الشيخ حسين بن مبيريك الغانمي
محمد بن صالح البليهشي

توفي الشيخ مبيريك بن حمدي بن حميد بن حماد الغانمي الزبيدي الحربي عام 1292هـ وبقي في مشيخة رابع وأمارتها 36 عاماً وخلفه في الشيخة ابنه عرابي بن مبيريك واستمر في المشيخة 26 عاماً وتوفي في عام 1318هـ، وكان عرابي هذا متواضعاً زاهداً وحرص على تحفيظ أبنائه القرآن الكريم وقام برعاية أبنائه وإخوته ولمح في أخيه حسين بن مبيريك النجابة والفطنة والذكاء وسرعة البديهة ولذلك جعل منه المندوب الدائم بينه وبين الوالي العسكري العثماني في المدينة المنورة ويتردد الشيخ حسين بن مبيريك بين رابع والمدينة وأشراف مكة صارت لديه خبرة ودراية ومعرفة لدى الولاة والأشراف ويوم أن توفي الشيخ عرابي استقر رأي أبناء الشيخ مبيريك على ترشيح الأخ الأكبر لهم وهو مبارك بن مبيريك وشكلوا وفداً من إخوانه وكبار جماعته للقدوم على الوالي التركي ليصادق على الترشيح وعند دخولهم في الديوان بادر الوالي بالسؤال عن الشيخ عرابي وصحته فأخبره الشيخ حسين بوفاته وأراد أن يوضح للوالي سبب مجينهم إليه وقبل أن يتكلم الشيخ حسين بادره الوالي بالعزاء له ولإخوته وأردف بقوله: أنت ... مكانه يقصد الشيخ حسين وأراد الشيخ حسين التوضيح ولكن اخاه الأكبر مبارك خلع عقاله المقصب) والبسه رأس أخيه حسين وأقسم أن يكون الشيخ البديل هو ( حسين بن مبيريك ) متنازلاً له وسط دهشة وإعجاب الوفد المرافق والحاضرين وبذلك تحمل الشيخ حسين أمانة الشيخة وعاد إلى رابع بلقب أمير رابع وشيخ قبيلة زبيد الحربية ..
ولم يمض وقت طويل حتى برزت مواهب الشيخ حسين وقوته وحسن إدارته الشؤون رابع وشؤون القبيلة ورأت الدولة العثمانية من نجابة وذكاء وشخصية هذا الرمز الكبير أنه من الدراية والحرص والإخلاص وبعد النظر والثقافة بمكان يستحق النجلة والأخبار وأطلقت عليه بريطانيا لقب (شيخ المشائخ | وكذلك اطلقت عليه الدولة العلية لقب الأمير الأمراء (بفرمان من قبل حضرة السلطان...
وكذلك أشاد به وبإدارته وقوته مندوبو بريطانيا وفرنسا وغيرها وبلغ من قوته في يوم من الأيام أن قام بطرد المحافظ التركي من رابع لخلاف بينهما ولم تعين القيادة التركية بدلا من المحافظ المطرود من رابع تقديراً لهذا الرجل الكبير الذي أدار محافظة رابع وقاد قبيلتها بحنكة وسياسة ثالث رضا قبائل المنطقة والمسؤولين في ذلك الزمن ولمس المواطنون مدى حبه لهم وسعيه لكل ما ينفعهم وييسر لهم طريق العيش والاستفادة من إمكانيات أراضيهم وسعى إلى تنمية الروابط بين قبائل المنطقة .
وفي عام 1329ه رغب الشيخ حسين في أداء العمرة ومشى وفده وسط تقدير وترحاب كل قبيلة يمر بها وكانت حيله مميزة وعند عودته من العمرة ووصوله إلى جدة مرض مرضاً تعذر معه ركوب الخيل فرأى مرافقوه أن يركب البحر إلى رابع وعلمت جموع قبيلته بذلك فاقاموا له سرادقا على ساحل البحر وأقيمت العرضات لاستقباله ومما حفظه التاريخ لتلك الحفاوة ما تناقلته الأجيال في العرضة الحجازية قول الشاعر مبارك الصرف من شعراء رابع في شيخهم حسين بن مبيريك :
يا الله تخلف ظنهم وتفوز للي .... موفي حقوق الله والمخلف عنود
حليت في الصبيان أخلي ويش أخلي ... ما شفت أنا حلياك بالعد الركود
وكانت ليلة مشهودة على أنغام الزير وأصوات بنادق البارود ... وبقيت هذه الأبيات إلى اليوم عرضة ترددها انغام المناسبات السعيدة في حجاز ما بين الحرمين الشريفين ...
وللشيخ حسين موقع مميز في وقته لدى قبائل حرب كما أن الأشراف في الحجاز يقدرونه ويستعينون به في كثير من الخلافات القبلية وأمان قوافل الحجاج السائرة غير فجاح وأودية الفرع ورابع إلى جدة والمدينة لما له من مكانة وتقدير لدى شيوخ القبائل في تلك المناطق ....
وعندما قامت الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف الحسين بن علي في التاسع من شعبان عام 1334هـ كان للشيخ حسين بن مبيريك رأي يخالف الشريف في ثورته إذ لم يؤيد اتجاهه هذا بالرغم من محاولات الشريف العديدة لاستمالة الشيخ حسين للمشاركة في تورته وإعطائه مناصب قياديه فيها لكنه رفض لمعرفته واعتقاده بأن مبعث الثورة هم النصارى في بريطانيا وفرنسا وغيرها ورأى أن هذا احتلال جديد للأمة العربية. ولن يصدق الساسة الغربيون في وعودهم للشريف خاصة وأن المخطط للثورة ومستشارها الورنس العرب الجاسوس الأنجليزي وأبرز مستشاري الشريف حسين فوقف الشيخ حسين بن مبيريك معارضاً واتخذ موقفاً سلبياً من نصرة الشريف في هذا الاتجاه حتى أورد الورنس العرب) في كتابة أعمدة الحكم السبعة) أن حسين بن. مبيريك كان شوكة في خاصرة الثورة العربية .
يعدم مشاركته فيها .. انتهى ) ولكن قبائل حرب في الحجاز شاركت في الثورة .
على الدولة العثمانية وشهدت جنبات وأودية المدينة وما حولها وسواحل البحر الأحمر الكثير من المعارك الشرسة وكان ميناء رابع منفذاً رئيسياً لإرسال الإمدادات إلى ثورة الشريف من قبل الإنجليز رغم المعارضة والتباطؤ والتعطيل الذي حاول الشيخ حسين فرضه على الميناء وأحس بناء على موقفه ومعارضته أن بقاءه في رابع سوف يعرضه للخطر في وقت ليست لديه القوة المحاربة الإنجليز ودولة الشريف وتلقى دعوة من الشيخ ابن جزاء لاستضافته في (الفقرة) وفي محصنة منيعة كما تلقى دعوة من الشيخ محمد بن حضيض شيخ قبائل بني يزيد في حجر فغادر رابع بأسرته وبعض ممتلكاته إلى وادي حجر الواقع شرق رابع وبقي هناك متحصناً بقبائل زبيد وبني يزيد وبني أسلم وزبالة مدة سنتين هي أعوام 1334 و 1335 للهجرة كما أفادني بذلك الشيخ حضاض بن حصيص شيخ قبائل بني يزيد
وعند زيارتي لوادي حجر أطلعني الشيخ حضاض على الموقع الذي حل به الشيخ حسين بن مبيريك أثناء إقامته في حجر بقلعة ابن حضيض بالزويراء معززاً مكرماً يتمتع بكامل سلطاته وشموخه وتقديره ....
وكانت قبائل حرب في مسيره من رابع إلى حجر تقيم له العرضات في كل مكان يحل به ومما قوبل به من حفاوة وترحيب قولهم في عرضة مميزة جرت أمامه كواحدة من المناسبات
سلام باشيخ له التكميل ساير
شيخ يعرف الفكر وادراج النصاير
حنا حماة الشيخ نيا جات الحشاير
على رضا الراضين والضايق يضيق
جينا على راية شيوخ ماتخاير
بأولاد عسم اللي يصوتون التوابر
بمسليات جوفها البارود تاير
تكسر عمود القوم وتعز الرفيق
وأمام تحصين الشيخ حسين في وادي حجر وما أحاط به من قبائل وحماية رأى الشريف استدراجه بحيلة ليقدم عليه في مكة فأرسل له رسالة عهد وأمان وضعها داخل مصحف لكي يثق ويصدق خاصة بعد أن هدأت الأمور وصار الشريف هو الحاكم في الحجاز فوثق الشيخ حسين بهذه المواثيق وهو الرجل (المتدين) المحب لمكة والراغب في أداء العمرة ... وقد نصحه بعض العارفين ممن حوله أمثال الشيخ محمد بن حضيض والشيخ اسماعيل بن مبيريك وغيرهم ولكنه عزم على ذلك .. وقد روى لي خير الرسالة وشؤونها ومسير الشيخ حسين إلى رابع ثم إلى مكة الشيخ مبارك بن سليمان الغانمي يرحمه الله تعالى شيخ قبائله في مستورة قبل ثلاثين عاما وهو من الذين عاصروا أحداث الثورة وما تلاها من أحداث في تلك الحقبة...
وصل الشيخ حسين بن مبيريك إلى مكة ومعه عدد من مرافقيه وقوبلوا بترحاب وتكريم واحترام وضيافة مميزة من قبل الشريف وحاشيته وبعد قضي أيام للزيارة أمر الشيخ حسين مرافقيه بالمغادرة وبقي هو واحد عبيده رغبة في الصلاة بالحرم رغم معارضة كبار مستشاريه بعدم البقاء ولكنه أصر على ذلك كما قال الشيخ مبارك يرحمه الله .. وتم قتله (غيلة) بعد سفر مرافقيه وهو ذاهب الصلاة الفجر في اليوم التالي بتدبير وإصرار من الشريف حسين حاكم الحجاز في ذلك الوقت انتقاماً لمواقفه ومعارضاته السابقة ...
لم يثق الشيخ إسماعيل بن مبيريك برسالة الشريف إلى الشيخ حسين فسار بخاصته وأعيان قبيلته في وقد للشريف المحاولة انتزاع ما ينفسه عن الشيخ حسين خاصة وهو العارف بما يكنه الشريف لأخيه .
وبالقرب من مكة في الجموم قيم الشيخ إسماعيل وفي الليل أتاه من أخبره بأن أخاه قد قتل فثارت ثائرة الجموع الذين معه وعزموا على العودة وتنفيذ خطة الهجوم للانتقام ولكنه يرحمه الله وهو ذلك الرمز العاقل المتزن قال قولته المشهورة إمامات من له اخ مثلي ) وأمر من معه بمواصلة المسير إلى الشريف كاظماً غيظه وقال له منذ أن قابله : البنك يا حسين أعزيك في حسين) خلافت مقولته ارتياحاً وبقي الشيخ إسماعيل بجانب الشريف هو ومن معه لقبول العزاء وتظاهر الشريف بالانتقام من الجناة وبعد العزاء غادر الشيخ إسماعيل إلى رابع وأحكم خططه للانتقام من قاتل أخيه منذ اليوم الأول لتوليه مشيخة رابع وقبائل زبيد في عام 1337هـ متسلحاً بالصبر والحلم والأناة التي عرف بها ورأى نتائج خططه المحكمة بعد حين وذلك في زوال ملك القاتل بالكلية . رحم الله الشيخ حسين بن مبيريك الغانمي ورحم أخاه الشيخ إسماعيل فقد كانا من رموز الفخر والاعتزاز والرجولة والشجاعة والبطولة والفداء وبارك الله في أسرة آل مبيريك الغانمي الحربي جميعهم هذه الأسرة المتجذرة في الأصالة والشموخ والإباء






