حسني العلي
محمد بن صالح البليهشي

حسني العلي أو حسني (بيك) كما كان يعرفه أهل المدينة المنورة أحد القادة العسكريين الذين بقوا في أذهان الناس عندما كان القائد التركي فخري باشا
حاكما للمدينة من قبل الدولة التركية ...
أتى إلى المدينة في أواخر أيام فخري باشا منتدبا من تركيا ليكون عضوا في المجلس العرفي الخاص بالعسكريين لمحاكمة الضباط والأفراد ....
كان حسني العلي من مواليد القدس وتدرج في دراسته حتى تخرج من الكلية الحربية في تركيا وبعد تخرجه وعمله بعض الوقت هناك وتلبية لرغبته في العمل بالمدينة المنورة تهيأت له فرصة الانتداب لتكون بذلك بداية الحياة عملية مليئة بجلائل الأعمال في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ..... كان حسني (بيك) محبا للمدينة معجبا بها يحرص كل الحرص على ملازمتها وعدم الخروج منها ولذلك بقى فيها عاشقا لترابها مطمئنا للصلاة في مسجدها العظيم وانتهت الدولة التركية وكذلك الفترة الشريفية وحسني العلي يتشبث بالبقاء ويمارس عمله عسكريا في فترة مضطربة مما اضطره إلى ترك المدينة والبقاء في الطائف في نهايات العهد الشريفي .....
ومع بدايات انضمام المدينة المنورة إلى مظلة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل يرحمه الله كمدينة من مدن دولته العظيمة شاهد أهل المدينة (حسني (بيك) رئيسا للقسم العدلي بها ثم مديرا لشرطتها وكانوا يعرفونه حق المعرفة بقامته الفارعة وجسمه المتناسق وقسماته الملينة بالحيوية والنشاط وصوته الجهوري وشخصيته المميزة كانوا يحترمونه حق الاحترام لإخلاصه وحبه للمدينة ومعرفته بأقدار الرجال .....
وتمضي به أيام العمل ضابطا مخلصا في عمله محبا للناس رائعا في تعامله معهم يهابه كل من يراه ويحبه كل من يتفاعل معه ولحصافة عقله وبعد نظره أحبه كذلك معالي الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم وكيل أمير المدينة المنورة في تلك الأيام واتخذه أحد مسئوليه ومستشاريه ونشأت بينهما علاقة وثيقة لاشتراكهما في حب المدينة والإخلاص في العمل والحرص على تسيير الأمور بحكمة وعقل واتزان ونتيجة لتلك المعرفة نجد أمير المدينة بالوكالة ابن إبراهيم يفرح بتأسيس مدرسة دار الأيتام في المدينة المنورة ويشجع مؤسسها الشيخ عبد الغني دادا يرحمه الله ويقف بجانبه لإيجاد هذه المدرسة في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ويرشح لإدارتها (حسني بيك) الذي تقاعد من عمله العسكري بعد رئاسته لشرطة جده بعد المدينة ويؤكد يومها الشيخ ابن إبراهيم لمؤسس المدرسة وكذلك المعتمد المعارف في المدينة السيد أحمد صنفر أن حسني العلي هو خير من يقوم بهذا العمل الجليل في إدارته والإشراف عليه .
وكانت الظروف التي واكبت افتتاح المدرسة وإحساس مؤسسها بوجودها في تلك الأيام عام ١٣٥٠ هـ في هذه المدينة الكريمة تتمثل في الجفاف الذي اجتاحالمناطق حول المدينة مما دفع أبناء البادية إلى النزوح إلى ماحول المدينة وخيم الفقر والبؤس على الناس وقامت الدولة بواجبها في ذلك الوقت من إيجاد مبرة الملك عبد العزيز في المدينة لمساعدتهم ورأي
مؤسس المدرسة الشيخ (الدادا) أن الأيتام لايد من المساهمة في رعايتهم وتعليمهم فسارع إلى طلب الإذن من الملك عبد العزيز في ذلك مصدر الأمر الملكي بالموافقة ومن هنا بدأت المدرسة باسم ( دار أيتام الحرمين الشريفين والصنائع الوطنية ...
ولضخامة مسئوليات المدرسة وأهمية تسييرها لتؤدي رسالتها على الوجه المطلوب في تلك الأيام رشح ابن إبراهيم حسني العلي لإدارتها كما ذكرت سابقا وكان ذلك الترشيح والاختيار قد وافق (هوى) في نفس ذلك الرجل الكبير فوافق على الفور ومن هنا بدأت مرحلة جديدة في حياته يرحمه الله .....
لقد فرح بهذه المهمة لأنها تتيح له الخدمة في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي أحبها كل الحب وتفتح أمامه أبواب عمل الخير في الإشراف والتوجيه والتربية لشباب صغار فقدوا آباءهم واحتاجوا لمن يضفي عليهم حلو
الأبوة وحنان التربية .....
وفي ربيع الأول من عام ١٣٥٢هـ تسلم عمله في رعاية الأيتام مديرا ومربيا وأبا لهم لمدة ثلاثين عاما امتدت من عام ١٣٥٢هـ حتى عام ١٣٨٢هـ ولم يفارق هذه المهمة حتى آخر لحظة من حياته يرحمه الله كان نظامه في المدرسة نظاما عسكريا وتربيته تربية رجولية وعطفه لايقف عند حد، وقد عرفه مجتمع المدينة بأنه الرجل التربوي المخلص المجاهر يقول الحق المعتمد على ام على إخلاصه
ونزاهته ونظافة يده ولسانه .....
وهو كذلك أبو الأيتام الذي أمضى في خدمتهم وتنشئتهم خلاصة فكره مخلصا عطوفا عربيا موجها لهم فاتحا أمامهم أفاق الحياة من أبوابها الواسعة .....
عرفه أبناء ذلك الجيل بأسلوبه المميز في التربية كل شيء عنده محدد كل نشاط في حدودة المرسومة الدراسة - اللعب - العمل في الصناعات الخفيفة التي جعل المدرسة الأيتام فيها نصيبا بجانب التربية والتعليم - المذاكرة في مواعيدها - النوم في وقته - كل شيء كان يسير في تلك المدرسة بنظام محدد لا يتأخر ولا يتقدم .....
عرفه أبناؤه في المدرسة بحزمه وقسوته وعطفه وحبه وصفاء قلبه عرفه مجتمع المدينة ببذله وحرصه على أن يكون المدرسة الأيتام كيان يذكر في طيبة الطيبة وأن يكون لها المبنى المستقل الذي يؤملها لتؤدي رسالتها التربوية
والتعليمية لأبنائها الذين وجدوا فيها عطف الوالدين وحنان المربين .
كانت جهوده كبيرة في بناء الجيل وبناء المكان الذي يأويهم وكانت أماله تمتد ليكون بجوار دار الأيتام دار أخرى لليتيمات لتوفير التعليم والرعاية والعطف والحنان ....
كان يرحمه الله يصوغ مجتمع المدرسة طلابا ومدرسين وإداريين صياغة واحده ويضرب المثل لهم بالمساواة والقدوة الحسنة في كل مناحي الحياة وفي كل نشاط أو مناسبة تتعلق بالمدرسة مدرسين وطلابا وعاملين ....
وهناك عشرات الأمثلة يذكرها طلابه في تلك الفترة الذين تربوا على يده وتربعوا في مختلف المواقع القيادية فيما بعد في هذه البلاد ....
وكان يضرب المثل أمام الطلاب بمدرسيهم في الالتزام والانضباط ويفرض على المدرسين مايراه أن يتخذ قدوة ومثلا أمام أبنائهم ومما يذكره بعض الأحياء من أبنائه بالمدرسة ذلك الموقف الذي حفر في الأذهان واستعصى على النسيان في مجتمع المدينة بأسرها يوم حل العيد في سنة من سنوات. الحرب العالمية الثانية ولم تسمح الموارد المالية للمدرسة إلا بشراء أردا أنواع الأقمشة (السليطي) أو (الدوت) فتم ارتداء الطلاب لملابسهم من هذا القماش الرديء وخرجوا الصلاة العيد وإذا بهم يفاجئون بجميع موظفي المدرسة وعلى رأسهم مديرهم الكبير حسني بيك يرتدون أثوابا من
نفس القماش .
إنه منظر مؤثر لم ينسه مجتمع المدينة في ذلك. الوقت عموماً ولم ينسه كذلك أبناء المدرسة الأحياء منهم إلى اليوم ......
وختاما نقول بأن أبو الأيتام حسني العلى طراز فريد من الرجال عاش عمره العملي نصفين في السلك العسكري نصفه ونصفه الآخر في التربية والتعليم وكان مثاليا في كل منهما .....
إنه طراز وحيد في الرجال وأسلوب فريد في التربية وقد ودع الدنيا في أواخر شهر صفر من عام ١٣٨٢هـ بعد أن رأى ثمار جهده رجالا يتربعون في أعلى المراتب رحمه الله رحمة واسعة .....






