الدكتور إبراهيم بن محمد الزيد
محمد بن صالح البليهشي

تشرفت بمعرفة هذا الرمز الدكتور إبراهيم بن محمد الزيد رحمه الله تعالى في أواخر عام 1407هـ يوم أن كان وكيلاً لإمارة الباحة وكان حينها مشرفاً ومديراً لبرنامج التنشيط السياحي بالمنطقة، وتلقينا في النادي الأدبي بالمدينة المنورة في عهد رئيسه السابق الأستاذ الشاعر محمد هاشم رشيد رحمه الله تعالى دعوة للمشاركة في ذلك البرنامج الذي أعد له الدكتور الزيد ودعا العديد من الشعراء والأدباء والمثقفين من مختلف أنحاء المملكة وشرفت بمقابلة ذلك الرجل وحفاوته عندما أتيتُ إلى الباحة برفقة وفد النادي الأدبي بطيبة الطيبة، وقد حظينا يومها بحفاوته ومعاونيه واستمتعنا بأمسيات شعرية ولقاءات أدبية في أجواء عاطرة ماطرة ربيعية من شعراء عدة في مقدمتهم رئيسنا الشاعر محمد هاشم رشيد وآخرين وكان الدكتور الزيد دائم الابتسامة والحب والتقدير والحفاوة التي قابلنا بها وأكرمنا أيما إكرام وأحسسنا ليلتها بما يحمله قلبه ونفسه من حب للمدينة وللقادمين منها.
وأسمعنا العديد من قصائده من دواوينه الشعرية التي كانت بين يديه في مختلف اللقاءات والأمسيات منها: (أغنية الشمس وجراح الليل والمحراب المهجور وأهدانا نسخاً من بعض كتبه المنتخب في ذكر أنساب العرب) و بهجة المهج في بعض فضائل الطائف ووج) و (قراءات في شعر الشيخ سليمان بن سحمان) وتاريخ الشيخ محمد بن علي المنصوري) و(تاريخ التعليم العالي في المملكة وغيرها.
لقد كان لتلك الزيارة آثار باقية في نفوسنا جميعاً وكان لشخصية الدكتور الزيد بابتسامته وحبه وتقديره ما رسم في نفوسنا عن ذلك الرجل الذي التحف بالوقار وتدثر بحسن الخلق والوعي والنظرة الثاقبة والحفاوة البالغة، وقد أرسلنا له بعد وصولنا إلى المدينة مجموعة من كتب النادي الأدبي التي لاقت منه كل شكر وامتنان، وبعد ثمان سنوات وأنا أتابع نشاط ذلك الأديب الشاعر وعراب التاريخ قرأت له في مجلة عالم الكتب بالمجلد الخامس عشر في العدد الثالث لشهري ذي القعدة وذي الحجة لعام 1414هـ دراسة قيمة عن الأمير عبد العزيز بن إبراهيم آل إبراهيم استعرض فيها بأسلوبه المميز ودراساته العميقة الموثقة جوانب من حياة وشخصية ذلك الرجل ومنبته وقبيلته وحياته بصفة عامة وإماراته في أبها ثم الطائف ثم في المدينة المنورة وما قام به من أعمال مميزة وما اتصف به من صفات جعلت منه رحمه الله تعالى رجلا يذكره التاريخ بشيء من الإعجاب والوفاء ويكون مجالاً خصباً للدراسة والبحث والاستقصاء. وقد وفق أبو محمد) وهو يُعضد دراسته عن الأمير عبد العزيز بن إبراهيم أحد رجال الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى الذين وثق بهم وعرف إخلاصهم وصدقهم ونبل انتمائهم منذ اليوم الأول الذي قابل فيه الملك عبد العزيز وهو يمثل جانب التوطيد والإصلاح بين الملك عبد العزيز وابن رشيد في حصار حائل، وفق الأديب والكاتب والشاعر والإداري الدكتور إبراهيم الزيد وهو يعضد دراساته بالتوثيق في ذلك البحث القيم ببعض رسائل وخطابات ذلك الأمير) عندما كان في إمارة الطائف إلى بعض شيوخ القبائل في تلك النواحي وما تحمله من أوامر وتعليمات وتحذيرات لبسط رداء الأمن وإيصال أوامر القائد العبقري عبد العزيز آل سعود إلى كل ذي
لب وعقل لاستقرار الإنسان والمكان في كل جهات الدولة الناشئة. لقد أعجبت ببحث الدكتور الزيد وما كتبه عن ابن إبراهيم بذلك الاستقصاء والعمق لأنني في ذلك الوقت كنت أتابع وأبحث عن كل ما يتصل بالمدينة المنورة وهي تدخل في مظلة الملك عبد العزيز في العام الهجري 1344هـ تمهيداً لكتاب أعددته فيما بعد عن حقبة المدينة المنورة في عهد الملك عبد العزيز ومن بين ما يجب ذكره والبحث فيه لذلك الكتاب شخصية (الأمير) عبد العزيز بن إبراهيم آل إبراهيم الذي استقر به
المقام بعد الطائف ليكون وكيلاً لإمارة المدينة المنورة.
وقد أرسلت للدكتور الزيد رحمه الله تعالى رسالة أبدي له فرحي ببحثه ذاك، وكتبت تلك الرسالة ضمن حلقات أرسائل لم يحملها البريد في ملحق الأربعاء بجريدة المدينة المنورة الصادرة في يوم الأربعاء 9 ربيع
الآخر عام 1415هـ، ذكرت له مدى إعجابي وفرحي ببحثه التاريخي وما تضمنه من فوائد عديدة من بينها إضافة إلى إبراز شخصية هذة من شخصيات رجال الملك عبد العزيز وفتح الطريق وإزالة غموض في التعارف واللقاء بين فرع وأصل لقبيلة من القبائل من خلال ما تضمنته إحدى رسائل ابن إبراهيم إلى أحد شيوخ القبائل في جنوب الطائف والتقاء الفرع بالأصل في مشاهد تاريخية موثقة من كلا الجانبين.
وقد شرفني رحمه الله تعالى في نفس الشهر بخطاب أرفق صورته قد احتفظت به معتزا بتلك القامة الأدبية والتاريخية التي أثرت في التراث والتاريخ والأدب وحفرت اسمها في أعماق التاريخ بأعمالها الثقافية المميزة المفيدة ذلكم هو الدكتور إبراهيم بن محمد الزيد الذي رأيت وأنا استعرض (رموزاً) هذه الأيام بقيت في ذاكرتي وأسجل لها بعض ما تستحق أن أبا محمد يحتل مركز الصدارة ثقافة وعلماً وتاريخاً وشعراً وإشادة وفخراً وتذكيراً وترحما.
وبقي بعد هذا القول بأن الرمز... العلم الأستاذ الدكتور إبراهيم بن محمد
الزيد من مواليد بلدة (مرات) عام 1357هـ ودرس في مدارس مكة المكرمة ودار التوحيد بالطائف ونال البكالوريوس من جامعة أم القرى والماجستير والدكتوراه من جامعة أكسترا في بريطانيا) ووجدت أقدامه طريقها مشرفا المدارس الثقافة الشعبية بالطائف ورئيساً لرعاية الشباب ومفتشاً إدارياً بها وسجلت أعماله رئيسا لديوان إمارة منطقة عسير، ثم صدرت الأوامر ليكون وكيلاً لإمارة الباحة في عهد أميرها الشيخ إبراهيم العبد العزيز آل إبراهيم والإنابة عنه في غيابه مع قيامه عن رئيس اللجنة العليا لتنمية وتطوير المنطقة التي ترك بها بصمات حضارية مميزة ولا يزال العاملون معه والمجتمع الذي عاصر الدكتور في تلك الفترة يذكره بطيب الذكر وحميد السجايا وفي العام الهجري 1409هـ عاد مرة أخرى لجامعة الملك عبد العزيز أستاذاً للتاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ولتعلقه
بالثقافة والأدب كان الدكتور إبراهيم الزيد أحد مؤسسي نادي الطائف الأدبي وأحد منسوبي نادي جدة الثقافي ونادي مكة الأدبي وله صوته المميز في عالم الثقافة والبحث العلمي والتحقيق وله مشاركات في الكتابة في مختلف الشؤون الحياتية بالصحف والمجلات في داخل المملكة وخارجها وتذكر مجلة المنهل وجريدة المدينة والبلاد تلك الخطوات المبكرة التي شارك بها وهو لا يزال في المرحلة المتوسطة ويوم أن أُنشئ نادي دار التوحيد بالطائف كانت له مشاركات مميزة وكان من بين الطلاب البارزين في الثقافة والأدب وكان لصوته وهو يلقي قصيدة في صالة دار التوحيد أثرها بين مدرسيه وزملائه وكان مطلعها :
هذي يميني .. فهات اليوم يمناك
عهد عليك ان توفي بوعداك
والعهد دين على الأحرار كلهم .... لا تخلفي العهد يا حسناء إياك
وعندما أتم قصيدته في ذلك الحفل قام أستاذه الشاعر مصطفى عليوة بحماس وفرح قائلا: ماكنت أظن أن الشعر العربي لايزال حيا في جزيرة
العرب حتى استمعت إلى قصيدة ابننا إبراهيم الزيد ... وجلس .. من تلك الأيام كان نبوغ أبو محمد مثقفاً شاعراً أديباً رجلاً بعقله وسلوكه وذائقته الشعرية ولغته العربية الأصيلة، وعند نضجه الثقافي برزت لنا دواوينه الشعرية وكتبه الأدبية والتاريخية وبحوثه وتحقيقاته.
وفي مساء الثلاثاء 6 ربيع الثاني عام 1438هـ غادر دنيانا الفانية ذلك الرمز) الكبير إلى دار البقاء والخلود وصلى عليه جموع المسلمين في المسجد الحرام ووري جثمانه في مقبرة شهداء الحرم بمكة المكرمة.
نسأل الله تعالى له الرحمة والغفران ودخول الجنة في مقعد صدق عند مليك مقتدر






