الأستاذ الدكتور حسن عواد السريحي
محمد بن صالح البليهشي

رمز من الرموز التي يفتخر بمسارها، وهو أحد أبناء المدينة المنورة البررة الذين شقوا طريقهم نحو القمة إلى أعلى المراكز في مجالات العلم والمعرفة، وقد استهوته المكتبة وشؤونها علما وفائدة وتنظيماً ومعلومات وتوثيقاً، وأمن بدور الكتاب وأثره في حفظ واكتناز المعرفة، ومن هنا كان بروزه في عالم المكتبات وتقنية المعلومات.
فمنذ طفولته ودراسته في المدرسة المنصورية ودخوله بالصف الأول مستمعاً الصغر سنه برفقة عمه العربي الفاضل الأستاذ عودة مهنا السريحي، وهو يحب مكتبة المدرسة ويفضل البقاء بها في فراغ الحصص الدراسية، ونما معه هذا الحب حتى أوصله إلى أعتاب الجامعة طالباً ثم معيداً وأخيراً أستاذاً حاملا للدكتوراة في علم المكتبات وتنظيم المعلومات.
من ثانوية "أحد" وقف (رمزنا) أمام نافذة القبول في جامعة الملك عبد العزيز في العام الدراسي 1400هـ، وعيا استمارة القبول واختار تخصص (المكتبات). فتم قبوله وبدأ مشوار الجامعة وصار شعلة من النشاط والجد والاجتهاد ومع دراسته حرص على الاشتراك في النشاطات التي تقيمها الجامعة كما أضاف الدراسته دراسة الفصل الصيفي الذي جعله يتم الجامعة في ثلاث سنوات ونصف، حرصاً على الإعادة والابتعاث وتم اختياره معيداً ثم ابتعاثه الدراسة الماجستير في ولاية وسكنسن في مدينة ميلواكي في أمريكا، وما لبث أن أنمى الماجستير حتى تم قبوله في جامعة الديانا)، وفي هذه الجامعة استطاع أن يثبت وجوده ويلفت الأنظار إلى نشاطه وحيويته ونبله وطموحه، وصار شعلة في دراسته وترأس نادي الطلبة السعوديين الذي جعل منه ملتقى ومكاناً محيباً للطلبة السعوديين، مما لفت نظر صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود حينها يوم أن كان سفيرا للمملكة في أمريكا. وحاز إعجابه مسار النادي وقام بتكريمه لتفوقه وظهوره بالصورة اللائقة لشباب المملكة العربية السعودية أدباً وانضباطاً ومثالية وأهدافاً، كما حصل رئيس النادي حسن السريحي على جائزة سموه لتفوقه العلمي خلال العام الدراسي 1989 1990م، ومن نجاح هذا النادي برز نجم (رمزنا)، مما أهله إلى رئاسة المركز الإسلامي الذي اتخذ منه منطلقاً، وحاول أن يجمع الجمعية العمومية لتنفيذ المشاريع التي يتطلع إليها المركز كبناء المسجد ووجود الصالات الخاصة بالنشاطات المختلفة بجهود المخلصين من السعوديين والمخلصين كذلك من المسلمين من غير السعوديين، وبذلك صار المركز منارة إشعاع في تلك الديار له صوته المسموع ومكانته اللائقة، ولا يزال بنشاطه وحيويته إلى اليوم يؤدي دوره بفضل الله تعالى ثم بفضل العاملين به والمتحمسين لرئاسته بدعم من الدولة السعودية أعزها الله.
ويوم أن عاد أبو طارق السريحي إلى جامعته الأم جامعة الملك عبد العزيز، أتي إليها منتصراً يحمل شهادة الدكتوراة في تخصص المكتبات والمعلومات بامتياز في عام 1993م، وعمل بإخلاص في التدريس والبحث العلمي والإشراف، وفي اللجان العلمية المتميزة بمناهج البحث وتنظيم المعلومات وتنظيم المعرفة وكانت جهوده مميزة في الكثير من المناحي في إطار تخصصه، وما يكلف به من أعمال، إضافة إلى قدرته في التدريس وابتكاراته في مجال عمله ونشاطه، ومن ذلك وضع ميثاق أخلاق المهنة الذي تم نشره في موقع الاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، فهو أول من كتب عن هوية التخصص، وأسس فريق الدليل العربي للوصف الوظيفي في فن المكتبات، وجعل فريق إنجاز قاعدة المادي للإنتاج العلمي في المكتبات والمعلومات، وتشرف بكونه أول أمين عام المجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية لمدة أربع سنوات، ورأس تحرير مجلة المركز وأوكلت إليه الجامعة رئاسة قسم المكتبات والمعلومات لمدة عامين. وعين وكيلاً لعمادة شؤون المكتبات لمرتين ورأس الإتحاد العربي للمكتبات والمعلومات (إعلم) للأعوام من 2013-2008م ومن 2022-2019م، ورأس جمعية المكتبات والمعلومات فرع الخليج العربي لثلاث سنوات وتم تعميده رائداً للجنة الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة ونائب لرئيس العلاقات العامة بها.
وخلال عمله بالجامعة تشرف بعضويته لكثير من اللجان والأعمال للثقة به وثراء معلوماته خلجان الاحتفال باليوبيل الفضي لكلية الآداب واللجنة العليا للنشاط ولجان ندوة السياحة وتقنية المعلومات وتحكيم مواقع المقررات الدراسية على شبكة الانترنت) والدراسات العليا، وإعادة الهيكلة بقسم المكتبات وتطوير المناهج ودبلوم الأرشفة والخدمات إلى غير ذلك مما تطلبه العمل في الجامعة.
إلى جانب كل ذلك وجد أسمه عضواً في الكثير من المهام والأعمال خارج الجامعة لفترات من مسارها، ومن ذلك مثلاً عضويته بمجلس أمناء مكتبة قطر الوطنية واللجنة العليا لتطوير المناهج بجامعة جدة، وفريق سياسة النشر بجامعة الملك سعود وهيئة المركز الوطني للوثائق والمحفوظات، ومجلس إدارة الفهرس العربي الموحد ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، والمجلس الاستشاري لقسم المكتبات والمعلومات في
الجامعة الأردنية عام 2023م.
كما كان له حضور في كثير من المشاركات في جمعية المكتبات المتخصصة فرع الخليج والمؤتمرات المنعقدة لذلك في كل من لندن والقاهرة وبيروت والإسكندرية والترويج وبرشلونة وتونس والخرطوم ومنظمة (اليونيسكو) في مؤتمرها الرابع والعشرين للاتحاد العربي للمكتبات.
ومن الطبيعي أمام هذا الكم من المعلومات وهذا المشوار الطويل ألا يكون للثقافة والمعرفة على كافة المستويات نصيب من هذا العلم للمحاضرات والندوات في مختلف الجهات داخلياً وخارجياً، وأن تتلقى الصحف والمجلات في الداخل والخارج مقالاته وبحوثه وأن تستقبل المكتبات التي هو من روادها الكبار إنتاجه الثقافي في صلب تخصصه، حيث أصدر كتابه: مقدمة في علم المعلومات.. رؤية حديثه وكتبه وبحوثه في تطور المكتبات والمعلومات في عشرين عاماً، وكتبه وبحوثه بالإشتراك التي منها مقدمة في مناهج البحث العلمي، أمن المكتبات الولاء الإلكتروني، الصحة والسلامة في المكاتب المؤتمنة، التفكير والبحث العلمي برنامج الدكتوراة في إدارة المعرفة، عملية إنشاء شبكة مماثلة للشبكة الدولية نقادة المكتبات في الشرق الأوسط الخدمة المتخصصين بالتعاون مع جمعية ابيل وميلاند جيتس) على غرار ما تم تنفيذه من قبل جمعية المكتبات الاسترالية من محاكاة لمفهوم الشبكة
والمواد التعليمية.
هذه العناوين وغيرها في عالم المكتبات كان اللرمز الأستاذ الدكتور حسن السريحي يد بها، إما على صورة بحوث أو على صورة عناوين كتب بالاشتراك مع أعلام استفاد منها الطلاب والمتخصصون والأساتذة في فن المكتبات والمعلومات وهو يفخر بما قدم من دعم الأقسام المكتبة في المملكة وفي الوطن العربي وللجمعيات العلمية في الخليج، ويفخر بطلابه الذين رأى الكثير منهم عمالقة في تخصصاتهم ومن رؤاه أن المستشار مؤتمن وعليه خدمة المكان والمهنة وأن الإنسان يعيش حياة كريمة بإمكاناته وأن الباقي للإنسان هو الإرث العلمي النافع، وما قدمه من إصدارات نافعة تخلد معلومات مفيدة
وأعمال باقيه وطلاب يدعون له.
وبالإضافة إلى مساره الأكاديمي والثقافي على رأس العمل وغيره، أفادت منه جهات معتبرة في عالم الصحافة لإعداد مراكز معلومات لها واستشارات ومشاركات إدارية كجريدة البلاد والوطن والمدينة ومكتبات دار الحكمة ومكتبة
كلية إعفت بالتعاون مع بعض المختصين في هذا المجال.
وقدرته الجامعة الأمريكية التي نال منها الماجستير، وهي جامعة وسكنسن الأمريكية لجهوده ونشاطه، فكرمته بجائزة الإنجازات المتميزة أو الفريدة، وهي جائزة تنبع من متابعة خريجي القسم وإسهاماتهم، وهو أول عربي يحصل على
تلك الجائزة وهو العربي الوحيد الذي منح إياها إلى اليوم.
وأقول هنا بأن الأستاذ الدكتور حسن بن عواد السريحي السالمي الحربي) كفاءة علمية متعددة الجوانب عميقة الجذور واسعة الأفق، وما ذكر عنه في هذا السرد ما هي إلا بعض محطات مشرقة في حياته، بدأت من طيبة الطيبة ولادة ونشأة ودراسة في حلقات مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبين ربوعها
في حوش أعلي خضرة مروراً بزقاق الطيار وروابي السيح وطريق الهجرة في ربوع (أبو بريشة) على ضفاف العقيق إلى مدارسه التي درس فيها كالمنصورية الابتدائية ومتوسطة سعيد بن المسيب وثانوية أحد في طريق سيد الشهداء، ولا تزال ذاكرته تختزن نجاحه في الصف الأول الابتدائي بامتياز وهو لم يُسجل رسمياً ضمن طلاب الصف لصغر سنه، مما اضطر الهيئة الإدارية اعتماد نجاحه إلى الصف الثاني وتقديم سن ولادته إلى عام 1382هـ، وتختزن تفاصيل سقوطه في حفرة حوش خميس وكاد ذلك الإنهيار أن يقضي على حياته، وتختزن أيضاً انتقال مدرسته المتوسطة يوم أن كلف مدير المدرسة الطلاب بأن يحمل كل طالب مقعده وطاولته في ساعة واحدة إلى مبنى المدرسة الجديد دون تذمر أو تضرر أو شكوى رغم صغر سنهم ورقة أجسامهم في طابور واحد بحس تربوي وغرس لقيم التعاون والإنجاز والإحساس بالمسؤولية. ولم يغب عن ذهنه أسماء زملائه في الدراسة وفي ملاعب وادي العقيق ملعباً وصيداً للطيور في جنبات الآبار والصعود إلى جبل عبر الأشم ومرأى المدينة من على قمة ذلك الجبل بأحيائها وأحوشتها وأبوابها وأسواقها وكافة معالمها، ولا تزال ذاكرته تختزن عبق المدينة وأقدامه وأنفاسه تفوح عطراً بترابها الذي يعطر شذاه. كل مكان يحل به في كل قطر ومدينة وموقع من هذا العالم الفسيح.
زاده الله توفيقه واحد في عمره ونفع به ووفقه
لكل خير






