الفريق حمد بن عبد الله العريفي
محمد بن صالح البليهشي

غادرنا إلى دار البقاء والخلود يوم الأربعاء الماضي 1446-2-17 هـ الفريق حمد بن عبد الله العريفي وهو واحد من محبي المدينة المنورة ومن الذين كتب الله لهم العمل بها والحياة في ربوعها في نهاية مساره في هذه الحياة الدنيا وقد عرفه المجتمع المدني كرجل معروف وحب وتقدير لكل الناس على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم يسعى إلى كل بادرة إصلاح وحل مشكلة وتفريج كرب وفتح أمل أمام عارفيه وقاصديه، ومجلسه كان مفتوحا وقلبه قبل منزله. يستوعب كل أولئك بصدر رحب ونفسية راضية وابتسامة دائمة ولا يأنف من أحد ولا يمنع سائلا ويعيش مع كل صاحب حاجة كأنه شريكه ويتغافل عن الزلات ويقرب ذوي الحاجات، هكذا عرفه مجتمع المدينة مسؤولا ومواطنا ورجلا مسلما يحمل قلبا كبيرا لا يغريه منصب ولا تزل قدمه عن سعيه في دروب الخير والصلاح والإصلاح، إضافة إلى حبه للمدينة المنورة ومعرفته بقداستها ومكانتها بين مدن الأرض، وكان جادته معمورة إلى مسجدها العظيم ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى، إضافة إلى تلك الوطنية التي غطت عليه كل جوانب حياته فهو وطني من طراز فريد يحب بلاده وولاة أمره ويسقي أصدقاءه ومرتاديه والعاملين معه جرعات الوطنية والإخلاص والانتماء لهذه الأرض ولقادتها وكافة مكوناتها ومقدراتها.
الفريق حمد العريفي رمز من رموز بلادنا الذين يجب ألا تنساهم ونسجلهم في لوحات الشرف لإخلاصه ونقاء قلبه وقوة انتمائه وتفانيه في حب الوطن وخدمته بشرف ونزاهة وبعد نظر. إنه رمز للوفاء والإخلاص طيلة حياته وفي كل المدن والمناصب التي تقلدها في كافة أرجاء البلاد، امتاز بعقله الكبير ونظرته البعيدة الشاملة لكل جوانب الحياة وبعده عن التكبر والغرور في كل مكان يحل به على مستوى المسؤولية وعلى ومستوى والوطنية والإنسانية، رجل واقعي في مسار حياته وتعامله ونظرته للأشياء من حوله تشرب حب الوطن واستنشق عبيره وتاريخه منذ ولادته في حائل عام 1354هـ، ثم في العلا بصحبة والده حيث كان عمله، وعلى مدارج مدرسة العلا ثم المدينة في مدرسة النجاح وحصوله على الابتدائية ثم مدرسة الرحمانية في مكة المكرمة ونيله شهادة المتوسطة، ودخوله المدرسة الشرطة في مكة المكرمة في عام 1370 هـ، وبعدها بسنتين ضمته الدورة العاشرة بمدرسة الشرطة في أم القرى ونال بها الدبلوم وتخرج برتبة ملازم في عام 1372هـ. وتسلم عمله في شرطة مكة ومن ثم تم نقله إلى الشرقية ولما رأى فيه المسؤولون من حيوية وجدارة تسلم إدارة مدرسة الشرطة في مكة في العام الهجري 1376هـ، وما لبث أن تم نقله في عام 1382هـ إلى شرطة الطائف وبعد أن عمل بها، نقل إلى جدة مديرا للشؤون الإدارية والمباحث الجنائية في شرطتها، وبعدها في عام 1384هـ صدر الأمر الكريم بتعيينه مديرا لشرطة مقاطعة جازان ولما أبداه من حنكة ودراية وإخلاص حطت رحاله في الرياض مرورا بالمدينة كمساعد لمدير شرطتها وأوكل إليه في الرياض عام 1388هـ المشاركة بتأسيس المعاهد العسكرية كمعهد الضباط ومعهد اللغات والمعهد الفني ومعهد ضباط الصف والجنود ومعهد قيادة السيارات، كل تلك المعاهد كان رمزنا أبو فهد) إسهام فاعل في تأسيسها، وما لبث أن صدر الأمر له بقيادة قوات الحج والمواسم والطوارئ في مكة المكرمة، ثم عيين مديرا الشرطة جدة، ومع حلول العام الهجري 1396هـ عين (العريفي) مديرًا لشرطة تبوك، وبعد ستة سنوات حطت رحاله في شرطة المدينة المنورة مديرا لها في عام 1401هـ، وبعد تسع سنوات عين نائبا لمدير الأمن العام بالرياض، وصدرت الأوامر بترقيته إلى رتبة فريق، وفي عام 1413هـ ألقى عصا التسيار متقاعدًا، وعين عضوا بمجلس منطقة المدينة المنورة في دورته الأولى وعمل بالمجلس حتى نهاية تلك الدورة.
وبهذا المسار المنوع قضى أبو فهد) سبعة وأربعين عاما متصلة في خدمة الوطن والمليك والأمة في مشوار ملئ بالخبرات والأعمال والأماكن و الأحداث كان خلالها مثال الضابط الأمين والمواطن المخلص والإنسان المسلم في كل حركاته وسكناته لا يكل ولا يمل، وبهذا استحق تقدير المسؤولين في كل موقع وعمل يحل به فمنح وسام الملك عبد العزيز ووسام الملك فيصل ووسام الملك خالد ووسام (الأرز) برتبة ضابط ومنح عضوية الشرف في مركز دراسات وبحوث المدينة المنورة ومكتبته مليئة بخطابات الشكر من قادة بلادنا ومسؤوليها وركن الأنواط والدروع وشهادات التقدير يزخر بالمئات منها ويضيء العديد من جوانب حياة هذا الرجل.
عرفت الفريق (العريفي) عندما كان مديرًا لشرطة المدينة المنورة. أتاني وأنا أعمل مديراً بمدرسة ثانوية راغبا في إدخال أحد أبنائه بالمدرسة، أتاني بلا رسميات وعرفني بنفسه ورغبته، واشترط على من تواضعه وواقعيته أن يُعامل ابنه كطالب عادي من بين طلاب المدرسة، وأنه سوف يأتي بين وقت وآخر للاستفسار والاستطلاع دون أن يعلم أحد من العاملين بالمدرسة بعمله ورتبته تواضعا منه، وكان في ذلك الوقت يحمل رتبة (لواء) ومن المقربين المقدرين من صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أمير منطقة المدينة المنورة وقتها، وفعلا تم ما أراد، وفي نهاية المطاف شرفني بخطاب شكر مليء بالإشادة والتقدير وبالعاملين بالمدرسة وحسن سيرها وتعاملها مع طلابها وأولياء أمورهم. ولا يزال الخطاب لدي محتفظا به لأنه يعبر عن صفة من صفات الكبار عندما يتنازلون عن أدوار العظمة يتمثلون بقول الشاعر:
ملأى السنابل ينحنين تواضعا
والفارغات رؤوسهن شوامخ
فالرجل كانت سمته التواضع وتعجبه الانضباطية والإحساس بالمسؤولية ويسعى إلى الإعجاب بها وتنميتها والحث عليها. بعد تقاعده، إضافة إلى مجلسه المعتاد، كان يقيم كل شهر حفلا للمتقاعدين في بيته أو مزرعته للتعرف على أحوالهم وسماع أخبارهم، وقد حضرت بعضا من تلك اللقاءات وسمعت منه كثيرا حول مسار حياته العسكرية ودوره الاجتماعي ومما ذكره بأمسية من تلك ما قاله الملك فهد رحمه الله وهو يرى العريفي مسلما عليه بعد تقاعده قال: هذا العريفي تقاعد نظيف القلب واليد.
وعندما تم تعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز أميرا لمنطقة تبوك وأتى العريفي مسلما وفي تواضع من الأمير طلب منه النصيحة فقال: (أبو فهد) أنت أمير وعارف كل شيء فأصر الأمير عبد المجيد عليه فقال أما وقد أصررت على ذلك فإنني أنصحك بثلاث نصائح أولها مخافة الله في السر والعلن، والثانية عدم التسرع في تنفيذ ما قاله المواطنون أمامك عن بعض المسؤولين، والثالثة يعلم سموك بأن منطقة تبوك كبيرة ومحافظاتها كثيرة تحتاج إلى زيارات منك مستمرة لسماع طلبات المواطنين.
وتطرق (الفريق) إلى شيء من الأحداث التي مر بها خلال مسيرته الطويلة وهي كثيرة لا يتسع المجال لذكرها من بينها - نجاته من انفجار لغم جيزان وإقناعه لأحد الأشخاص بالمدينة للتنازل عن دم غريمه - وإقناعه لرجل مدجج بالسلاح بالركوب معه والاستسلام له وتسليم نفسه، وسعيه الحثيث للإصلاح والتسامح وجمع الشمل في كثير من القضايا الأسرية والقبلية وغيرها واستصلاح العديد من الأفراد وصف الضباط والجنود في كثير من المواقع التي ترأسها للاستقامة والانضباط والشعور بالمسؤولية. وبدافع من الحس الأمني الذي تشربه الفريق العريفي أسس بعد تقاعده مؤسسة الحراسات الأمنية التي كانت جديدة في مجالها واستطاع أن يوجد العدد الكبير من الشباب العاملين بها الذين خدموا أنفسهم من خلالها وبنوا حياتهم بواسطتها.
هذه لمحات عن (رمزنا) الفريق حمد العريفي الذي اختار المدينة في آخر حياته مسكنا وإقامة. وعرفه المجتمع المدني في أواخر القرن الماضي والنصف الأول من هذا القرن واحدًا من الرموز التي لن تنساها ذاكرة المدينة، ومن الصفوة التي تخلد ذكراهم الحمدية وسيرهم العطرة وهو أولا وآخرا أحمد بن عبدالله العريفي الذي أحب المدينة وضمته تربتها في بقعيها الفرقدي بعد صلاة العشاء من مساء الأربعاء الماضي، من جموع المصلين في هذا المسجد العظيم رحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه فسيح جناته.






