شعره بسمو المعاني وبراعة في العرض وهو يسير خلف المتنبي يستظل بظلاله ويتمثل بشعره ويعجب بحكمته ويحتوي سامعه ويأسره ليسير في ركابه يعيشه الحدث ويجلو أمامه الصورة بصدق وشفافية وواقعية.. هذا وقد تطرق في شعره إلى فنون الشعر من حكم ورثاء وغزل ومديح وهجاء ...
وكان يتطرق إلى النقد الاجتماعي كما إنه لا يترك الأحاجي ومسائل
الطب في شعر...
وشعره بصورة عامة من الجودة والذيوع بحيث خلد اسمه في الحجاز وفي مجتمع المدينة على وجه الخصوص وهو كذلك لقي قبولا في الشام واليمن بل ويؤكد الشيخ عبد القدوس الأنصاري بأن للسيد جعفر البيتي ديواناً شعرياً في جاوه باندونيسيا أضخم بكثير من دیوانه الذي بمكتبة عارف حكمت...
هذا ولا بد من القول بأن له من القصائد المطولة في مختلف أغراض الشعر ما خلد اسمه في زمانه وبين أساتذته وطلابه وجعلت له صورة باقية واسماً شهيراً في عالم الأدب والمعرفة والعلم فهو من مشاهير أدباء القرن الثاني عشر الهجري ولا تزال سماء المدينة المنورة تذكره كرائد من رواد الأدب والشعر بها ومن أهم ما خلد اسمه ارتباط شعره السياسي والاجتماعي بالأحداث التاريخية في المدينة المنورة ومما قاله يرحمه الله تعالى وهو يستعرض حادثة من حوادث الزمان وقعت بالمدينة المنورة عام 1155 للهجرة وهي فتنة الأغوات :
وأصبح الحرم العالي وروضته .. كالجبخان بالبارود يحشوها لاجمعة لاصلاة لا أذان بها ... إلا البنادق ترمي في نواحيها
فصاحت الناس شرع الله وابتدروا ... إلى الخصومة قاصيها ودانيها وقال وهو يمدح شيخه محمد بن إبراهيم الكوراني :
أيها الجد لاعدمناك بحراً
سائغاً في الورود للأمال
قدوة الكرام في كرم الأخلاق
داع إلى سبيل المعالي
كان ظني بك الجميل وأهل
أنت للخير يا حميد الفعال
وقال في صديقه الشيخ مصطفى أحمد الشعاب :
فالبشر من أخلاقه والجود من
أعراقه والبرمن أعماله
لو رحت بكل غريبة .. في المدح لم استوف بعض خلاله
وفي عام 1151هـ سافر الشاعر من جدة إلى المدينة المنورة ووصف رحلته بقصيدة طويلة زادت أبياتها عن أربعين بيتاً من الشعر قال
فيها :
خليلي عن حالي سلا وتفقدا
وميلا إلى نحو الوسادة واقعدا
أبتكما مما لقيت عجائباً بليت بها فاستخبرا وتنشدا
فلي قصة يا صاحبي جعلتها حديثاً عن البلوى عن الضيق مسندا
عن العير عن كرب عن الهم عن عنا
عن الحزن عن غم علا وتصعدا خرجنا نهار السبت من أرض جدة
وقد كان نحساً ذلك اليوم انكدا
ومن أبدع إخوانياته قصيدة طويلة أرسلها إلى صديق له بدأها بالغزل
قائلاً :
يازمان الهوى وعهد التصابي إنما أنت من شؤون الشباب
ووقوع المشيب في الرأس واش في خلال الحجاب والأحباب
فسقى الجزع والكثيب وبان المنحنى والعقيق سارى السخاب
ورعى الله معهداً راجعتنا
فيه أيام زينب والرباب
غانيات الجمال كاملة الأوصاف
في الحسن واضعات النقاب
حبذا هن من مها وغصون
تنثني في عبقري الثياب
هذا وقد بقي السيد جعفر بن محمد البيتي بلبلا صداحاً من بلابل القرن الثاني عشر الهجري يغرد في طيبة الطيبة ورسم بشعره أزهى اللوحات الفنية ولم يحظ ديوانه بتنقيحه وتحقيقه ونفض الغبار عنه حسب علمي ...
وأخيراً حقق الله تعالى أمنية هذا الشاعر الفقيه بوفاته في هذه المدينة العظيمة في شعبان عام 1182هـ واحتوى جسده بقيع الغرقد رحمه الله تعالى وعفا عنه وأجزل له المثوبة ...






