الشاعر إبراهيم خفاجي
محمد بن صالح البليهشي

رحم الله الشاعر القدير الأستاذ إبراهيم بن عبد الرحمن بن حسين خفاجي ابن مكة البار الذي كتب الله له أن يخلد اسمه ويذكره الباحثون والمتابعون لمسيرة النشيد الوطني الذي يشدو أسماعنا فخراً واعتزازاً صباح مساء في كافة المناسبات الوطنية واللقاءات الرسمية وغيرها ...
كثيرون هم الشعراء الذين تغنوا بالوطن وسجلوا أمجاده في قصائدهم وكثيرة هي القصائد التي قيلت في الوطن وتبعث إشراقات متعددة على جوانب الإنجاز والحضارة والتقدم والرقي ورمزنا اليوم واحد منهم ولكنه تميز عن الجميع يحفر اسمه في سماء المجد على مر الأيام والسنين وذلك بأن كان إبراهيم خفاجي هو من وفقه الله تعالى لكتابة كلمات النشيد الوطني لبلادنا ...
إبراهيم خفاجي الذي لقب بأستاذ شعراء الأغنية السعودية) ولقب (بجواهرجي الأغنية السعودية) و(بعراب الفن) ولقب بشاعر الوطن) والذي زادت أعماله الفنية في مجال الأغنية السعودية على ستمائة عمل كل ذلك في كفة وكتابته الكلمات النشيد الوطني للدولة في كفة أخرى وهذه الكفة هي التي خلدت إبراهيم
خفاجي وأعطته مكانة راقية في مجال الشهرة والخلود.
لقد أشار الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود يرحمه الله تعالى على المسؤولين في الإعلام بأن يكون للسلام الملكي السعودي كلمات نشيد يكون مطابقاً للموسيقى فأعلن معالي الدكتور محمد عبده يماني وزير الإعلام وقتها ذلك. للشعراء مشترطاً أن يكون النشيد متوافقاً في وزنه ولحنه مع موسيقى السلام الملكي السعودي ولما علم صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل بذلك اقترح أن يقوم الخفاجي) بكتابة النشيد لمعرفته الشخصية به وبقدرته على ذلك ... فتشرف إبراهيم خفاجي بهذه المهمة واستعد لها ...
وفي عام 1402هـ تلقى الخفاجي رغبة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود يرحمه الله تعالى وموافقته على إعداد النشيد شريطة أن يكون خالياً من اسم الملك وأن لا تخرج كلماته عن تعاليم الدين الإسلامي والعادات والتقاليد ...
ومن هنا ارتقى (الخفاجي) الرمز مرتقى صعباً في هذه المهمة ولكنه اعتمد على الله سبحانه وتعالى وطلب توفيقه وبدأت مراحل مهمته الكبيرة ومكث مدة ستة أشهر وهو في تركيب كلمات تتناسب مع موسيقى السلام الملكي التي أعدت منذ عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يرحمه الله تعالى ... ونجح الخفاجي عندما سلم كلمات النشيد لوزير الإعلام الأستاذ (علي الشاعر) الذي خلف الوزير الدكتور محمد عبده يماني في الوزارة والذي عرضه بدوره على الموسيقار السعودي سراج عمر الذي قام بتركيب نص النشيد وتوزيعه على موسيقى السلام الملكي وبعد ذلك تم عرضه على الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله فأعجب به ووافق عليه ...
وفي صباح يوم عيد الفطر المبارك من عام 1404هـ بدأ البث التليفزيوني والإذاعي بالسلام الملكي المطعم بنص النشيد الذي أعده الخفاجي) ولا يزال نشيداً وطنياً رسمياً سعودياً .. وجرى اعتماده وتوزيعه على السفارات والملتقيات الشبابية وبلغت المدارس باعتباره ضمن فعاليات الاصطفاف الصباحي في جميع المدارس بمختلف مراحل التعليم ...
وعلى إثر إعجاب الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى بكلمات النشيد الوطني وموسقتها مع اللحن المعروف للسلام الملكي صدر أمره الكريم على منح (الرمز الخفاجي البراءة والوسام الملكي الخاص بذلك ومن هنا افتخر الخفاجي وطاول السحاب بذلك التقدير وذلك النجاح الباهر وتقول كلمات النشيد الوطني الذي كان للخفاجي شرف إعداده :
سارعي للمجد والعياء ... مجدى الخالق السماء وارفعي الخفاق أخضر .. يحمل النور المسطر رددي .. الله أكبر .. يا موطني .....
موطني عشت فخر المسلمين ... عاش الملك للعلم والوطن
كلمات رائعة حفظها الصغار والكبار ورددتها جهات الوطن وسجلتها جباله ووهاده وتاريخه وتمايلت على أنغامه التخيل والقلاع وأشجار الغايات ورقص الوطن بكافة مكوناته فخراً واعتزازاً وشموخاً وإباء لعمق الكلمات وانسجامها مع اللحن والموسيقى التي لم تتغير واكتمل بذلك النشيد الوطني معنى ومعنى وهدفاً وغاية ..
والرمز (الخفاجي) (أبو شاكر رحمه الله نتيجة لجهوده إضافة إلى تكريمه من قبل الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى كرمته جامعة أم القرى في شهر ذي القعدة عام 1416هـ لنجاحه في وضع كلمات أوبريت عرائس المملكة) كما كرمته جمعية الثقافة والفنون بجدة في شهر شعبان عام 1420هـ لعطاءاته المتميزة في عالم الأغنية السعودية وفي أوائل السبعينات الميلادية منحته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي جائزتها لأفضل أغنية ظهرت في تلك الأيام وكانت بعنوان أشقر وشعره ذهب ... في حبه شفت العجب) وكرمه نادي مكة المكرمة الأدبي في عام 1437هـ وكرمه الأستاذ عبد المقصود خوجه رحمه الله تعالى في الإثنينية وفي عام 1433هـ حاز وسام الملك عبد العزيز آل سعود يرحمه الله من الدرجة الأولى ...
وتذكر مصادر أعلام مكة المكرمة أن الشاعر إبراهيم خفاجي ولد في عام 1345هـ في حي سوق الليل وعاش طفولته في جنبات شعاب مكة المكرمة وارتوى من تاريخها وجلس في حلقات الدرس والتحصيل بالمسجد الحرام وحفظت سجلات مدرسة الفلاح اسمه ضمن طلابها وفي العام الهجري 1364هـ تحصل على شهادة مأمور اللاسلكي التي أهلته للعمل والتنقل في مختلف جهات المملكة في تلك الأيام وبعد جولة في مدن المملكة عاد إلى مكة المكرمة حيث استقبلته الإذاعة السعودية في عام 1373هـ ليأخذ موقعه في قسم الاستماع بالإذاعة وما لبث أن انتقل إلى وزارة الصحة في قسم المحاسبة حيث أصبح رئيساً للقسم ثم وكيلاً للإدارة المالية وقاد طموحه للالتحاق بمعهد الإدارة العامة بالقاهرة ونال منه دبلوم إدارة الأعمال والإدارة المالية وبذلك أصبح مديراً للإدارة المالية بوزارة الزراعة لشؤون المياه بالرياض وكانت مكة المكرمة تعيش في وجدانه فعاد
إليها بوظيفة المفتش المركزي لوزارة الزراعة والمياه بالمنطقة الغربية ... وفي العام الهجري 1389هـ ألقى أبو شاكر عصا الترحال يطلبه التقاعد المبكر بعد خدمة استمرت خمسة وعشرين عاماً ...
هذا ملخص مساره الوظيفي أما مسار الشعر وشؤونه فقد ظهرت موهبته الشعرية في وقت مبكر من حياته وكانت أولى أغانيه التي تألقت وأثبتت جدارته الشعرية الغنائية أغنية ياناعس الجفن التي لحنها وتغنى بها الموسيقار طارق عبد الحكيم رحمه الله تعالى في عام 1364هـ، ثم أخذها الفنان محمد عبده وجدد في لحنها وتغنى بها ... كما تغنى بالعديد من أغانيه وكذلك الفنان طلال مداح رحمه الله تعالى
والفنان عبادي الجوهر وغيرهم ...
كما تغنى الكثير من الفنانين على مستوى الخليج والعالم العربي بأغانيه وتذكر مصادر الفن أن أوبريت عرايس المملكة هو آخر إنتاج فني له واشترك فيه الفنانون طلال مداح وعبد المجيد عبد الله وراشد الماجد
وأخيراً وفي عام 1439هـ مرض مرضاً الزمه الفراش ونقل على إثره إلى مدينة الملك عبد الله الطبية بمكة المكرمة ووافاه الأجل المحتوم يوم الجمعة السادس من شهر ربيع الأول عام 1439هـ عن عمر ناهز 91 عاماً وتمت الصلاة عليه بالمسجد الحرام بعد صلاة الجمعة من ذلك اليوم رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته .






