الأستاذ حامد حسن مطاوع

محمد بن صالح البليهشي

الأستاذ حامد حسن مطاوع
الأستاذ حامد حسن مطاوع

عرفت الأستاذ حامد حسن مطاوع رئيس تحرير جريدة الندوة منذ أن بدأت (الحبو) في ميدان الصحافة في الثمانينات الهجرية من القرن الماضي كان قامة من القامات اللامعة القديرة المؤثرة.

وكنت أمارس ومضات في المجال الصحفي في صحفنا في ذلك الوقت. وأفرح كثيراً عندما تنشر تلك الصحف الومضات في زاوية وأخرى، وكنت أشتري جميع الصحف التي تأتينا بالمدينة والصحف غالباً لا تأتي في نفس اليوم وعندما نجد صحيفة اليوم يجبرنا بائع الصحف أن نشتري سابقتها ليوم أو يومين، وعندما أشتري الصحيفة أنظر لها بمنظارين المنظار الأول ما أجده من أخبار واستطلاعات وحكم وعبر في ثناياها، والمنظار الثاني أجبر نفسي على قراءة الصحيفة من ألفها إلى بانها، كل ماورد فيها لا أترك شيئاً من الصحيفة إلا وقد قرأته مقابل ما دفعته من ثمن لها لقلة ذات اليد حينها وللرغبة في الاطلاع والحرص على القراءة، وكانت المنهل والعربي" في قمة المجلات التي تنتظرها بفارغ الصبر، ومن أجل شرائها في بعض الأيام قد أقتر على نفسي لتوفير قيمتها، ومع متابعتي وإدماني للصحف وشغفي بها وفرحي عندما أجد اسمي مكتوبا على خبر أو فكرة أو رأي بسيط، استهوتني جريدة الندوة التي كانت تصدر من مكة المكرمة بتألقها وبريقها ورصانتها فقررت أن أرسل إليها بعض الأخبار التي في المدينة وزاد من حماسي أن ما أرسله يلقى قبولا وينشر سريعا تحت اسمي مما زاد ذلك الحماس لدى والإعجاب بالجريدة والتعلق بها، وقد لفت ما أرسله من أخبار واستطلاعات عن المدينة المنورة نظر وحصافة وحسن رئيس التحرير يومها الأستاذ حامد مطاوع وكأني به يرحمه الله تعالى وهو محب للمدينة قد وجد ضالته في هذه المدينة المقدسة، وبرعايته التي عرفتها فيما بعد وبحسه الصحفي رأى أن يأخذ بيدي لأكون شيئاً في عالم الصحافة، وكنت يومها مدرساً مبتدئاً في المرحلة الابتدائية ولكن لدي حصيلة لا بأس بها من اللغة وعشق الحرف والتعامل مع الكلمة. وفوجئت في أحد أيام عام 1386هـ، وقد أرسلت للجريدة استطلاعاً عن موضوع معين بأنه قد عنون بـ من مراسلنا بالمدينة المنورة ... ففرحت فرحاً شديداً وصرت أحمل الجريدة وأطلع عليها كل من حولي وأنام وهي تحت رأسي وكتبت لرئيس التحرير الذي لا أعرفه بفرحي واستعدادي للتعاون مع صحيفة الندوة) وأنقل لها أخبار المدينة أولاً بأول، فتلقيت تشجيعاً بخطاب من رئيس التحرير الأستاذ حامد مطاوع يرحمه الله تعالى ومن يومها فتح لي بالجريدة جميع الأبواب ووجدت اسمي متألقا ضمن مراسلي الندوة، بل وصرت مندوب الندوة ثم مديراً لمكتبها في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكان دائم السؤال عن المدينة وعن نشاطاتي الصحفية ورسائلي التي تلقى منه شخصياً الاهتمام والقراءة والمتابعة وبتوجيه منه لي ولغيري من المتعاونين مع جريدة الندوة، كان يتعمد كتابة اسم المراسل أو المتعاون بخط مميز ويتبعه في كثير من الأحيان باتصال مشجعاً وموجها بطريقة غير مباشرة، ومن هنا كانت
أستاذية حامد مطاوع يرحمه الله تعالى. حامد مطاوع القمة الشامخة ورئيس تحرير الصحيفة المرموقة في أم القرى، كان يحسب للكلمة التي تكتب ألف حساب يتصل ويبحث ويشجع ويتحمل الأخطاء الشباب يرعاهم ويربيهم بأبوة حانية وقلب محب ورعاية كريمة.

حامد مطاوع تميز بأستاذيته لكل من رأى فيه بادرة تستحق الرعاية والعناية والاهتمام في المجال الصحفي وصار بذلك مدرسة يتعلم فيها كل من تجذبه أضواؤها فهو الأستاذ والمعلم وفوق ذلك كله يقف مع من يكون تحت رعايته في كل عثرة قد تعترضه
من عثرات الصحافة في ذلك الوقت وما أكثرها، فهو المحامي والمعلم والمرشد لكل من هم في سن الطلب للصحافة وشؤونها ولذلك اعتقد أن كل من هم من جيلي في ذلك الوقت ممن تتلمذوا على يد هذا الرمز (حامد مطاوع ) يذكر هذه الحقائق، ولذلك برز من تحت يده يرحمه الله تعالى كتاب وصحفيون أثروا في الساحة الصحفية، أذكر منهم على سبيل المثال الأساتذة: فوزي خياط وعبد الله باهيثم ورفقي الطيب وعدنان باديب ومحمد المفرجي وفايز حسين ومحمد حداد ونعمان طاشكندي وعبد الله حريري وعبد الفتاح جيزاني وقبل ذلك محمد الحساني وصالح بدوي وحامد عباس وعواض حلواني وعيسى خليل ومحمد حافظ وعبد الله مليباري وسراح حياة ومحمد المنقري وأحمد الأحمدي ومصطفى كتوعة، وكاتب هذه السطور، وغيرهم كثير مع الاختلاف في مواقف العمل، رحم الله تعالى من مات منهم وأطال في عمر الباقين وأجزل لهم الأجر والمثوبة.

لقد وجد ذلك الجيل في (أبو أنمار يرحمه الله تعالى القدوة والمثل الأعلى في التعامل والحرص على شفافية الكلمة المكتوبة والسند الذي يرتكز عليه كل منهم عندما تحين لحظة اترتحات في مساره، ولذلك جميعهم ساروا على الدرب بالثقة التي علمهم عليها وأوجدها فيهم ذلك الرجل الكبير كانوا لا يتخاطيون معه إلا بكلمة الأستاذ وهو أستاذ بحق بني دريه وسار عليه طلابه كل بقدره حتى راهم وهم يتعاملون مع الصحافة بكل جدارة واقتدار ويتناغمون مع الحرف بكل ثقة واطمئنان، بل واعتلى بعضهم قيادات صحفية مرموقة والفضل لله تعالى ثم الأستاذ الجيل. الصحفي ( حامد مطاوع ) وأنا واحد من أولئك الذين كانوا يتهيبون من دهاليز الصحافة خاصة بعدما نصحني أحد أساتذتي الكبار بعد أن رأى شموخي و افتخاري بتفاعلي مع هذه الحرفة فقال ناصحاً يرحمه الله تعالى : إن من يتعاطى الصحافة ويتعامل معها كمن يمشي على الشوك...

بقيت هذه المقولة في ذاكرتي وأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى حتى تتلمذت على تلك القامة الشامخة حامد مطاوع لقد غرس في نفسي حب الصحافة والتعامل معها بكل جدية وقدرة وحب، فمن خلال الصحافة علمنا يرحمه الله تعالى معنى الوطنية وقداسة العمل الصحفي وأمانة الكلمة وصدق الرواية والتعامل مع الناس لنقل أمالهم وطموحاتهم وعلمنا مخاطر ومتاهات هذا العمل والالتزام والرجولة والدقة والأمانة، كما علمنا ذلك الرجل صياغة الخبر الصحفي والتعامل مع صحافة الأدب وأدب الصحافة أشياء كثيرة لا يمكن أن تحصى، تعلمناها من نظراته الثانية وعمق تفكيره وثقافته وأدبه الذي يبهر كل من تعامل معه أو حظي بتوجيهاته السديدة. وأنا شخصياً لمست في ذلك الرجل حب المدينة المنورة في نفسه وكان يخصني بالكثير من الرعاية والمتابعة لأنقل له كل عمل يقدم تطوراً لهذه البلدة المباركة وأهلها، وأجد في اتصالاته وتوجيهاته لبحث الكثير من الجوانب الحياتية في المدينة ما يؤكد ذلك الحب والتقدير والفرح بأي تطور
بها أو تقدم المسار الحضارة فيها.

ومما أخبرته في أستاذي حامد مطاوع حرصه ومتابعته، ففي كثير من الأحيان وفي ظل قصور المواصلات والاتصالات نضطر لإملاء الخبر بالهاتف الثابت وكان ينسى نفسه وذاته كرئيس تحرير ويستقبل الخبر بنفسه الذي ربما كان طويلا فيكتبه إملاء من الهاتف الثابت إذا لم يجد من العاملين من يقوم بذلك، إذ لا يوجد فاكس ) ولا هاتف نقال وحتى الثابت في كثير من الأحيان يكون معطلاً أو مشغولا، معاناة كانت في العمل الصحفي ولكنه الإخلاص الذي تعلمناه من ذلك الرجل والذي يمارسه عملياً أمامنا في كثير من الأحيان ..

لقد أسس حامد مطاوع مدرسة صحفية يوم أن كان رئيسا لتحرير الندوة وجامعة للصحافة، وخلال عشرين عاماً تخرج منها الكثير ممن عملوا فيها وتعاملوا مع قائدها رحمه الله تعالى وكان من رؤساء الصحف المرموقين. الذين مثلوا الصحافة والإعلام في كثير من المؤتمرات العالمية في خارج البلاد وداخلها وهو من رجال الملك فيصل رحمه الله تعالى الذين حظوا بتقديره ومرافقته في كثير من زياراته في الداخل والخارج الرزانة عقله وعمق ثقافته في الأدب والسياسة والدبلوماسية وبعد نظره ونال العديد من الأوسمة ومنصات التكريم، وكانت مقالاته وكتبه التي أصدرها تمتاز بالرصانة في السرد والسياسة والأدب والثقافة وتوضح شخصيته وعمق ثقافته فهو بحق رجل إدارة ورجل سياسة ورجل أدب وثقافة، وقد كان عضواً فعالاً في مجلس منطقة مكة المكرمة وفي مجلس إدارة النادي الثقافي وكذلك في المجلس البلدي ومؤسسة مكة للطباعة والنشر والإعلام إضافة إلى جهوده المعروفة في جمعية البر بمكة المكرمة ولم يبخل بجاهه وماله في كل عمل خيري يرى فيه نفعاً لإنسان استعان بالله تعالى ثم به. وقد ودعت أم القرى هذا العلم والرمز الوطني في اليوم السابع من شهر ربيع الثاني لعام 1431هـ وصلى عليه جموع المصلين في المسجد الحرام
رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.