الشيخ إسماعيل بن مبيريك الغانمي

محمد بن صالح البليهشي

في عام 1424هـ وعلى إثر تفجيرات قامت بها فئات باغية في مواقع بالمملكة العربية السعودية وقفت قبائل ومواطنو المملكة ضد تلك الأفعال وتوافد ممثلوها على رموز الدولة مستنكرة ومؤكدة وقوف الشعب مع دولته ضد تلك الأعمال العبثية ومن بين تلك الوفود وقد قبيلة حرب وأعيان محافظة رابغ برئاسة وكيل المحافظة الشيخ أيمن محمد بركة بن إسماعيل في وقتها الذي تشرف بمقابلة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد حينها في يوم الاثنين 1424/5/21هـ واستمع ليلتها إلى كلمات التأييد للدولة والاستنكار لما قامت به الفئات الباغية من أعمال إجرامية في بلاد الحرمين وأكد رئيس الوفد الشيخ أيمن بن إسماعيل بأن قبيلة حرب بكاملها تقف صفاً واحداً مع الدولة السعودية وتؤيد كل الأعمال والإجراءات التي تتخذها ضد المجرمين والعابثين. استمع الملك عبد الله إلى كلمات وقصائد الوفد وتكلم رحمه الله تعالى وأشاد بمواقف قبائل ومواطني المملكة العربية السعودية ووجه كلمته إلى الشيخ أيمن قائلا له : ( أشكركم وهذا ما يستغرب عليكم مجدكم ولله الحمد له مواقف مع الملك عبد العزيز في حصار جدة ولا تنساها أبدا .. لأنه الذي قال عنه الملك عبد العزيز هذا أخي ويجلس بجانبي وهذا الذي ساعدني في وقت الضيق ... ولله الحمد رب العالمين - أرزاق وذهب ... أين تجدها في ذلك الحين وهذا شيء لانتساه وانتم إن شاء الله فيكم الخير والبركة لأنكم مواطنون صالحون ولا يستغرب عليكم الطيب أبداً .. وشكراً لكم).

وهذا القول إشادة وشهادة من رجل عظيم يؤكد مواقف وبطولات كما يؤكدها أبناء الملك عبد العزيز قاطبة في مختلف مناسبات الوفاء والصدق والأخوة والمحبة لذلك الرجل الكبير الشيخ إسماعيل بن مبيريك بن حمدي بن حميد بن حماد العالمي الزبيدي الحربي ... أحد أمراء قبيلة حرب وأمير رابع الذي لقيته بعض الدول باسم أسد البر والبحر وهو الابن السادس للأمير مبيريك بن حمدي آل مبيريك.

وقد سجل التاريخ للشيخ إسماعيل مواقف مع الملك عبد العزيز أثناء حصار جدة ذكرها مؤرخون وكتاب وقادة وشهود عيان أمثال صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبد العزيز في أم رقيبة وسمو الأمير عبد الله بن فرحان وغيرهم من الأمراء ... وأمثال الكتاب والأدباء والمؤرخين خير الدين الزركلي وصالح الشلهوب وعبد الله فيلبي وجريدة أم القرى والأديب محمد حسين زيدان وغيرهم.

ومن بين ما ذكرته جريدة أم القرى أثناء حصار جدة في العدد السابع بتاريخ 1343/6/28هـ قولها : وصلت قافلة من رابغ مؤلفة من ألف بعير تحمل أرزاقاً إلى الإمام عبد العزيز في مكة أرسلها الشيخ إسماعيل بن مبيريك الغانمي معونة للإمام عبد العزيز واتباعه .. وكان لها دور كبير في دعم الموقف السعودي وقال عبد الله فيلبي : (إن الشيخ إسماعيل كان الشخص الذي قدم إلى ابن سعود في إحدى المراحل الحرجة المون ومبلغاً كبيراً من الذهب ولم ينس الملك تلك الهدية التي وصلته من صديق عند الضيق)

لقد عرف الشيخ إسماعيل بن مبيريك بعقليته المتزنة وفكره الثاقب ذلك
القلب الكبير الذي امتاز به الملك عبد العزيز ومدى صدقه مع نفسه
ومجتمعه ورغبته في الإصلاح ونقاء عقيدته فوقف معه وكان موقفه مشرفاً وتاريخياً ولذلك احتل مكانة وقدراً عند الملك عبد العزيز وقد تناول الرواة وجلساء الملك عبد العزيز ذلك التقدير الذي يكنه لابن مبيريك حيث يختصه كلما أتى الحجاز ببشر معين وصدق وترحيب وتقدير خاص ومجلس بجانبه لا يجلس به سواه وقد لاحظ بعض قادته وكبار مرافقيه بعد أن استتب الأمن وصار الحكم له استغرابهم من حفاوته للشيخ إسماعيل فوقف في أحد مجالسه مرحبا بابن مبيريك قائلاً لجلسانه لا تستغربون ... اهذا اخي الشيخ إسماعيل بن مبيريك اعترافاً بفضله وتقديراً لمواقفه. وقد عرف عن الشيخ إسماعيل بن مبيريك قوة ذاكرته وصفاء عقله وبعد وشفافية نظرته وحلمه وأناته وله العديد من المواقف التي يرهن فيها على صفات حميدة مميزة قلما تجتمع في رجل مثله وله مواقف حاسمة في وقت الشدة والضيق وأقوال سرت مسرى الأمثال من ذلك وقوله : لا يموت من له أخ مثلي عندما تيقن أن الشريف الحسين بن علي قد غدر بأخيه حسين بن مبيريك عندما أعطاه الأمان وأرسل له في مقره بوادي حجر كتاب الأمان وسط مصحف لتأمينه وكسب ثقته في مجيئه للعمرة والقدوم عليه حيث بالغ الشريف في إكرامه أول الأمر ثم غدر به وقتله انتقاما لعدواته السابقة .. وفعلا ثار الشيخ إسماعيل لأخيه من الشريف عندما حانت الفرصة له عندما عرف الشيخ إسماعيل أن الشريف الحسين قد نوى الغدر بأخيه سار بجموع قبائل حرب ليشفعوا عند الشريف لإزالة ما في نفسه على الشيخ حسين بن مبيريك وخيم في الجموم بمرافقيه وفي الليل مر به جماعة من شيوخ قبيلة الحوازم فأخبروه بأن الشريف قد قتل أخاه حسين بن مبيريك البارحة فغضبت قبائل حرب وعزموا على العودة والانتقام ولكنه بعقله وثقل تفكيره أصر على مسيره إلى الشريف معزياً ودخل عليه بكل شجاعة وثبات وقال مقولته المشهورة وسط استغراب الجميع ( أعزيك يا حسين في حسين وهي تدل على دهاء وعقلية لاحدود لها مما جعل الشريف يحتفى به وبمن معه ويظهر جزعه على فقد الشيخ حسين بن مبيريك وبعد بالانتقام ممن غدر به.

وكان الشيخ إسماعيل قد أخذ على مرافقيه قبل الدخول على الشريف عدم إظهار العداء والجزع وبقي في العزاء بمن معه ثلاثة أيام وهو يردد في نفسه لا يموت من له اخ مثلي روى لي كل ذلك الشيخ مبارك بن سليمان شيخ مستورة أمام أبنائه قبل ثلاثين عاماً وكان ممن شهد تلك الأحداث في شبابه يرحمه الله تعالى.

كما روى الشيخ مبارك يرحمه الله أن الشيخ إسماعيل قد قطع الإمدادات البرية عن قوات الشريف في جدة بواسطة حجز السفن التي تحمل المؤن والإمدادات الواردة إلى جدة عن طريق رابغ.

وفي أثناء الحصار نمى إلى علم الشيخ إسماعيل بواسطة ابن أخيه الشيخ بركة بن عرابي بن مبيريك الذي نقل إليه تحرك أعوان الشريف إلى رابع بحرا الضربها بسبب موقفها مع الملك عبد العزيز ورصدت عيون الشريف ذلك الموقف المهيب الذي تفتقت عنه ذهنية الشيخ إسماعيل حيث نادي في جموع حرب ومواطني رابع للخروج إلى الصبخة والشاطئ وهم بأحزمتهم وبنادقهم يوقدون النيران في كل مكان ويلعبون العرضات ويطلقون نيران بنادقهم بكثافة لامثيل لها إيهاماً بأن هذه جموع حرب وجيوش عبد العزيز أنت لحماية رابع وأهلها وأن رابع عصية على من حاول الاقتراب منها ... ومما كانوا يرددون في تلك العرضات قول شاعرهم :

يادار فري لا تزعزعك الهموم
سيسان حيطانك في بطنك راسيات
لك ربعة من حرب في وقت اللزوم
عين تغمضها وعين ماتبات

وما لبثت أن انتهت القمة وصار الحجاز بكامله تحت مظلة الملك عبد العزيز ووفد الشيخ إسماعيل بجموع مشائخ حرب إلى الملك عبد العزيز في اليوم الخامس من شهر جمادى الثانية من عام 1343هـ لتقديم الولاء والطاعة ومنحهم الأمان على ديارهم وممتلكاتهم كما وقف الشيخ إسماعيل في يوم الأول من شعبان عام 1344هـ بجوار الملك عبد العزيز معرفاً ومركيا لبقية شيوخ قبائل حرب في ديارهم مابين الحرمين الشريفين وغيرها للتعريف بهم وهكذا عاش الشيخ إسماعيل بن مبيريك مخلصاً طوال حياته وقيا للملك عبد العزيز حريصاً على الأمانة التي اضطلع بها وعاهد الملك عليها كما نال شرف التقدير والاحترام من الملك وأبنائه من بعده.

إنه نموذج من نماذج الرجال الأوفياء المخلصين الحريصين على ديارهم وقبائلهم وهو نموذج للعقل المفكر والقلب الكبير الذي أتقن السياسة ونجح في دروبها وعرف أساطينها بقدرة فائقة عرفها الملك عبد العزيز المؤسس ومنحه ما يستحقه من الثقة والموالاة والاحترام والتقدير.

بقي القول بأن الشيخ إسماعيل بن مبيريك هو سليل أسرة ورثت المجد كابراً عن كابر فوالده مبيريك الغانمي الحربي كان شيخاً لمدة ستة وثلاثين عاماً وورث الشيخ عرابي الشيخة عن والده مبيريك لمدة 26 عاماً وأتى بعده الشيخ حسين بن مبيريك لمدة تسعة عشر عاماً وبعد قتله غيلة في عام 1337هـ صار الشيخ إسماعيل بن مبيريك أميراً على رابع وشيخاً لقبيلة القوائم وأحد مشائخ حرب لمدة 38 عاماً وبعد وفاته في عام 1375هـ تولى أبناؤه الشيخة سالم ثم قابل وفي عام 1390هـ صدر الأمر الملكي الكريم بإسناد إمارة رابع إلى الشيخ محمد بركة بن إسماعيل وبقي أميراً ثم محافظاً لمدة 34 عاماً وبعد تقاعده في عام 1426هـ صار الشيخ طه بن عمر بن إسماعيل عضو مجلس منطقة مكة المكرمة سابقا وعضو مجلس الشورى سابقاً محافظاً لمحافظة رابع وصار الشيخ أيمن بن محمد بركة بن إسماعيل وكيلا له وبعد تقاعده صدرت الموافقة السامية للشيخ أيمن بن محمد بركة بن إسماعيل لتسلم رابع محافظاً لها واخيراً بعد نقله مستشاراً صدر قرار مستشار خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بتكليف العميد الشيخ خالد بن محمد بركة بن إسماعيل الغانمي الحربي محافظاً لمحافظة رابع..

ومن هنا يتضح أن هذه الأسرة الكريمة العريقة توارثت المجد كابراً عن كابر وكان لمشائخها أدوار رائعة في سلم الأمجاد والرقي والتقدم ... ويحتفظون بمكانة مرموقة في قبائل حرب وفي منطقة رابع وما حولها ويتشرفون بثقة ولاة الأمر ملوكاً وأمراء من آل سعود يحفظهم الله تعالى وبقي اسم الشيخ إسماعيل بن مبيريك رمزاً مميزاً من رموز الرجولة والشجاعة والوفاء والأمانة والتاريخ.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.