الشيخ جعفر بن إبراهيم فقيه
محمد بن صالح البليهشي

الشيخ جعفر بن إبراهيم بن أحمد فقيه واحد من رموز المدينة المنورة في القرن الرابع عشر الهجري، هو قامة من القامات التي عاصرت التوسعة الأولى للمسجد النبوي الشريف، وواحد من الشخصيات المؤثرة في المجتمع المدني خلال النصف الثاني من القرن الماضي أيضاً، وتذكر له جهود مميزة أثناء العمل في توسعة المسجد النبوي الشريف، شهد منزله، أول اللقاءات التي عقدت لبداية مشروع التوسعة في عام 1370 هـ، بحضور لجنة جرى تكوينها في ذلك الوقت ترأسها الشيخ محمد بن عوض بن لادن الذي كان مديراً عاماً للمشروع وتحددت المسؤوليات في ذلك الاجتماع، وصار الشيخ جعفر فقيه مديراً إدارياً وأميناً للصندوق، وعبد المجيد كظلي محاسباً وكاتب لليوميات، وأحمد عمر بازرعة وكيلاً وأميناً للصندوق، وعلى المحضار كاتباً، ومحمد صالح المحضار مراقباً، وبعد مدة تم اختيار الشيخ محمد صالح قزاز مديراً عاماً للمشروع ومديراً لحفظ الآثار النبوية، والشيخ جعفر الفقيه وكيلًا له، واستمرت لجنة الإشراف هذه تعقد الاجتماعات في دار الفقيه بين وقت وآخر حتى خصص لجهاز الإدارة والإشراف مقر للمتابعة ومواصلة العمل.
وقد رأى الشيخ جعفر فقيه أن اختياره ليكون أحد المسؤولين عن التوسعة وشؤونها هو منحة من رب العالمين، لأنه يعتقد أن العمل في المسجد النبوي الشريف والإشراف المباشر على المشروع شرف لا يدانيه شرف، فأخلص النية وسخر وقته وجهده ليلاً ونهاراً من أجل أداء هذه المهمة، خاصة وأن ابن لادن) و (القران) ليسا متفرغين ولهم سفرات متتابعة لمشاريع أخرى، ولكن الشيخ الفقيه مدني ومقيم بهذه البلدة المباركة ومحب لها وعاشق للعمل بمسجدها، فقضى سنوات المشروع السبع) وهو الرجل الحاضر يعين باصرة وقلب مخلص ونفس راضية وإخلاص ليس له حدود، مما جعل المسؤولين الآخرين في قيادات العمل يكلفونه بإدارة أعمال المشروع، واستمر في عمله حتى بدايات عام 1382هـ، وانتهاء الأعمال في المسجد النبوي الشريف. وبعدها طلب من الشيخ جعفر الفقيه مواصلة التعاون مع القزاز في توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة، ولكن حبه لطيبة الطيبة ورغبته في عدم مغادرتها حال دون ذلك، فاختار البقاء في المدينة المنورة ... وفي العام 1382هـ تلقى الشيخ جعفر فقيه خطاب مديرية الأوقاف العامة بمكة بتولي أعمال المديرية العامة للمكتبات بالمدينة لما عرف عنه من حبه للمكتبات وعشقه للكتاب وخبرته وممارسته، فأحسن عمله وأخلص فيها وترك بصمة مميزة في محتوياتها.... في عام 1387هـ، كنت مراسلاً لجريدة الندوة بالمدينة المنورة، فزرت الشيخ جعفر فقيه في مقر مكتبه العام جنوبي المسجد النبوي الشريف دون سابق معرفة به رحمه الله، فوجدت ذلك الرجل بقامته الفارعة وخلفه النبيل واستقباله المميز وبشاشة محياه وتواضعه، وأنا يومها، كأحد الممارسين للصحافة مع بدايات مشواري فيها، متعاوناً مع جريدة الندوة إلى جانب عملي مدرساً في تعليم المدينة، استقبلني استقبالاً خاصاً بحب وتقدير، وكان استقباله محفزاً لي في عالم الصحافة، ومشعراً لي بالأهمية والاعتزاز والتقدير، وكان الرجل وقتها في سن الشيخوخة، وهو أحد أساطين المعرفة في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أصحاب النفوذ والتأثير فيها، ولكن أولئك الكبار كانوا رجال عقول واتزان وتربية وتعليم الشباب وإضاءة السيل أمامهم للسير في دروب النجاح..... لقد اطلعني يومها بكل حب وتواضع على الجهود التي قام بها في شؤون المكتبات من الأرشفة. والتصنيف وإعداد خزائن جديدة ووسائل عرض وتبويب وترسيخ مفهوم المكتبات واقتناء التحف والأثريات واستغل صلاته الخاصة ووجاهته في إقناع أصحاب مكتبات متفرقة لضمها إلى المكتبة العامة، فوجدت رفوف المكتبات الأربطة كرباط عثمان ورباط الجبرتي ومكتبات المدارس القديمة كمدارس الشفاء والساقزلي والإحسانية ومدارس الأزمرلي وزين العابدين توفيق وعباس حلمي ويسن بخيت وعمر حمدان وقرة باش والقازنلية والعرفانية وغيرها من مكتبات المدارس الأخرى القديمة... وكان حريصاً على الوثائق والآثار والخرائط فنسخ ما يراه صالحاً ومفيداً للاقتناء في المكتب والاستفادة منه في مقتبل الأيام، وبجهوده رحمه الله وأعماله في مديرية المكتبات العامة بالمدينة استطاع. أن يعمق مفاهيم المكتبة ودورها في البحوث والدراسات، فأعد صالة خاصة للباحثين والمستطلعين أمهات الكتب، ولذلك كان سباقًا في هذا المجال أمام شداة المعرفة وأساطين العلم والأدب... وقد سجلت كل ذلك حينها في استطلاع موسع وتم نشره مع توثيقه بالصور....
استمر الشيخ جعفر فقيه في عمله حتى طلب التقاعد في عام 1388 هجرية. وبعد تقاعده كانت الكتب ميدانه الفسيح في مكتبته الخاصة التي سماها مكتبة العلوم والفنون والآثار، وهي امتداد المكتبة التي أنشأ بذرتها في عام 1349 هجرية، والتي سبق أن سماها مكتبة الإخاء الحجازية وكانت مقابل باب الرحمة في المسجد النبوي الشريف، وكانت مليئة بالسير والتراجم والتاريخ والأدبيات، والتي أطلق عليها لاحقا (مكتبة الفقيه، واستمرت إلى بدايات الثمانينيات ولانشغاله في مشروع إدارة المكتبات جرى إيقافها والاحتفاظ ببعض محتوياتها، وعند تقاعده برزت في حياته مكتبة العلوم والفنون والآثار) التي أعطاها من ماله وجهده الشيء الكثير حتى غدت مكتبة زاخرة ضمت أكثر من (15,000) مادة شملت إلى جانب أمهات الكتب والمراجع أعداداً كاملة لتلك الدوريات العربية الصادرة وخرائط جغرافية وتصاميم تناولت التوزيع السكاني للمدينة في عهود سابقة والأحياء القديمة مع مجسمات هندسية للأحياء والمساجد والمعالم، إضافة إلى الصور لبعض شخصيات المدينة وأعيانها..... ولما تضمه المكتبة من تنوع محتويات ولمكانة الرمز)، جعفر الفقيه في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، صارت داراه ملتقى أدبيا على مدار العام يزورها كبار العلماء والمفكرين من المدينة ومن مدن المملكة الأخرى ومن مدن العالم العربي والإسلامي، ويستقبل الشيخ والأديب والعالم جعفر بن إبراهيم بن أحمد فقيه أعيان الأدباء والكتاب من مصر وبيروت ودمشق وإسطنبول وغيرها....
وعلى جانب من المكتبة برزت اهتمامات الشيخ الفقيه بالنشر والتأليف ووجد اسمه ناشراً أو مؤلفاً أو مشاركاً في كثير من الكتب القيمة مثل كتاب "خلاصة الوفاة بأخبار دار المصطفى للسمهودي" حيث قام بطباعته للمرة الثانية والثالثة، وكتاب ذكريات طيبة وبحوث حول أسرار الحج والزيارة باشتراك مع هاشم دفتر دار، وكتاب حول توسعة المسجد النبوي الشريف بدءًا من العهد النبوي، كذلك بالاشتراك مع الشيخ هاشم دفتر دار.....
ويوم أن بدأت أعمال التوسعة الثانية للمسجد النبوي انتقل الشيخ (الرمز) جعفر فقيه من داره في صيادة إلى حي الأزهري وبنى هناك دارًا خصص لمكتبته جزءاً من سكنه روعي فيها ما يتناسب مع كبرها وتنوع محتوياتها، إلى جانب متحف به نفائس الآثار تجلى في تلك المكتبة العناية الفائقة والتنسيق والأرشفة بما يتناسب وأصول البحث والاطلاع .....
نسيت أن أقول بأن كان لي شرف التلمذة على يد ابنه الأكبر الأستاذ سامي جعفر فقيه في معهد المعلمين الابتدائي بالمدينة المنورة، وشرف الزمالة عندما كان الأستاذ سامي مديراً لمدرسة طيبة الثانوية، وعندما كان مشرفاً في إدارة التعليم، فاستفدت منه كثيراً، وكان نموذجاً يحتذى به إخلاصاً ووفاء وتربية وحسن تعامل. وليس بمستغرب منه كل ذلك. لأن آثار تربية والدهم وهو وإخوانه (رحمه الله ) قد شكلت منه نسيجاً في التعامل والإخلاص والأخلاق ونماذج فريدة في الأدب والعلم وحب الوطن ومقدراته. وفي يوم الخميس المصادف في 17 من شهر شعبان من عام 1411 هجري غادر الشيخ أبو سامي ) جعفر فقيه إلى دار البقاء والخلود في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتشرف بدخول بقيع الغرقد بعد الصلاة عليه من مجموع المصلين في المسجد النبوي الشريف رحمه الله رحمة الأبرار وأجزل له الأجر والمثوبة.....






