الشيخ حمدان بن حضيض
محمد بن صالح البليهشي

ودع وادي حجر مساء الأحد الماضي 1443/4/11هـ علماً بارزاً من أعلامه وقامة كبيرة من القامات التي كان لها أثر كبير في مسيرة قرى هذا الوادي العريق الواقع بين المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكان لفقد هذا العلم المميز أثره البالغ على قبائل المنطقة عموما وكافة قرى وهجر وأودية حجر على وجه الخصوص.
فقدت حجر الوادي وحجر القرى وحجر القبائل وحجر التاريخ الموغل في القدم الشيخ حمدان بن حضيض شيخ قبائل بني يزيد من حرب ذلك الرجل الذي خلف أسلافه في مشيخة قبائل بني يزيد بعد وفاة والده محمد بن حضيض الشرابي اليزيدي حيث توفي والده في عام 1374هـ واستلم بعده مشيخة القبيلة التي رأت فيه معالم التميز والنبوغ منذ نعومة أظفاره وسار بها وبمن حولها من قبائل المنطقة سيرة حسنة يسودها العدل والإنصاف والشموخ والإباء طيلة مدة تزيد عن خمسين عاماً وهو مثال للإخلاص والتضحية والحرص على إقامة العدل في الخصومات والجرأة في قول الحق وإنصاف المظلوم وعدم المحاباة في إقامة الحق والوقوف ضد الظلم والتجاوز والطغيان.
لقد اقتنع به الخصوم وأذعنوا لرأيه ومشورته وصواب قوله وفعله ولذلك أصبح يرحمه الله تعالى طيلة مشيخته على قومه في المنطقة وغيرها محل التقدير والاحترام والإذعان له وتنفيذ أوامره في كل أمر يصل إليه أو يقول فيه أو يشير به وبلغ في حقبة من الزمن من قوته وشخصيته وإنفاذ رأيه في المنطقة واحترام الناس وتقديرهم له وخوف الخصوم منه أنه يكتفي بإرسال (عقاله) إلى أي شخص مطلوب لديه لمقاضاة أو بحث قضية معه، يُرسل عقاله لذلك المطلوب فلا يسوف أو يمانع أو يبحث عن المعاذير في الحضور وقبول ما يفرضة عليه الشيخ
حمدان من موقف أو التزام أو رأي أو مشورة.
إنها القوة في الشخصية والإيمان بقبول الحق مهما كانت القضايا والمواقف.
قابلته يرحمه الله تعالى قبل عشرين عاماً وهو رجل كبير في سنه كبير في عقله ومكانته وكنت أحدث نفسي عن إذعان الناس لهذه الشخصية والسر الذي يكمن خلف (عقال) ابن حضيض وأثره في نفوس الخصوم سواء من داخل القبيلة أو من خارجها في جميع قرى وادي حجر وما حوله فرأيت رجلا قد ملىء حكمة ورزانة عقل وقلة في الكلام، رأيت رجلا يتحدث بعقل وروية
مع حكمة بالغة ولغة واضحة ومواقف متزنة.
رأيتُ نظرته الثاقبة وعقله الرزين والاستشراف المواطن الأخلاق والصدق والفضيلة، رأيتُ القوة والثقة في قول الحق والصدق والبعد عن الصغائر والبحث عن حلائل الأمور ومعالي الأمانة
والحق واليقين.
رأيت فيه ذاكرة متقدة وقوة بيان في المنطق والحديث وقدرة على استيعاب المواقف والناس على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم والإتكاء على تاريخ عميق في المشيخة والقبيلة وملكات في الإقناع واستيعاب المواقف والقوة والهيبة واقتناع الناس به وبأحكامه، لذلك كان (عقاله) الذي يرسله إلى الخصوم السفير فوق العادة الذي يوجب على الناس احترامه وتقديره وإقامة أوامره والرضا بما يفرضه وما يراه بين الفرقاء.
وكان (عقال) ابن حضيض في أزمان مضت يلقى القبول المطلق في الحضور والهيبة والإجلال والاحترام والتقدير.
كان يرحمه الله تعالى لماحاً في استعراض مواقف الرجال دقيقاً في استقبال أقوالهم وأفعالهم سريع البديهة في القول والعمل تعلوه مهابة المشيخة والصدق في الدين والأمانة والبحث عن مواطن النبوغ والإبداع والإعجاب بحكمة الشعر ودوره في حل الكثير من المشاكل
والمواقف والعراقيل.
بل وكان إلى جانب حكمته وقوته شاعراً مجيداً يعمد إلى الشعر في كثير من المواقف التي يرى أن الشعر له طريق في مسارها خاصة إذا عرف أن الطرف الآخر يعرف الشعر أو يتذوقه ويفهم معانيه وهناك الكثير من المواقف في حياته يرحمه الله تعالى كان يدخل إلى أعماق محدثه بالشعر ليستجذب الصدق وقول الحق ومن تلك المواقف التي عرفتها منه موقف بين طرفين أحدهما جاءه شاكيا والآخر تعدى ديار حجر إلى ديار أخرى وبعد مدة قابل الشيخ حمدان ذلك الهارب فقال له شعراً مداعباً ومذكراً له بفعلته :
أنا جاني خبركم يوم هيفتوا مع العرقوب لكن الله جذبكم وإنكم في حبس حمداني تعديت الحدود وتحسب الناس عمياني علامك يوم تقفى وأنت لاسالب ولا مسلوب
فرد عليه ذلك الرجل قائلا :
لعل يطول عمرك بالأمير اللي حصل مكتوب ترى ماهو بشاري مير مخلوق غواني
أنا تحت الطلب حاضر ليا من قلت مطلوب
ولا أجزع من سبول الحق يوم الحق ياطاني
ورد عليه الشيخ حمدان شعراً وأجاب المطلوب بأبيات جميعها أسئلة وحكم وانتهت القضية بهذا الأسلوب الراقي الجميل والبديع مظللة بالحب والتقدير والتضحية والشموخ والاحترام
والتقدير.
والشيخ حمدان بن محمد بن حضيض سليل أسرة عريقة في قبائل بني يزيد من حرب وقد أسس مشيخة ابن حضيض الشرابي الشيخ عامر بن هجار الذي اختارته قبائل بني يزيد شيخا لهم في عام 1228هـ لما امتاز به من قدرات فكرية ورجولة وحسن قيادة.
وهذا المؤسس للمشيخة قام ببناء قلعة (عفير) الشهيرة التي كانت إحدى الدروع الحصينة وتسمى (مجملة) وكانت قلعة شهيرة جرت بها وحولها العديد من المعارك التي خلدت قصائد الشعراء دورها في حماية حجر من الاعتداء أيام السلب والنهب والعداوات بين القبائل قبل أن تستظل البلاد بمظلة العهد السعودي الميمون الذي خيم فيه الامن والاستقرار أرجاء الدولة من أقصاها إلى أقصاها.
ويقف إلى جانب (مجملة في حجر العديد من القلاع والحصون ومن أشهرها (قصر أو قلعة المناقيش).
وبعد الشيخ عامر بن هجار تولى مشيخة القبيلة هذال بن عامر بن هجار ثم الشيخ حضاض بن عامر بن هجار الذي كان فارسا شجاعاً وشاعراً مفوها وحكيماً من حكماء القبائل في وقته عام 1294هـ قتل هذا الشيخ في إحدى المعارك الضارية فخلفه ابنه عبد العزيز بن حضيض ثم تولى أخوه محمد بن حضيض مشيخة القبيلة وبوفاته عام 1374هـ اختارت قبائل بني يزيد ابنه الشيخ حمدان بن محمد بن حضيض وتوج اختياره بالأمر السامي الكريم الصادر في 1376هـ.
والشيخ حمدان هذا هو شيخ قبائل بني يزيد الذي أمضى أكثر من خمسين عاما في مشيخة القبيلة وخدمة حجر وأهلها وضحى بالكثير من أجل أن يحظى حجر بما يستحقه من تطور ورفعة ورقي وتقدم في ظل دولة العز والشموخ في دولة آل سعود العزيزة الغالية، وبقي الشيخ حمدان بن حضيض شيخا للقبيلة حتى عام 1431هـ حيث تنازل لظروفه المرضية لابنه حضاض بمشيخة القبيلة وتوج تنازله بموافقة المقام السامي على ذلك. وفي مساء يوم الأحد الماضي ودعت حجر بقراها وقبائلها ذلك الشيخ العلم الذي ترك فراغا كبيرا بوفاته في منطقة حجر وما حولها بل في قبائل حرب بعامتها، وودعت حجر ذلك العملاق العلم الرمز الذي يذكر بجلائل الأعمال وطيب الفعال التي ستبقى الأجيال تذكرها جيلا بعد جيل.
رحم الله تعالى الشيخ حمدان بن حضيض أبو حضاض رجل المواقف والمعاريف ورجل الحكمة والشعر الرصين ورجل الهيبة والشموخ والإباء رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وعزاؤنا لأبنائه وجماعته قبائل بني يزيد وعلى رأسهم شيخ القبيلة احضاض بن حمدان بن حضيض) ولوادي حجر في عمومه ولحرب في كافة مناحيها
وقبائلها.






