الأستاذ حميد بن إبراهيم الحازمي

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ حميد بن إبراهيم الحازمي
الأستاذ حميد بن إبراهيم الحازمي

في مساء السبت الماضي كنت ضمن حضور مجلس الشيخ الدكتور صالح الفهد المزيد حفظه الله الذي اعتاد أصدقاؤه وزملاؤه حضوره في مساء كل سبت وأربعاء من كل أسبوع بالمدينة المنورة للقاء والمدارسة والتذكير، ووجدت ضمن الحاضرين رمزنا اليوم الأستاذ الفاضل حميد الحازمي مدير معهد المدينة العلمي الأسبق، وهو من الرجال الذين يألفون ويُؤلفون وتذكرت برؤيته تلك الأيام الخالدة والتاريخ المشرق لمعهد المدينة العلمي الذي تم افتتاحه في عام 1381 هـ وتولى إدارته الشيخ علي الدخيل) عافاه الله وأطال عمره، وعند انتقاله إلى إمارة المدينة المنورة صدرت الأوامر بتولي وكيله الأستاذ حميد بن إبراهيم الحازمي لإدارة هذا المعهد في عام 1389 هـ الذي سار به وفق الخطط المعدة سيرة متميزة بين بقية المعاهد في شتى ربوع المملكة التي وصل عددها إلى سبعة وخمسين معهدا في عام 1404هـ، وتعود معرفتي الحقيقية بالأستاذ حميد الحازمي إلى ذلك اليوم الذي تلقيت فيه مكالمته لتعبئة استمارة امتحان السنة الثالثة بالمعهد حسب موافقة الرئيس العام للكليات والمعاهد) وقتها في عام 1391 هـ، حيث قدمت طلبي لدخول كلية الشريعة بشهادة الثانوية العامة من وزارة المعارف، فلم أحظ بالقبول بتلك الشهادة وأفاد المسؤول عن ذلك بأنه لا بد من حصولي على شهادة الثانوية من المعهد العلمي، وأن شهادة الثانوية العامة التي أحملها تؤهلني فقط إلى الإعادة في الثالثة بالمعهد لديهم، وفي حالة النجاح والحصول على النسبة المقررة يمكن قبولي في الشريعة، المهم أنني قدمت الطلب لإتاحة الفرصة للانتساب بالثالثة والاختبار في معهد المدينة المنورة، وسار طلبي بعد موافقة الرئيس العام، وتم تحويله إلى الأستاذ (حميد) مدير معهد المدينة الذي اتصل بي حاثاً ومشجعاً ومذللا كل المصاعب التي أبديتها له حفظه الله، وأحسست من خلال حرصه على تعبئة الاستمارة وسرعة تزويدي بالكتب المقررة أن ذلك الرجل وطني تربوي من الطراز الأول الذين يعملون على استسهال الصعب أمام كل طموح وكل مجتهد، وبفضل الله ثم بإصراره وحرصه درست ذلك العام منتسبًا) ونجحت وتحققت أمالي ومن خلال ترددي على المعهد في تلك الأيام التي عاش فيها حميد الحازمي أكثر من ستة وعشرين عاماً تألق المعهد العلمي بالمدينة وعلى صوته جدارة ومكانة وعمقاً بمدارس المدينة، التي كانت في تلك الأيام في قمة وهجها ونشاطها في عهد مدير التعليم الأسبق الأستاذ عبد العزيز الربيع) رحمه الله وكانت هناك منافسة خفية بين المعهد وبين مجموعة مدارس التعليم العام وكان المعهد في مستوى التحدي في نشاطاته وفي علومه وله مكانته المميزة، وقد تميز خريجو معهد المدينة في الدراسة والأخلاق والالتزام بفضل الله تعالى ثم بفضل الإدارة الحازمة والمرونة في التعامل والحرص على الاستقامة والنهج السليم والنزاهة التي كانت سمة من سمات أبو عبد السلام) ولا تزكيه على الله، وقد عرفه طلابه والعاملون معه خلال ثلث قرن تقريباً، وهو الإداري الناجح الذي يتخذ لكل موقف ما يناسبه مع الشباب ولديه فراسة معينة تميز بها ودراسة عميقة لكل حالة شبابية أو موقف طلابي، كان يسعى خلال إدارته لإصلاح الشباب وبناء مستقبلهم، ويذكر طلابه والذين عملوا معه وزملاؤه في مدارس المدينة الكثير من المواقف الدالة على ذلك، وقد نقل لي أحدهم موقفاً كدليل على ما يمتاز به هذا الرمز) من قراءة وفراسة وعمق في التعامل مع الشباب، وهذا الموقف يتمثل في أن أحد طلابه كان في مرحلة مراهقة وغرور ولا ينصاع لأمر ولا يلتزم بنظام، فيخرج من المعهد في أي وقت بدون إذن من الإدارة. واشتكاه الحارس إلى المدير حميد الحازمي) الذي يعرف الطالب فما كان منه إلا أن استدعاه وأخذ بيده إلى الحارس وأبلغه بأن يسمح له بالخروج في أي وقت وبدون إذن وأوعز إلى مراقب المعهد بعدم ذكر اسمه في الفصل أثناء تحضير الغياب احسسه بالإهمال التام مقابل غروره وتعاليه وتيهانه وهذا نوع من العلاج التربوي فما كان من الطالب بعد مرور يومين حتى أتى إليه وسأله : ألست طالبا لديكم؟ فاجأبه بنعم إذا التزمت، فاعتذر الطالب وقبل رأسه واستقامت أموره بعدها، هذا موقف من المواقف التربوية وما أكثرها التي تميز بها (رمزنا اليوم) وبقيت عالقة في عمق إدارته وحياته، يجمع لنا ذلك الكم الهائل من التجارب والمواقف التربوية والتعليمية التي زخرت بها حياته في أروقة معهد المدينة العلمي مع طلابه والعاملين معه على امتداد ربع قرن من الزمان، خاصة وهو من زملاء جيل العمالقة أمثال الشيخ علي بن سليمان المهنا والشيخ عطية محمد سالم والشيخ عبد الله الفوزان والأساتذة عيد بن سالم الردادي وعبد الحميد صادق وسليمان ناشي وفالح الجهني وغيرهم الذين كانوا من ذلك الجيل الذي امتاز بالطموح والجدية والنبل والأخلاق، رحم الله من مات منهم وأطال عمر من كان حيا وأحسن خاتمته.

وليته يضم إلى تسجيل التجارب والمواقف التربوية ذلك الطموح الذي امتاز به جيله عندما درسوا في شريعة الرياض وعن لهم في إحدى السنوات دراسة مواد الكفاءة نظام 3 سنوات فدرسوا انتساباً ودخلوا اختبار الكفاءة وفوجئوا بأن اختبار آخر يوم للكفاءة يوافق أول يوم في اختبار الكلية، إلا أن اختبار الكلية يبدأ مبكرا فدخلوا اختبار الكلية وبسرعة خرجوا لاختبار آخر يوم في الكفاءة، فوجدوا الأبواب مقفلة فتسلقوا الأسوار بصورة ملفتة للنظر وكانت قضية كبيرة انتهت بمعرفة رئيس اللجنة وتقديره للطموح والإصرار من أولئك الشباب فسمح لهم ومكنهم من الاختبار ونجحوا في الكفاءة والكلية. ويا ليته أيضا يضيف إلى ذلك العديد من مواقف المعاناة الحياتية التي كان يلاقيها طلاب الأمس وفي مقدمتها ذلك اليوم الذي تجمع هو وزملاؤه في سيارة (الونيت للذهاب إلى مقر دراستهم بالرياض وكان السفر من المدينة للرياض يستغرق ثلاثة أيام، وذلك في نهاية السبعينات هجرية وتاه بهم سائقهم وظللهم الليل الدامس ونفاذ الماء وانفجار عجلات سيارتهم، وبقوا في صحراء قاحلة أشرفوا على الهلاك لولا إرادة الله ونجدتهم بعد مرور يومين من الضياع من قبل شيخ قرية من قرى تلك المنطقة الذي زودهم بالماء وأوصلهم إلى مدينة (الرس)، ومنها واصلوا سيرهم إلى الرياض، ولعله يذكر لنا المعاناة التي لاقاها عند تخرجه وتعيينه في معهد أبها العلمي ومصاعب السفر عبر تلك الطرق الوعرة في تلك الأيام وهو يحمل حقائبه بين أبها والمدينة، مواقف وأحداث سمعتها من أستاذ الجيل النموذج الفريد والعصامي ورجل التربية والتعليم الأستاذ حميد بن إبراهيم الحازمي قبل ثلاثين عاما ورأيت تذكيره بها لعل ذاكرته تخرج شيئاً من من مخزونها وتراه في كتاب تقرؤه الأجيال اللاحقة لتعرف مدى ذلك الطموح وتحمل المصاعب والإصرار والعزيمة من جيل الأمس. بقي القول بأن رمزنا اليوم الأستاذ حميد بن إبراهيم بن سعد الحازمي من مواليد عام 1355هـ وبعد تخرجه من مدرسة الصحراء من المسيجين في عام 1372 هـ درس المرحلتين المتوسطة والثانوية بالمدينة، وساقه طموحه إلى كلية الشريعة بالرياض التي كانت نواة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتخرج منها في عام 1382 هـ وبدأ أولى خطواته العملية مدرساً في معهد أبها العلمي، وبعد سنتين تم نقله إلى معهد المدينة العلمي وبهذا المعهد رسم صورته المثالية في أذهان طلابه على امتداد ثلاثين عاماً ويذكرونه على اختلاف مستوياتهم ومناصبهم بأطيب الذكر حباً وإكبارا وتقديراً، وقد نال ثقة المسؤولين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فكان موقعه في اجتماعات الجامعة مميزاً وقدره معروفا في مؤتمراتها ومشاركاته في لجان التعاقد بالشام ومصر موثقة وعرفه المسؤولون كذلك في الإدارة العامة للتعليم بالمدينة وعلى رأسهم الأستاذ الربيع رحمه الله باتزانه وثقته بنفسه وعمق ثقافته وحلمه وأناته ودماثة خلقه وكان جميع العاملين في التعليم العام يقدرونه تقديرا خاصا ويحفظون مكانه ومكانته في كل مناسبات التعليم التي تقام في تلك الأيام، وحتى بعد تقاعده لا يزال طلابه وعارفوه يجلونه ويقرون بأستاذيته واحترامه وهم في مناصبهم في شتى أنحاء المملكة ويعدونه نموذجا فريدا من رجال التربية والتعليم المبدعين المخلصين الصادقين بارك الله في عمره وزاده توفيقا وأحسن خاتمته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.