الشيخ حمزة محمد قاسم
محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ حمزة محمد قاسم أديب بارع ومرب قدير ووجيه من وجهاء المدينة المنورة ورجل تربية وتعليم من الطراز الأول عاش في النصف الثاني من القرن الماضي ولد في شهر رجب عام 1343هـ بالمدينة المنورة التي ولد فيها أبوه رحمهما الله تعالى وعاش في جنبات طيبة الطيبة واكتسب الكثير من روحانيتها وطيبها ونشأ في طلب العلم والأدب وحفظ القرآن الكريم في كتاب الشيخ محمد بن سالم وهو لم يبلغ العاشرة من عمره ونتيجة لحفظه المبكر للقرآن الكريم تم قبوله بمدرسة العلوم الشرعية في عام 1353هـ وتخرج منها من القسم العالي عام 1359هـ وكان المسجد النبوي الشريف مدرسته الأساسية التي درس فيها على يد رجال أفاضل وعلماء أجلاء منهم الشيخ محمد الحافظ وعمر بري وعبد الخبير بن الحسن الصيني ومحمد ثاني ومنحوه جميعهم الإجازات العلمية التي تؤهله للتدريس والتعليم في المسجد النبوي الشريف وغيره من أماكن الدرس والتحصيل وكذلك أجازه الشيخ عبد الخبير الكاشغري التركستاني في كتاب
(الجامع) للترمذي وكتاب (مشكاة المصابيح).
ولنبوغه في العلوم والمعارف كان ضمن مدرسي العلوم الشرعية ثم طلبته مديرية المعارف مدرساً في مدارس المنصورية والناصرية ويوم أن تأسست إدارة التعليم بالمدينة المنورة عام 1374هـ اختير لإدارة المدرسة السعودية بالمدينة المنورة، وبقي فيها عشر سنوات ثم تلقى خطاب مدير التعليم حينها الأستاذ عبد العزيز الربيع حيث رشحه رئيساً لقسم المكتبات والشؤون العامة بإدارة التعليم وبقي في القسم الذي أحبه كثيراً لاتصاله بالكتاب والمكتبات حتى إحالته على التقاعد في العام الدراسي 1402هـ، وقد كتب الله تعالى أن اختير للعمل معه ضمن لجنة رأى تكوينها لإحصاء وجرد كتب المكتبات في أواخر التسعينات من القرن الماضي، ووجدت في ذلك الرجل إخلاصه وحبه للعمل وجديته في تعامله مع من يعملون معه وحبه لهم وتضحيته من أجلهم كما كان فكره يختزن ثقافة عالية وأدباً رفيعاً وصمتاً يدل على عقل رزين وفكر ثاقب وديناً صافياً وعقيدة سليمة وتعاملاً راقياً مع كل من تعامل معه أو عرفه.
وجدته قليل الكلام، قليل الضحك لا تفارق الابتسامة محياه وهو يتحدث إلى مرؤوسيه والعاملين معه، يتكلم بعقل وروية ومنطق ويحظى بتقدير العلماء والأدباء إذا حضر مجالسهم وله كلمته في شؤون الدين واللغة، وهو أحد مرتادي أسرة الوادي المبارك الأدبية التي كانت تعقد في تلك الأيام بدار الأديب والأستاذ عبد العزيز الربيع رحمه الله تعالى، وكثيراً ما يرجع إليه
رئيس الأسرة الأستاذ الربيع عندما يحتد النقاش في قضية من قضايا الدين واللغة، وقد جرى العرف بينهم أن رأيه وأدلته صائبة وتستند إلى أصول عميقة وشواهد تثبت قوله وما ذهب إليه الأستاذ حمزة قاسم، فعلمه واسع وفصاحته معروفة واطلاعه وحبه للقراءة والشعر لا يقف عند حد.
وأشهد أنني استفدت منه كثيراً خلال سنة بقيت معه في عالم الكتب والمكتبات ورأيت منه صداقة للكتاب وحرصاً عليه ورأفة به صيانة وحفظاً وتجليداً واستفادة كما استفاد من علمه الغزير العديد من طلابه الذين وصلوا فيما بعد إلى مراكز مرموقة في سلم الإدارة والإشراف والمحاسبة والتربية والتعليم.
وكنت حينها من محبي الصحافة والأدب، ولاحظ رحمه الله تعالى تشعب اتجاهاتي في مجال الثقافة والكتابة ولقيت منه متابعة وتشجيعاً وإرشاداً وقراءة فاحصة لما أكتب من أخبار واستطلاعات صحفية وتحقيقات ومقالات وقال ناصحاً ومحباً : يا بني إن من يكتب في الصحافة كمن يمشي على الشوك فعليك في باب الأدب بالقصة اكتب القصة وتعلم
فنونها وبواسطتها تستطيع أن تصل إلى مبتغاك.....
وهذه نصيحة رجل كبير محب له قدره ومنزلته في عالم الثقافة والحياة، ومن هنا سرت مشواراً مع هذا الفن الرفيع وكان معجباً بما أكتب من قصص كان حصيلتها كتاب بعنوان (حروف.. في الرماد جمعت مادته من تلك القصص التي كتبتها في مجلة المنهل وجريدة المدينة المنورة وطبعت في عام 1402هـ وقابلته بعد صدور الكتاب بالمسجد النبوي الشريف فشد على يدي وامتدح ما ضمه الكتاب من قصص وأبدى ملاحظاته الصائبة حوله، فجزاه الله خيراً، وهذا ديدن أولئك الكبار أمثال أستاذ الجيل وشيخ الشباب المربي القدير والأديب البارع الأستاذ حمزة محمد
قاسم رحمه الله تعالى.
لقد بقي الأستاذ حمزة) رجلاً أديباً مثقفاً ومربياً قديراً في كل موقع يحل فيه حتى أحيل على التقاعد في العام الهجري 1402هـ وبعدها لازم مكتبته العامرة وزاد من خطواته للمسجد النبوي الشريف صلاة وقراءة وتعليماً، وباعتبار ميله لعلم الحديث أكب على كتاب سماه منار القارئ شرح مختصر صحيح البخاري بذل فيه جهوداً جبارة لإخراجه وطباعته وصدره في خمسة أجزاء مجلدات بلغت صفحاته أكثر من 2500 صفحة وأبوابه 1045 باباً وأحاديثه 1196 حديثاً واعتمد في شرحه على الأئمة المتقدمين وأقوال المذاهب الأربعة وذكر ما قاله الجمهور من الفقهاء ومن خالفهم، وبين ما يتعلق بالعقائد والأحكام والمعاملات والحدود والأخلاق، وانطلق الأستاذ حمزة في هذا المجال من مكانة الحديث السامية ومن مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه : نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، قرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه
ورب حامل فقه ليس بفقيه.
وذكر الشيخ حمزة قاسم بأن أمنية عمره أن يمن الله عليه بخدمة (صحيح البخاري) حتى تحقق له ذلك تحرى فيه تحقيق الهدف مشتملاً على ما لابد منه في ترجمة بعض الرواة وشرح معاني الحديث وبيان فقهه وأحكامه وتخريجه ومطابقته للترجمة بأسلوب سهل وعبارات واضحة، وتمنى رحمه الله تعالى من وراء هذا الجهد المميز أن يشمله قول الرسول صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
ومن هنا قام بعد التقاعد ببذل الجهد في تأليف هذا السفر القيم وأهدى في وصيته مكتبته العامرة التي تحوي الكثير من العلوم والمعارف لمكتبة المسجد النبوي الشريف.
وقد وافاه الأجل المحتوم يوم الخميس 28 شوال 1431هـ وصلى عليه جموع المسلمين في المسجد النبوي الشريف بعد صلاة الظهر، واستقبله بقيع الغرقد في طيبة الطيبة حيث دفن فيه رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.






