إبراهيم بن حسن إسكوبي

محمد بن صالح البليهشي

إبراهيم بن حسن إسكوبي شاعر الحجاز في القرن الثالث عشر
إبراهيم بن حسن إسكوبي شاعر الحجاز في القرن الثالث عشر

شاعر من شعراء المدينة المنورة وعالم من علمائها الأفذاذ في أواخر القرن الثالث عشر وبدايات القرن الرابع عشر الهجري ...

إنه الشيخ إبراهيم بن حسن بن حسين بن رجب الإسكوبي كان والده الشيخ حسن من مواليد المدينة المنورة عام ١٢٣٧هـ .. وتلقى تعليمه في كتاتيب المسجد النبوي الشريف وأكب على العلم حتى صار أحد أئمة وخطباء المسجد النبوي الشريف وأحد المدرسين بهذا المسجد العظيم وكان عالما عبقريا وتعلم علم الفلك وحركات الشمس والكواكب إلى جانب إتقانه للعربية وعلومها والأحاديث والفقه والتفسير وكانت خطبته بالمسجد النبوي الشريف مميزة يعرف كيف يخاطب الناس على مختلف ثقافاتهم وعندما توفي رحمه الله
عام ١٣٠٣هـ كان ابنه إبراهيم قد شب عن الطوق واحتل مكانة والده في الإمامة والخطابة وعلم اللغة العربية حيث اهتم به والده وعرف قدرته على الاستيعاب ولمح في مخيلته معالم النجابة وحفظ القرآن في سن مبكرة وواصل تحصيله على يد الأشياخ حبيب الرحمن الهندي وعبد الجليل برادة وغيرهما من العلماء وإلى جانب علوم الفقه والتفسير والحديث والمنطق وعلم الأدب كان يجيد الفارسية والتركية والأوردية إلى جانب اللغة العربية ولهذا لابد أن يكون لديه ملكة وذكاء فطري لكي يتقن كل هذا بل ويعتلي منبر المسجد النبوي الشريف خطيبا مفوها ومصلحا اجتماعيا لمجتمع المدينة ... وفوق كل ذلك شاعراً مجيداً من طراز معين وكاتبات الشاعريته أمام معلميه وأشياخه أقام له والده يرحمه الله حفلة كبيرة يوم أن دخل المحراب النبوي إماما نائبا عن والده ومكملا مسيرة الوالد في هذا الشرف ودعا لتلك الحفلة عددا من الأكابر والوجهاء والأشياخ في المسجد النبوي الشريف وليلتها بعد كلمات الثناء والترحيب ارتجل الابن إبراهيم الإسكوبي أمام والده ومعلميه حبيب الرحمن الهندي وعبد الجليل برادة وغيرهم ارتجل قصيدة له شاكرا نعم الله عليه ومفتخرا بهذا الشرف الكبير ومشيدا بجهود مشايخه طالبا منهم تشجيعه على إنجازه وشاعريته قال:

الا نعم الحياة حياة عز
بطابة كونها البلد الرغيدا
لقينا في حماها كل خير
أمان الله والجار الحميدا
درجنا حول منيرها المفدى
وبلغنا بروضتها سعودا
وكان حداتنا أنواء علم
قطعنا إثر موكبهم نجودا
عرفناهم لنا أباء خير
فأبررنا الأبوة والجدودا
أخذنا العلم عنهم مستفيضا
ورقينا بهم نهجا بعيدا
إلى أن أوردونا بعد جهد
إلى محراب قدوتنا ورودا
أقول لشيخنا القاري (حبيب)
سليل المصطفى: تلت الخلودا
تسمع يا إمام العلم شعري
وباركه ارتجازا أو قصيدا
فقد علمتني نظم القوافي
ولقد لقنتني العلم السديدا
وحيا الله بالإحسان شيخا
أبوته استوت ظلا مديدا
وبارك عمره، واحفظه فينا
يعيش حياته أبدا سعيدا
تقبل يا إلهي مادعونا
ونولنا بمنتك المزيدا
وعام دخولنا المحراب ارخ
به عدد لنا الشرف المزيدا

وعندما ارتحل إلى مكة المكرمة نال حظوة كبيرة لدى حاكمها في ذلك الوقت الشريف عون الرفيق وصار شاعره وجليسه واستمر معه مستشارا مثقفا ورجل دولة يقدر الأمور بدراية وحنكة وبعد نظر.

وبعد الشريف عون الرفيق اتخذه الشريف علي بن عبدالله بن عبدالمعين عام ۱۳۲۳ هـ مرافقا له وشاعرا لبلاطه وتألقت شاعرية الإسكوبي في فترة لقائه بأشراف مكة وقد أحبوه وقربوه وصار يسافر إلى سوريا ومصر على حسابهم لطلب العلم أو للاستشفاء وهو في كل ذلك مقابل إحسانهم قد سجل كل الأحداث التي جرت في تلك الفترة شعرا وإلى جانب الشعر الذي تميز به كانت له مؤلفات
منها:
الفتوحات الإسلامية مجلدان والجداول المرضية في تاريخ الدولة الإسلامية) و (خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام) و (الفتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين وأهل البيت الطاهرين).

وللأسكوبي ديوان شعر طبع حديثا حققه وقدم له الدكتور محمد العيد الخطراوي ضم أكثر من ١٢٠ ما بين قصيدة ومقطوعة ويقول د. الخطراوي: بأن الأسكوبي لا يستطيع أحد من دارسي الحركة الشعرية في الحجاز بل في جزيرة العرب كلها إلا أن يضعه في إطار عصر البعث العربي في العصر الحديث ....

وعده الأستاذ العامودي: أعلى رأس شعرائنا الحجازيين في أواخر
العصر العثماني ....

ويقول الأستاذ عبد الرحيم أبو بكر رحمه الله تعالى في حديثه عن قصيدته أيا آل عثمان التي سجن من أجلها في مقر الخلافة العثمانية: ومهما يكن من أمر النقاش في مستوى هذه القصيدة من الناحية الفنية فإن الأسكوبي كان فيها ملتزما بموقف معين في إطار ثقافته وانتمائه إلى أن يقول: أوكان الاسكوبي لذلك يمثل بحق مرحلة انتقال بين شعر أواخر العهد العثماني وشعر جيل النهضة في الحجاز ....

وأقول هنا بأن الأسكوبي شاعر سبق عصره في ديار الحجاز في الوقت الذي عاش فيه ولو لم تكن له قصيدة سوى قصيدته ايا آل عثمان التي ملأت الدنيا في ذلك العصر وشغلت الناس لكفاه ذلك لأنها أول قصيدة سياسية في الشعر الحجازي في وقتها وهي
صيحة إرشاد وتوجيه وتنبيه لأن العصر الذي عاش فيه الأسكوبي في الحجاز في وقته كان متخلفا في ناحية الفكر والبيان في حين أن مصر والعراق والشام كان للفكر فيها أصوات وأصوات كشوقي وحافظ إبراهيم والرصافي وغيرهم ولكن صوت الأسكوبي خرج من هنا من المدينة المنورة وحيدا ينذر ويناشد بقصيدة مدوية نظمها أثناء هجوم إيطاليا على طرابلس الغرب قبل الحرب العالمية الأولى ولأن صوت الأسكوبي المخلص الشاعر العبقري كان مدويا في صقع من أصقاع الدولة العثمانية تعرف عنه التخلف الفكري وهو غريب أن يعلو من هذه الديار فجرى ترحيله إلى الاستانة) وموته بسبب هذه القصيدة التي تحث على اليقظة واستخلاص أحداث التاريخ وأسباب الوهن الذي صار لتلك الدولة .....

وهكذا تعتبر قصيدته يا آل عثمان التي نظمها في ٧٦ بيتا من الشعر منذرا ومحذرا وصارحًا بأعلى صوته إخلاصا لأمته ومنبها للأخطار التي أحاطت بها هي التي قتلته غريبا عن بلاده في عام ١٣٣١هـ وكان عمره سبعة وستون عاما رحمه الله رحمة الأبرار وغفر له ...

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.