الشريف إبراهيم العياشي

محمد بن صالح البليهشي

الشريف إبراهيم العياشي رائد المآثر وخبير الآثار
الشريف إبراهيم العياشي رائد المآثر وخبير الآثار

رحم الله أستاذنا وشيخنا الجليل الشريف إبراهيم بن علي بن هاشم العياشي، ذلك الرجل المفضال صاحب الخلق الرفيع والنبرة الهادئة والصوت الرقيق المؤدب.

لقد مضى على وفاته يرحمه الله تعالى أربعة وأربعون عاماً ووجدت في نفسي وأنا أتصفح كتابه الثاني بعنوان (في رحاب الجهاد المقدس) غزوة بدر الكبرى يوم أمس وكأنني أرى صورته أمامي بأدبه وحسن أسلوبه ودماثة خلقه وتعامله الراقي الذي لا يفرق فيه بين الناس شيباً وشباناً من معارفه أو من غيرهم، وقد كان كتاب الشيخ الأول بعنوان المدينة بين الماضي والحاضر وقد طبع منه العديد من الطبعات ويمتاز بالواقعية في أسلوبه وسهولة طرحه حيث استطاع أن يعطي القارئ دراسة موثقة لمختلف الأماكن والمآثر التاريخية بالمدينة المنورة.

كان العياشي يسير على قدميه لكل أثر بالمدينة وما حولها على الرغم من صعوبة الطرق واندراس الكثير من المعالم وبعد مواقع بعضها، كما كان في بعض الأحيان يسير على الدواب حرصاً منه على تطبيق الاسم على المسمى وتحديد الموقع ببصيرته وعلمه ومعرفته ومقارناته وثقافته التي تشرب بها من أضواء وإشراقات مدينته الحبيبة التي أثر على نفسه وعلى مصاعبه إلا أن يقف على الأثر ويستنطقه وينشر على جنباته ما قيل فيه وما كتب عنه، وعندما رأى مدير التعليم الأسبق الأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله تعالى غرام الشريف بالمدينة ومآثرها وجدية بحثه وحبه لكل أثر فيها تم ترشيحه خبيراً للآثار وجعل تحت إمرته سيارة بسائقها تسهيلا لمهمته واختصاراً للوقت ومساعدة لهذا (المُنقِب) الكبير والخبير والمحب المدينة خير البرية عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان كتاب المدينة... بين الماضي والحاضر يعد مرجعاً مهماً من مراجع آثار المدينة المنورة التي يعتمد عليها ويوثق بها، لأن وصفه للأثر التاريخي عندما يقف عليه هو في واقعه وصف المشاهد الخبير المطلع المدعم بالأدلة والبراهين مع ترجيحه يرحمه الله لما يراه صواباً بالدليل والحجة، وقد أحسست وأنا أتصفح كتابه في رحاب الجهاد المقدس الذي توفي قبل أن يراه مطبوعاً أن الشيخ كان ينوي أن يكون هذا عنواناً عاماً يستعرض تحته مختلف المواقف والمعارك الإسلامية وقد بدأها باستعراض غزوة بدر الكبرى ولذلك قال في مقدمته بتواضع كبير القد جاوزت قدري على ما أقدمت عليه في رحاب الجهاد المقدس وقد سبقني علماء أجلاء (سموا في هذا الجهد وخاضوا مع ماضي الزمن نحو بحثه وفازوا بدرره الثمينة، فإن كنت قد بذلت قصارى جهدي في البلد المحبوب على ساكنه أفضل الصلاة والسلام في كتيب بعنوان المدينة بين الماضي والحاضر حاولت فيه جمع ما اشتملت عليه البلدة الطاهرة من مناطق سكنية وغير سكنية داخل حدود حماها، فإن الهدف من كل ذلك إفادة المطلع حيث مضى بين وقت المغازي وأيامنا هذه أربعة عشر قرناً هجرية في خلالها اندرست معالم وأماكن وجد غيرها وتبدلت الأسماء وفني العارفون ووجدت حلقات مفقودة ...

وأقول هنا من هذا المفهوم صار مؤرخنا وباحثنا وأستاذ الجيل في استنطاق الآثار يبحر في السيرة النبوية والمغازي وقدم لنا رحمه الله خارطة الحجرة النبوية الشريفة عام 1374هـ وكتاب المدينة سنة 1392هـ وكتاب مبضع الجراح سنة 1401هـ وغزوة بدر الكبرى سنة 1401هـ وخارطة المدينة المنورة ووعد بكتاب عن غزوة أحد وآخر عن غزوة الخندق وغزوة تبوك وثالث عن الهجرة النبوية ورابع بعنوان فصول من حياة السيدة عائشة رضي الله عنها، إلا أن هذه التي وعد بها لم تر النور حيث عاجلته المنية قبل ظهورها.

والشيخ إبراهيم العياشي من مواليد المدينة المنورة، في العام الهجري 1329هـ وعاش طفولته بهذه المدينة المقدسة وتلقى تعليمه في كتاتيبها ثم في حلقات العلم بالمسجد النبوي الشريف، وقد تميز منذ صغره بحبه للقراءة والاطلاع والدراسة الذاتية في شتى فنون الثقافة وخاصة في تاريخ المدينة المنورة ومآثرها وجغرافيتها ومع بدايات دخول المدينة المنورة تحت مظلة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يرحمه الله كان الشريف العياشي أحد أعمدة شرطة المدينة المنورة كاتباً ومحرراً وفي عام 1369هـ انتقل إلى ينبع البحر ليعمل مندوباً للتعليم فيها ثم أسندت إليه إدارة بعض مدارس ينبع، وفي عام 1376هـ عاد إلى المدينة المنورة وصار مديراً للمدرسة الفيصلية، وفي آخر المطاف ورغبة في تحقيق طموحه وبحوثه عين خبيراً لآثار منطقة المدينة المنورة وبقي في هذا العمل إلى عام 1389هـ حيث تقاعد، ولكن المسؤولين في وزارة المعارف حينها رأوا الاستفادة من خبرات هذا (العلم الشريف إلى سنة 1392هـ حيث وقت تقاعده فقدم طلباً بذلك وتمت الموافقة عليه، وكانت برامجه في التلفزيون والإذاعة من البرامج المحببة للناس لأنه يتكلم أثناء محاضراته وندواته بأسلوب بسيط محبب للنفوس وقريب من أفهام وأذواق جميع فئات المجتمع فإذا تكلم في أي ندوة أو محاضرة بالنادي الأدبي أو بالإذاعة أو التلفزيون رأيت الحب الصادق من ذلك العلامة والحديث الشيق الذي تحس من خلاله أنه يدخل إلى الأعماق وأنه يتحدث مع الأثر بكل أمجاده وتاريخه ومكوناته وقد استضافه التلفزيون المصري في العديد من الحلقات متحدثاً عن المدينة وآثارها ومكونات مجتمعها في عهد المصطفى وعهد الخلافة الراشدة وقد سرت معه في إحدى جولاته برفقة بعض الزملاء من المهتمين بتاريخ وآثار المدينة المنورة في أواخر التسعينات الهجرية فوجدنا هذا الشريف العياشي وهو يسير على قدميه يستشعر مواطئ قدمه ويقف على الأثر ويتحدث معه كأنه يسمعه ويذكر ما اتصل بذلك الأثر من السيرة النبوية ومن مواقف المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين، وينسى متاعبه وآلامه مع كبر سنه في ذلك الوقت وهو يذكر إشراقات النبوة تشع من كل شبر في هذه المدينة المنورة. وقد اندهش منه جميع المرافقين في تلك الأمسية التي كتب لنا التشرف بالسير معه ومنهم من قدموا من خارج المملكة وهو يقدم رجلا ويتبعها بالأخرى منذ البداية وهو يقول: هنا وقف المصطفى وهنا شرب من هذه البئر وهنا بشر أصحابه ومن هناك سارت السرية الفلانية ومن ذلك الطريق خرج أصحاب الغزوة كذا، ويؤكد ذلك وأنت تتابعه يرحمه الله تعالى تحس أن كل شبر في مدينة المختار له وقفة مع التاريخ ويحمل أثراً وذكرى لصحابة المصطفى يعرفها ويحدثك بفضلها بكل أدب وإجلال واحترام.

رحم الله ذلك الرجل نظيف القلب غزير العلم المحب لطيبة الطيبة وما حولها من مواقع، وغادر إلى دار البقاء والخلود في شهر ربيع الأول من عام 1400هـ وصلي عليه في المسجد النبوي الشريف ودفن في بقيع الغرقد رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح الجنان.

المدينة
بين الماضي والحاضر
بكبرة
تأليف إبراهيم بن علي العناني
مكتبة الثقافة
باشی
إلى 141هـ / 1981م.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.