حمزة بن إبراهيم غوث

محمد بن صالح البليهشي

حمزة بن إبراهيم غوث
حمزة بن إبراهيم غوث

السيد حمزة بن إبراهيم بن عبد الكريم غوث الحسني الهاشمي ذلك الرجل المدني الذي تملكت جوانبه الهمة العالية والطموح المجنح والنظرة العجيبة للحياة وللكون، قامة عظيمة ورجل فذ ووفاء يندر مثيله، نفس عالية منذ نعومة أظفاره، رجولة وصبر وجلد وشموخ وإباء.

رجل من رجالات المدينة المنورة الذين برزوا خلال القرن الرابع عشر الهجري شخصية تألقت وتقلبت في مصاعب كبيرة ليس مع أشخاص أو فئات بل مع دول وحكومات، كتب الله لتلك الشخصية الاستثنائية النجاح والفوز والنجاة من مهالك محققة وأراد الله لها البقاء والحفظ والتمكين وتحقيق الطموحات والاستفادة من القدرات والإمكانات على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود الذي بفطرته وفراسته يعرف الرجال ويحتويهم ويقدرهم وينزلهم منازلهم ويستفيد من مواهبهم ومواقفهم بعد أن يشعرهم بقيمتهم ويحفظ لهم أقدارهم وقبل انضمام السيد حمزة غوث إلى ركاب الملك عبد العزيز ومع بدايات عام 1334هـ فكرت الدولة التركية في إنشاء جريدة الحجاز بالمدينة المنورة لتقوم بدور التأييد لها في هذه المنطقة من العالم وهيأت موقع الجريدة بالمدينة وتم تعيين الشريف علي حيدر والياً على الحجاز للحد من تمرد الشريف الحسين بن علي في ذلك الوقت الذي هو الآخر أنشأ جريدة القبلة في مكة المكرمة لنقل أخباره وجلب مناصرين له.

رأى أهل المدينة ذات صباح جريدة الحجاز تتلقفها الأيدي وعلى واجهتها يبرز اسم السيد حمزة غوث رئيساً لتحريرها وهو المسؤول عنها وقد اختير لثقافته وقوة شخصيته ولما ظهر منه من وطنية وحماس، ومن خلال التحرير والمتابعة من رئيس التحرير (حمزة غوث برزت حياته السياسية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية كما ظهر تنافس كبير بين جريدة القبلة التي أنشأها الشريف حسين بن علي ورأس تحريرها بنفسه وبين جريدة الحجاز بالمدينة المنورة.

ومن هنا صارت عداوة الشريف وأبناؤه وعداوة (الإنجليز وأعوانهم لحمزة غوث رئيس تحرير جريدة الحجاز بالمدينة المنورة، وبالمقابل توطدت علاقة فخري باشا بحمزة غوث خاصة بعد صدور الأوامر برحيل علي حيدر مما جعل فخري باشا يصدر أمره إلى حمزة غوث ليكون رئيساً لبلدية المدينة المنورة ولم تسر الأمور على ما يرغب رئيس البلدية فحاول حمزة غوث السفر إلى الشام بعائلته ولم يوافق فخري باشا ولكن بعد محاولات وإصرار وافق على ذلك، وعند وصوله الشام وهناك وجد أمراً من الشريف بإهدار دمه لمواقفه في جريدة الحجاز ومعارضته لبعض الأمور ضد حكومة الشريف مسافر خفية إلى تركيا حيث التقى هناك بمصطفى كمال أتاتورك الذي استقبله ووعده بالباشوية ولكنه أحاله إلى التحقيق بتشكيل محكمة عسكرية والتي حكمت عليه بالإعدام بتوقيع مصطفى أتاتورك نفسه، وبعد وساطة من وجهاء ذوي نفوذ في العراق وافق (أتاتورك) على العفو عن حمزة غوث شريطة مغادرته تركيا فخرج إلى الشام بحراسة مشددة من جيوش (أتاتورك) وهناك قابل صديقاً له من حائل فأقنعه بالانضمام إلى ابن رشيد
في حائل).

وفي عام 1339هـ انتدبه ابن رشيد لمقابلة الملك فؤاد لكسب تأييده ودعمه الإمارة حائل كما عمده لمقابلة المندوبة البريطانية لنفس الغرض وفي . أثناء وجود السيد حمزة غوث في سوريا مفاوضاً عن ابن رشيد الفرنسا وصلت الأخبار إليه بدخول الملك عبد العزيز إلى حائل حاكماً لها.

أدرك حمزة غوث بفطنته ودهائه أن الملك عبد العزيز يعلم بالمهمات التي هو مندوب لها في مفاوضاته مع بريطانيا وفرنسا لتقوية ابن رشيد وعرف عن أخلاقيات الملك عبد العزيز أنه يؤوي من أتاه لاجئاً بجواره وعفوه وصفحه عمن أساء إليه وتقديره لمواقف الرجال فسار إليه ودخل قصره في عام 1341هـ وقابل الملك عبد العزيز الذي رحب به واحتفى بقدومه ورشحه مستشاراً له وحدد له غرفة خاصة للعمل في الشؤون السياسية وحقق رغبته في تهريب أسرته من المدينة المنورة أثناء حصارها وبعد ستة أشهر أرسله الملك عبد العزيز مفاوضا عنه في الكويت وكانت مهمته تلك شاقة وحساسة ولكنه نجح في اختبار الملك عبد العزيز في تلك المهمة، وفي سنة 1342 هـ اختاره الملك | عبد العزيز رئيسا للوفد النجدي في المؤتمر العربي الأول بالكويت.

ويوم أن سار الملك عبد العزيز من الرياض متجها إلى مكة المكرمة كان في معيته أكثر من ثلاثمائة رجل من خاصته وكان من بينهم عبد العزيز بن إبراهيم والسيد حمزة غوث وبقي السيد حمزة غوث معه في مكة ومعظم أيام حصار جدة وعندما قررت حامية المدينة الاستسلام بعد حصارها أمر الملك عبد العزيز ابنه محمد بن عبد العزيز يرحمه الله ومعه مائتان من رجاله وشاهد أهل المدينة السيد حمزة غوث من خاصة الأمير محمد بن عبد العزيز يوم استلام المدينة، وبقي السيد حمزة غوث أحد معاوني وكيل أمير المدينة في سنة 1344هـ إلى نهاية سنة 1346 هـ وغادرها بعد ذلك لمزاولة عمله مستشارا للملك عبد العزيز، ثم في سنة 1351هـ حتى سنة 1357 ه صار عضوا في مجلس الشورى بأمر من الملك عبد العزيز، وفي سنة 1353 هـ كلفه الملك عبد العزيز وزيراً مفوضاً في العراق، وبقي فيها إلى سنة 1360هـ، ثم عاد إلى عمله مستشارا للملك إلى سنة 1367هـ، وفي سنة 1367 هـ صدر أمر الملك عبد العزيز بتعيينه وزيراً مفوضاً في إيران، ثم سفيراً للمملكة العربية السعودية وظل بها سبعة عشر عاماً وكان عميد السلك الدبلوماسي فيها حتى سنة 1384هـ، وفي سنة 1371هـ منحه الملك عبد العزيز لقب وزير الدولة، وبناء على طلبه وافق الملك فيصل يرحمه الله على إحالته للتقاعد في غرة رجب من سنة 1384 هـ.

تاريخ حافل بالإنجازات ومواقف عظيمة ومصاعب كبيرة تعرض لها هذا العلم وكل موقف لو استعرضنا دقائقه لاحتجنا إلى صفحات وصفحات ولكنها ومضات ومحطات أردت منها إيراد لمحات عن هذه الشخصية العجيبة الاستثنائية وهذه القامة الشامخة والنفس العالية والعقل الراجح
الذي لم يجد ضالته المنشودة إلا في ظلال الملك عبد العزيز يرحمه الله.

وعلى ضفاف العقيق في مدينة سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ومن جوار المسجد المبارك مسجد القبلتين وفي مزرعته التي سماها (حدائق الزهور) والتي أحبها ووجد الأنس في جنباتها وبعد أن ألقى عصا التسيار كان مجلسه عامراً بمعارفه الذين يزورون المدينة من مختلف أقطار الدنيا وعامراً كذلك بكبار أهل المدينة وشيوخ القبائل وأساطين الثقافة والأدب والمعرفة والتربية حيث تعقد ندوات ولقاءات أسبوعية لبحث شؤون المعرفة في شتى فنونها، وفي يوم الاثنين في ثاني أيام عيد الفطر المبارك من عام 1390هـ غادر السيد حمزة غوث مزرعته في القبلتين عبر شوارع المدينة محمولاً على الأعناق إلى المسجد النبوي الشريف حيث تمت الصلاة عليه ومواراة جثمانه في بقيع الغرقد وهي أمنية خشي رحمه الله أن لا تتحقق لكثرة أسفاره ومسؤولياته رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.

وقد دونت هذه النبذة البسيطة عن هذا الرمز العملاق من خلال كتاب أهداه إلى سعادة الأستاذ خالد حمزة غوث عن سيرة والده جزاه الله خيراً وأمد في عمره، والسيد خالد غوث يغبط على هذا العمل الجليل الذي قام به تذكيرا بوالده وتوثيقاً لمنجزاته وجهاده وحفظاً لمنطلقات ومحطات حياة ذلك العلم المليئة بالمواقف والأحداث والمصاعب، فكم من رجال كانوا ملء السمع والبصر وقاموا في حياتهم بجلائل الأعمال ثم طواها النسيان لعدم الحفظ والتدوين، والسيد خالد غوث شبل ذلك الأسد وقد خبر الثقافة بعمله ملحقاً ثقافياً في باريس ثم مستشاراً ثقافياً في ألمانيا ثم مديراً عاماً للإذاعة السعودية ومبادراته تشكر وتذكر في تأسيس إذاعة القرآن الكريم ومنظمة إذاعات الدول الإسلامية وتأسيس وكالة الأنباء السعودية ووكالة الأنباء الإسلامية ووقود المملكة إلى مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية ومؤتمر مكافحة الشيوعية العالمي في كل من الفلبين وفيتنام وقد عاد بعد ذلك
التطواف متقاعداً إلى طيبة الطيبة يساهم في كل منشط للتطوير والبناء وعضوا في مجلس منطقة المدينة المنورة لثلاث دورات وعضوا في المجلس العلمي لمكتبة الملك عبد العزيز ومجلس أمناء مؤسسة المدينة الخيرية لتنمية المجتمع وغيرها من بقية المجالس والجمعيات الخدمية وصديقاً حميماً للنخلة في هذه البلدة المقدسة.
بارك الله في جهوده وأمده بالصحة والعافية وأطال عمره في طاعته

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.