المهندس إسماعيل بن أسعد مصلوخ
محمد بن صالح البليهشي

أهدى إلي الابن والأخ والزميل والصديق المشرف التربوي الدكتور محمد علي بن اسماعيل مصلوخ بعض الكتب القيمة ومنها كتابه (إضاءات) عن حياة والده المهندس الدليل الشيخ اسماعيل بن أسعد بن محمد علي مصلوخ ذلك الرجل الكريم، والكتاب يحكي سيرة ومسيرة حياة والده رحمه الله التي تجاوزت المائة عام قضاها مجاورا في هذه المدينة الطيبة تشرف خلالها بخدمة ضيوف الرحمن من الحجاج الكرام زوار المسجد النبوي الشريف كما عمل خلال حياته الكريمة مهندس اتصالات وهو يعتبر من الرواد الأوائل الذين أسسوا خدمة البرق والبريد والهاتف والاتصالات بالمدينة المنورة وبعض مراكز الاتصالات في شتى نواحي المملكة منذ عهد الملك عبد العزيز رحمه الله.
والكتاب يوضح في جملته قصة كفاح لأحد رجالات المدينة المنورة خلال القرن الماضي وأوائل القرن الحالي حيث عاش (رمزنا المهندس اسماعيل على تراب طيبة الطيبة وتعطرت أقدامه بذلك التراب الزكي وأراد ابنه البار الدكتور محمد علي أن يحفظ لوالده شيئا من سيرة غنية تمثل قيما ثرية وإرثا فيما يجب ألا يطويه النسيان لتكون نبراسا للأبناء والأحفاد والمحبين والمهتمين بالمدينة وحياة الأجيال بها وما تخلقت به من قيم ومكارم وأصالة ورجولة وشهامة وكرامة وحسن جوار وأدب وأخلاق.
وتعود معرفتي بالمهندس الدليل وأحد رجالات المدينة الشيخ اسماعيل مصلوخ خلال مروره بين وقت وآخر في بدايات الثمانينات الهجرية على مدرسة أبنائه أسعد ومحمد علي) في المدرسة المحمدية بحوش منصور بالمدينة المنورة عندما كانوا طلابا بها وكنت أحد المدرسين المبتدئين بها في المرحلة الابتدائية فكان يرحمه الله يأسرنا بابتسامته الهادئة ووجهه البشوش وأدبه الجم وشخصيته المميزة وهو يتفقد سيرة (إبنيه) الذين نحس من خلال متابعته وتردده على المدرسة مدى حرصه على معرفة مستوى دراستهما وأخلاقهما واستقامة امورهما.
وكم كنا نعيش في زهو وفخر نحن المدرسين وهو في زياراته يردد ذلك البيت الشهير الذي يقول:
العلم يرفع بيوتا لا عماد لها
والجهل يهدم بيت العز والشرف
يقول ذلك رافعا من معنوياتنا ومشيدا بعملنا في تعليم الشباب
ومصابرتنا في تلك المهنة العظيمة....
ومرت عجلة الزمن وشرفت بزمالة الابن محمد علي مصلوخ مدرسا في المتوسطة ثم في الثانوية ويصحبني في مناسبة لمنزلهم في العوالي والتقي بوالده الذي أثنى علي وعلى زملائي المعلمين الكثير من الاجلال والترحاب وحسن الاستقبال والأخلاق الرائعة التي زادتها الأيام حلاوة وجمالا ورسوخا وعمقا من رجل حينها على مشارف الثمانين من العمر ازدان بفرحوترحاب كزملاء لابنه واعترافا بفضل في مجالات التربية والتعليم وترسيخا المعرفة سابقة يوم أن كان صغاره في الابتدائية وهو يحثنا على حسن التعامل وأصالة التربية والادب والأخلاق.
لقد سررت وأنا أقرأ سيرة ذلك الرجل الذي رأيت فيه شموخ الرجولة وأصالة المنبت والاعتزاز بطيبة الطيبة والحب الصادق لها والجوار في ساحاتها وأحواشها والأنس بمسجدها العظيم والطمأنينة في أحيائها.
وظلال آثارها ونخليها ومعالمها وكنت أظن أنه لم يخرج منها طيلة حياته ولكن سيرته التي اطلعت عليها بينت أن الرجل قد ولد بها يتيم الأب عام 1337هـ ورعاه جده لمدة ستة أعوام ثم توفاه الله وقامت برعايته والدته زبيدة أحمد شاهين رحمها الله فذاق مرارة اليتم والعوز مما اضطره إلى مزاولة بعض الاعمال وهو صغير السن وما تبث أن يسر الله له وظيفة معاون في خدمة اللاسلكي وبقي فيها عقدين من الزمان ولبراعته في عمله ونبوغه في ذلك الوقت كان للمهندس اسماعيل جهود مميزة في تأسيس مراكز اللاسلكي فتنقل من الدوادمي إلى القويعية إلى لاسلكي أم البرك بوادي الفرع وقد رأيت المبنى الخاص بذلك الجهاز لا يزال قائما قبل عشر سنوات تقريبا ثم وصل المصلوخ إلى مكة المكرمة الاداء مناسك الحج ثم مرات والقويعية من أجل اللاسلكي أيضا وفي تنقله في تلك الجهات تمر به أحداث فقد فيها بعض أبنائه وزوجاته ويطاله المرض ويصدر الأمر من الدولة اعزها الله بعلاجه في بيروت لبنان لأنه كان يقوم بعمل مهم في البرقيات واللاسلكي والدولة تقدر العاملين الأوفياء.
وتستمر فترة العلاج لسنتين ليعود بعدها إلى مسقط رأسه طيبة الطيبة وقد قاده طموحه لاستغلال وقته مع فترة العلاج لتعلم القراءة والكتابة وزيادة محصوله في خبرة هندسة مواطير وأجهزة اللاسلكي ليحتل وظيفة كبير مهندسين بين المدينة وبدر ومدينة جدة ومن هنا استحق بجدارة
مسمى (مهندس بدرجة مميزة.
وصار لقبه المهندس اسماعيل مصلوخ على مستوى الوزارة خاصة وقد أجاد الكثير من المصطلحات الانجليزية والفرنسية وصار صاحب مهارة في القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم بجهود ذاتية وبعزم على اثبات وجوده في عمله ومجتمعه وقد مكنته خبرته في مجال الاتصالات الى الاسهام الفعلي مع كبار المهندسين في تطور محطة اللاسلكي في آبار على بالمدينة المنورة التي صارت علامة فارقة في منظومة الاتصالات
اللاسلكية على مستوى المملكة.
ولجدارته وعلو قامته في مجال عمله واخلاصه استعانت به مصلحة الطيران المدني بالمدينة المنورة عندما انتقل اليها لصيانة اجهزة برج المراقبة في مطار المدينة المنورة وهذه المرحلة الثالثة في سلسلة اعماله الفنية في مجال الاصلاح والمراقبة والتجهيز والتعامل مع الآلات الخاصة بالمواصلات والاتصالات وكان الرمز) المهندس المصلوخ مؤثرا في عمله وتعامله محبوبا من رؤسائه وزملائه في كل عمل يعمل به أو مهمة يقوم بها ولديه حس هندسي يشهد به كل من زامله او تعامل معه بحيث لا يستعصي عليه عطل او تقف امامه مشكلة لا يجد لها حلا وفي بداية الشهر السابع من عام 1397هـ عزم على التقاعد من العمل الرسمي وبدأ أمامه عمل جديد له سابق اسم فيه تسلسلا ووراثة ذلكم هو خدمة حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم حيث كان ضمن المسؤولين الكبار في خدمة الحجاج والزوار تلك الخدمة التي بذل فيها جهودا كبيرة تنظيما وتخطيطا وسفرا إلى تركيا والاردن وسوريا ولبنان وغيرها من بلدان العالم للتنسيق في برامج استقبال الحجاج والزوار واعداد البرامج المنظمة لحلهم وترحالهم في المدينة المنورة انطلاقا من مسئولياته كأحد الأدلاء الكبار في طيبة الطيبة ومع حلول العام الهجري 1405هـ أوكل مهامه في خدمة الزوار والحجاج الى ابنائه وصار المسجد النبوي وحلقات الذكر وتدبر تلاوة القرآن في أروقته مكان استقرار له وملازمة لصلواته ولقاءاته مع اصدقائه ومحبيه وعارفيه وعاش (أبو أسعد) الرمز حياة مليئة بالحب والفرح والابتسامة يلتقي به أبناؤه وأحفاده بنفس راضية وقلب عطوف وابتسامات لا تفارقه حتى وافاه الأجل
المحتوم في يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر محرم عام 1438هـ عن عمر
ناهز واحدا ومائة عام واستقبله بقيع الغرقد في يوم الخميس الثاني عشر من شهر محرم 1438هـ وتحققت بوفاته في هذه المدينة المقدسة ودخول مقبرة البقيع امنيته الغالية طوال حياته رحمه الله رحمة الابرار واسكنه فسيح جناته وقد كتب الله له عمرا مديدا في طاعته سبحانه وتعالى ان شاء الله حتى رأى حفيدة الشيخ أحمد بن محمد علي مصلوحيقف على منبر المسجد خطيبا مما كان له أثره في فرحه وسروره ورأى أبناءه واحفاده من حوله فخرج وهو يردد:
نعم الاله على العباد كثيرة
وأجلهن نجابة الأبناء






