حجاب بن محسن بن نحيت

محمد بن صالح البليهشي

حجاب بن محسن بن نحيت
حجاب بن محسن بن نحيت

ذكر المؤرخون وفد قبيلة مزينة الذي دخل المدينة في رجب في السنة الخامسة من الهجرة بأربعمائة رجل يتقدمهم النعمان بن مقرن المزني وإخوته العشرة ومعهم الشاة والبعير .. دخلوا المدينة بذلك العدد الملفت للنظر معلنين إسلامهم واستقبلهم نبي الهدى عليه الصلاة والسلام بترحاب وبشر وفرح وأكرمهم ويومها اهتزت مدينة المصطفى لقدومهم وفرحت قبائل الأنصار بهذا الجمع الكبير لهذه القبيلة العريقة وقال الرسول لهم بعد أن أكرمهم وحسن إسلامهم : ( أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم ) ، ولما رأى النبي أن النعمان بن مقرن بصحبته عشرة من إخوته وأربعمائة من قبيلته قال: (إن للإيمان بيوتاً وللنفاق بيوتاً وإن بيت بن مقرن من بيوت الإيمان ... وهذه شهادة بقيت للتاريخ، ومن يومها كان لمزينة القبيلة موقع في الدعوة المحمدية وبرز من مزينة صحابة وقادة كبار وتذكر بعض الروايات أن قبيلة مزينة دخلت مكة يوم الفتح مع رسول الله بألف فارس وكانت لهم رايات وقادة في الفتح الإسلامي في كل جهاته ومراحله، وتميزت مزينة بكثرة شعرائها في الجاهلية والإسلام وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعجب كثيراً بشعر زهير بن أبي شلمى وشعر ابنه كعب صاحب البردة والخنساء بنت زهير بن أبي سلمى المزني شعرها المميز الذي خلده التاريخ وكانت أرض العقيق مملوكة لبلال بن الحارث المزني حيث أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام من العقيق ما أصلح فيه معتملا وهذا نص صريح في العطاء والإكرام لبلال المزني وقبيلته.

ورمزنا اليوم أحد رجالات هذه القبيلة في النصف الأول من القرن الماضي. إنه الشيخ الفارس حجاب بن محسن بن شبيب بن فهد بن ميرك بن نحيت المزيني السالمي الحربي أحد مستشاري الملك عبد العزيز واحد حملة الألوية في معارك التوحيد
وعند إعداد هذه النبذة المختصرة عنه رحمه الله تعالى قرأت في كتاب
السراة الليل.. هتف الصباح للأستاذ المرحوم بإذن الله تعالى عبد العزيز بن
عبد المحسن التويجري الذي اختار فيه بعضاً من رسائل الملك عبد العزيز
يرحمه الله إلى بعض قادته ومستشاريه أثناء خوضه معارك توحيد المملكة
العربية السعودية والذي استعرض فيه مؤلفه الأديب المثقف البارع
عدداً من وقفات المؤسس في مختلف المواقف وإدارته لشؤون مختلف القضايا والمشاكل الحربية، ومن بين ما قرأته رسالة للملك عبد العزيز قبل وقعة (السبلة مؤرخة في 27 رمضان عام 1347هـ إلى القائد البطل الشيخ حجاب بن محسن بن نحيت المزيني ونص مقدمة الرسالة: (من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى جناب الأخ المكرم حجاب بن نحيت وكافة كبار الإخوان الحروب سلمهم الله تعالى وقد تضمنت الرسالة إخبار الشيخ حجاب بن نحيت ببعض ما أراد الملك عبد العزيز إعلامه به حول خطته لمقابلة معارضيه ورغبته في مواجهته للمشورة وتحديد الزمان والمكان واختيار من يحضر مقابلة الملك مع المستشار حجاب بن نحيت وقد علق الشيخ التويجري على الرسالة بقوله: الرسالة تشير إلى أن الملك عبد العزيز يُدرك أهمية المشاركة في الرأي في الأمور الهامة لذلك نراه يحاول بكل وسيلة أن يجمع الآراء حول كل أمر له من الأهمية كهذا التجمع الذي يدعو إليه، فمن أهميته نراه يقول: أنا على استعداد للسعي إليكم لأنه يعلم رحمه الله أن توحيد الآراء يوجد الدفاع عنها، وهذا هو عبد العزيز بهذا الخلق وبهذا التواضع والحكمة في تعامله مع رجاله، وذكر المستشرق (أوبنهايم) بأن حجاب بن نحيت يُعد من أهم رجالات الملك عبد العزيز، ويذكر كتاب تاريخ مرحلة التأسيس بأن بن نحيت له المكانة العالية والمنزلة الرفيعة والميزة الخاصة عند الملك عبد العزيز وكان يقربه ويخصه بأجزل الذكر والعطايا لإخلاصه وشجاعته وبعد نظره ودقته في وزن الأمور، ومن هنا رأيت تقديم شيء من تاريخ هذا الرمز الكبير المتألق الذي حفر اسمه في أعماق التاريخ.

لقد كان للشيخ حجاب بن نحيت ومن معه من قبائل مزينة وقبائل حرب بيرق) مستقل في موقعة السبلة وقاد قبائله في وقائع الشنانة والبكيرية وجراب وحصار حائل وحصار جدة والمعارك التي خاضها الملك عبد العزيز مع (الإخوان) حيث كان ابن نحيت من القادة البارزين في جميع المواقف مع المؤسس، ويوم أن كون الملك عبد العزيز وفداً للمناقشة والتفاهم مع بعض الذين انشقوا عليه لبعض آرائهم ومعتقداتهم الفاسدة كان الشيخ حجاب من ضمن ذلك الوفد الذي تكون من رموز لهم مكانة دينية وقبلية لشرح موقف الملك عبد العزيز من بعض ما يرونه وتبيان خطأ ما يعتقدونه ولكن ذلك الوفد لم يصل معهم إلى نتيجة، وبناء عليه رأى الملك عبد العزيز ألا جدوى إلا قتالهم فتم ذلك وتحقق النصر المبين .... وتلقى الشيخ حجاب بن نحيت رسالة مطولة من الملك عبد العزيز مؤرخة في 20 ربيع الثاني عام 1348هـ يثني فيها جلالته على ما قام به هذا البطل شجاعة وبطولة وإخلاصا وتضحية، وقد أبلى الشيخ حجاب بن نحيت بلاء حسناً في كل موقف يقفه المؤسس مما نال به حظوة خاصة ومكانة مميزة وخير دليل على ذلك قول الملك عبد العزيز في أحد مجالسه وهو يستعرض ويمدح جميع القبائل التي وقفت معه في معارك التأسيس وقال عن ابن نحيت وقبيلة مزينة إمزينة كلها خير وبإذن الله إنها لم تكن تحت راية إلا وتنتصر شهدت بذلك لها مشاهد الإسلام الأولى). رحم الله الملك عبد العزيز لقد كان قارناً للتاريخ وعارفاً بالقبائل ومواقفها وأصولها، وعندما رفع الشيخ حجاب رايته مع الملك عبد العزيز انضم كثير من بعض قبائل حرب إضافة إلى قبيلته مزينة تحت لوائه وقال شاعرهم
يشيد بقيادته
حرب الذي زيزومها يوم الأخطار
ابن نحيت اللي على مستواها
حجاب يوم الجار ما يأمن الجار
مقدام حرب وفي يمينه عصاها
وقال آخر في الشيخ حجاب يُشيد به في موقف من مواقف العزة والكرامة:
الله ياذيب عوى قناب
من نجد جلانا نحيب عواه
يا ميرنا يا مورد الهياب
اليوم كل ماقفه ينخاه
حنا وقفنا الماقف الغصاب
اللي قعد ما تنفعه عذراه

وبقي الشيخ حجاب على ولائه وإخلاصه للمؤسس وشيخاً للقبيلة وأميراً على (الفوارة حتى وفاته رحمه الله في العام الهجري 1353هـ وكان لوفاته أثر كبير على الملك عبد العزيز وتلقى أبناؤه وقبائله من جلالته وسمو ولي عهده رحمهما الله تعالى ومن كافة رجالات الدولة معزية في هذا الرمز) الذي ضرب المثل السامي في إخلاصه وتضحياته، رحم الله الشيخ حجاب بن نحيت الذي ضرب أروع الأمثلة في الوفاء والإخلاص والتضحية والشجاعة وكان سليل مشيخة متجذرة من آبائه وأجداده لأكثر من ثلاثمائة عام منذ الشيخ نحيت الأول، وترك العقبة سمعة طيبة وولاء ووطنية لهذا الكيان الكبير ولقادته الأبطال من آل سعود بدءاً من المؤسس الملك عبد العزيز رحمه الله إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين محمد بن سلمان بن عبد العزيز حفظهما الله.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.