الشيخ حماد بن محمد الأنصاري

محمد بن صالح البليهشي

الشيخ حماد بن محمد الأنصاري
الشيخ حماد بن محمد الأنصاري

في أواخر التسعينات الهجرية من القرن الهجري الماضي كنت في زيارة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في عهد رئيسها الأسبق الشيخ الدكتور عبدالله الزايد رحمه الله لإجراء لقاء صحفي معه يوم أن كنت مديرا لمكتب جريدة الندوة بالمدينة المنورة وكانت تربطني بالشيخ الزايد عليه رحمة الله علاقة معرفة منذ أن أتى إلى المدينة المنورة مديراً لفرع المعهد العالي للدعوة بالمدينة المنورة وعلى باب مكتبة الجامعة رأيت عدداً كبيراً من طلاب الجامعة يحيطون برجل طويل القامة جهوري الصوت يميل إلى السمرة ويحرص الطلاب على القرب منه ويسارعون في مساءلته عن الكثير والكثير من المعلومات والمسائل اللغوية والفقهية وهو يوزع نظراته بينهم ويحاول أن يجيب على تساؤلاتهم ويخطو خطوات بينهم ثم يتوقف لرد سؤال أو إجابة لهؤلاء الطلاب الذين بدا من أسئلتهم أنهم ليسوا في مستوى دراسي واحد كما بدا من لهجاتهم ولغاتهم حيث أظلتهم الجامعة من بقاع شتى بين جنباتها وكلياتها وأقسامها وطال وقوف ذلك الرجل بين أولئك السائلين أوقفوه وتشعبت أمامه أسئلتهم وهو بطول قامته وفصاحة لغته وسعة أفقه يوزع كلماته بينهم مجيباً أو مصححاً لما يسمعه من قول، فسألت أحدهم عن هذا الرجل العملاق الذي حرص كل واحد من المحيطين به على أن يحظى منه بإجابة أو استفسار أو تصحيح فقال هذا الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي أحد مدرسي الجامعة الكبار، هذا محدث المدينة في الوقت الحاضر ومن يومها عرفت الشيخ المحدث حماد الأنصاري حيث التقيت به في العديد من المرات بالمسجد النبوي الشريف في حلقات الحرم أو في مراقبة المدرسين بالمسجد الشريف أو في مكتبته العامرة بآلاف الكتب والمصنفات والمراجع وهي لا تكاد تخلو ليلا أو نهارا من الطلاب والعلماء والباحثين والكتاب والأدباء والمثقفين الذين وجدوا في علم الشيخ رحمه الله ما يغنيهم عن البحث في العديد من المراجع وفي إجاباته ما يكفيهم عناء سؤال غيره لأنه رجل موسوعي في علم اللغة والحديث وعلوم الشريعة عموما، كما أوجد الشيخ في مكتبته هذه التي أمضى من عمره قرابة خمسين عاما وهو ينتقى مراجعها ومصنفاتها وينمي كتبها حتى بلغت أكثر من ثلاثة آلاف مصنف بين عناوين ومجلدات في علوم السنة والعقيدة مطبوعة أو مخطوطة مصورة.

والشيخ حماد رحمه الله يعتبر رمزاً مضيئاً من رموز علماء المدينة المنورة في علوم الحديث والعقيدة في النصف الثاني من القرن الهجري الماضي أحب المدينة وعاش بين مسجدها العظيم وجامعتها العالمية الشاملة واستروح نسماتها وروحانيتها حتى خالطت جسده وروحه لمعرفته الحقيقة. بمكانتها وقداستها بين أماكن الدنيا بأسرها وكانت في مخيلته وأعماق نفسه منذ نشأته الأولى في (مالي) الأفريقية عندما كان يعيش في كنف أمه وأخواله وعناية عمه عالم إفريقيا ومفتيها الذي لقبوه (بالبحر) لسعة علمه ودقيق فهمه.

فأسرته في عمومها أسرة علم وقضاء ولذلك حفظ القرآن الكريم وهو لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره وتلقى من خاله الشيخ محمد أحمد تقي الدين الأنصاري علوم القرآن والنحو والصرف وعلم الأصول والفقه المالكي والموطأ والصحيحين وتغذى بفنون البلاغة من الشيخ المحقق موسى بن الكسائي الأنصاري ومن كل ذلك وغيره تكونت لديه في سن مبكرة حصيلة علمية مكنته من الاستزادة والتفكير العميق في طلب العلم والشوق إلى بلاد الحرمين الشريفين التي نشأ فيها نبي الأمة صلى الله عليه وسلم والتي انتشر منها الإسلام إلى بقاع الدنيا وارتسمت في ذهنه من خلال تعمقه في فنون الحديث الشريف ومبادئ الإسلام ونهجه العظيم الأماكن التي شع منها هذا الدين. العظيم في مكة المكرمة والمدينة المنورة فعقد العزم على الهجرة إليها والتشرف بأماكن نزول الوحي ومسار انتشار دين الإسلام العظيم. فرحل في هجرة مليئة بالمصاعب ابتدأت في عام 1365هـ وانتهت في عام 1367هـ بوصوله إلى ربوع مكة المكرمة ورؤيته لأنوار الكعبة المشرفة حيث اطمأنت نفسه فيها ووجد في حلقات المشايخ حامد الفقي ومحمد حمزة ويحيى المعلمي وعبد الله المشاط وتقي الدين الهلالي وغيرهم بالمسجد الحرام ما ركز الذي لديه من علم ووثق حصيلته من ثقافة وما لبث أن ضمته المدرسة الصولتية مدرساً في مراحلها المختلفة ونال ثقة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ ورشحه للتدريس في حلقات المسجد الحرام، ومع بدايات العام الهجري 1374هـ ولما عرف عنه من سعة ثقافة وجدارة ونقاء عقيدة اختير مدرسا في المعهد العلمي بالرياض ثم معهد إمام الدعوة وما لبث أن حطت رحاله في مدينة المختار صلى الله عليه وسلم في عام 1385هـ مدرسًا بالجامعة بهذه المدينة المباركة التي هي غاية أمنياته منذ بدايات سن الطلب ووجد طلابه في كليات الشريعة واللغة والقرآن الكريم والحديث منه علما غزيراً وبحراً متدفقاً من العلوم والمعارف يزينها تواضع جم وشموخ لمعالي الأمور والأخلاق والتربية، ولما رأت إدارة الجامعة منه من غزير علم وجهته ليكون أستاذاً مشاركاً في العقيدة والسنة ورئاسة مركز العقيدة في الدراسات العليا بها.

وخلال مسيرته العلمية في مختلف محطات عمله يدين له الكثير من أصحاب الفضيلة العلماء بالفضل والأستاذية وعلى رأسهم المشايخ والدكاترة عبد الله بن جبرين وبكر أبو زيد وربيع هادي وصالح العبود وعلي الفقيهي وصالح آل الشيخ وصالح السحيمي وصالح الفهد المزيد وعطية محمد سالم ومحمد ناصر العجمي وعمر فلاتة وغيرهم الكثير.

فهو رحمه الله موسوعة بل جامعة تتحرك على الأرض، ولهذا أفاد منه طلاب الجامعة في مختلف مراحلها ومع بدايات العام الهجري 1409هـ تمت ترقيته إلى درجة إسناد ثم أحيل على التقاعد من الأعمال الرسمية.

وتفرغ لمكتبته في داره التي صارت جامعة مفتوحة يجد فيها العلماء والأدباء وطلاب العلم مبتغاهم ويزينها مجلسه الحافل الذي ينثر فيه جواهر علم ولآلئ منطوقة في تواضع العلماء وكياسة الحكماء ودقة الفقهاء وبلاغة ذوي البيان والفصاحة واللغة، ومما سجله طلابه عنه من جوامع كلمه: (ما أكثر ما كتب وما أقل ما قرئ خذوا كتاب ابن جماعة في آداب السامع والمتعلم واقرأوا كل يوم فصلا منه، إن طلبة العلم شغلهم العدو عن الطلب وإن طلب العلم واجب عليهم في هذا الوقت وقال عن الدعوة إنها ميدان لا يتبغي أن يدخل فيه إلا أهل البصيرة، وقال عن العلماء على العلماء أن يحدثوا الناس بما يعقلون وأن لا يدخلوهم في المتاهات وقال عن جماعة الإخوان: لا تقربوهم فكل ما عندهم شبهة. احترسوا من الناس بسوء الظن وأنا الحفظ كثيراً من أهل هذا العهد وبالأخص من الشباب وقال عن طالب العلم لا تكثر من قراءة الكتب التي فيها الشذوذ العلمي، وقال عن ما يسمونه الصحوة: إن الصحوة التي تذكر هذه الأيام هي ليست صحوة بل غفلة عن طلب العلم، إن هذا العصر مريب خاصة بعد فتنة الحرم ...

وكثيرة هي حكمه ووصاياه رحمه الله وكثيرة هي مناقبه التي قالها عنه عارفوه ومن ذلك ما قاله عنه فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء وعضو هيئة كبار العلماء حينما سئل عن الشيخ حماد قال:
عرفت في الشيخ حماد حب الحديث وعلومه والحرص على جمع كتبه الخاصة بعلوم الحديث وفقهه وما يتعلق برجاله ويسعى لجمع المخطوطات ويبذل في ذلك الجهد والمال.
وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ نائب المفتي العام الشيخ حماد رجل معروف بعمله واستقامته وبذله لعلمه ومكتبة مفتوحة لطلبة العلم يستفيدون منها وينهلون منها وهو معروف بحسن المعتقد ومحبة السنة والتمسك بها وهو رجل صالح وذو تقى كما علمناه )

وللشيخ حماد بن محمد الأنصاري العديد من المؤلفات في الحديث واللغة والعقيدة ومن ذلك مثلا كتابه سبيل الرشد في تخريج أحاديث بداية ابن رشد أربعة أجزاء، وفتح الوهاب في الألقاب وإرشاد القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني وإعلام الزمرة بأحكام الهجرة وعقيدة أبا الحسن الأشعري وإتحاف الخلان بما ورد في ليلة النصف من شعبان والأجوبة الوفية عن أسئلة الألفية وغيرها كثير.

وكان يردد أمام طلابه ومحبيه أبياتاً يتمثل بها تقول:
اصحب من الناس من ترجو مودته
ومن يفيدك في علم وفي عمل
واريا بنفسك عن خل أخا حمق
فإن صحبته تؤوي إلى الزلل
والكتب فانظر بها تنبيك فائدة
لا يجهل الكتب الا صاحب الجهل

رحمه الله الشيخ العلامة المحدث المفسر أيا عبد اللطيف الشيخ حماد الأنصاري الذي عرفه محيوه والباحثون وطلاب العلم والمعرفة مكتبة زاخرة تمشي على الأرض طيلة أكثر من ثلث قرن من الزمان في طيبة الطيبة لا يهدأ ولا يستكين في نشر علمه وإفادة سامعيه وكان قدوة في سمعته وعلمه ونصحه ودعوته منذ جاء إلى آخر أيامه وقد شهد بقيع الغرقد بالمدينة المنورة الجم الغفير من العلماء والوجهاء وطلبة العلم الذين ساروا في جنازته يوم وفاته مساء الأربعاء الحادي والعشرين من شهر جمادى الآخرة عام 1418هـ بعد الصلاة عليه بمسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم عقب صلاة العصر من ذلك اليوم ولايزال ذكره رطباً في السن الناس بالمدينة المنورة رغم مرور أكثر من ربع قرن على وفاته رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.