الشيخ فلاح بن دخيل الله الزائدي
محمد بن صالح البليهشي

واحد من شيوخ قبيلة الزوائد) من جهينة اعتبره رفيق درب في مجالات العمل والدراسة والصحافة وشؤون الثقافة والأدب والمعرفة، امتاز عنا نحن رفقاء دربه بعصاميته التي جعلت منه نموذجاً فريدا من الرجال رأيته قبل أيام برفقة ابنه فلاح الذي رأيت منه برا بوالده المرضه رعاية واهتماماً وحسن رفقة ومعاملة، أرجوا أن ينال من وراء ذلك البر الخير الكثير في نفسه وصحته ومسار حياته.
وصديقنا فلاح دخيل الله بن مصلح الزائدي الجهني كانت أول جرعات الحياة القاسية عليه فقد والدته وهو لايزال صغيراً، فعاش يتيم الأم تحت رعاية والده في مدرك قبيلته اترعة بنواحي مدينة العيص، حيث أدخله المدرسة السعودية في العيص فكان يسير إليها مشيا على الأقدام مسافات طويلة رغم يفاعة سنه وظروف حياته الصعبة، ورغم حاجة والده إليه في رعاية الغنم والوقوف معه، وبقي في مدرسة العيص حتى نجح من السنة الخامسة الابتدائية، ثم كان ضمن طلاب مدرسة حمزة بن عبد المطلب الابتدائية بجوار جبل أحد بالمدينة المنورة التي نال شهادات الصف السادس الابتدائي منها، ورأى فيه مدير المدرسة آنذاك نجابة ونباهة وقوة ذاكرة وحاجة للمساعدة، فألحقه مراسلاً بنفس المدرسة، وهيأ له مكتبة المدرسة يقضي بها جل وقته ووجد طريقه إلى المسجد النبوي الشريف في حلقات الدرس التي استفاد منها كثيراً، وحفظ بعض أجزاء القرآن الكريم وهيأ الله له عملا في إدارة البرق والبريد الهاتف كاتباً، ثم كان ضمن موظفي الرئاسة العامة لتعليم البنات بمسابقة للتوظيف نال فيها الأولوية، ومع كل ذلك كانت دراسته النظامية ليلا في مدارس المدينة حتى تحصل على الثانوية العامة من مدرسة طيبة الثانوية، وزاد طموحه في الدراسة الجامعية منتسباً وتحصل على شهادة الليسانس) في التاريخ من جامعة الملك عبد العزيز، التي أهلته ليكون مديراً لوكالة الشؤون البلدية للمنطقة الغربية والشمالية في جدة ثم انتقل إلى الطائف بوظيفة مساعد رئيس بلدية الطائف بمسابقة وظيفية فاز فيها بامتياز، وكانت المدينة المنورة التي أحبها وتعود على الحياة بين ربوعها هاجسة خلال فترة عمله في جده والطائف حيث عاد إليها بمنصب مدير عام الشؤون المالية والإدارية في أمانة المدينة المنورة وسار فيها سيرته المعهودة حرصاً وإخلاصاً وأمانة وحسن إدارة حتى وصل إلى المرتبة الثالثة عشرة في وزارة الشؤون البلدية والقروية وكانت سيرته الحسنه وصدقه مع نفسه وعمله بإخلاص تسبق أوراقه للترقية لدى المسؤولين بالوزارة. وخلال عمله في أمانة المدينة المنورة مديرا عاما للشؤون الإدارية والمالية كانت إبداعاته مميزة في عمله وحسن تعامله وإخلاصه مع العاملين معه ومع مرؤوسيه محل التقدير والعرفان والإجلال وعهد إليه رئاسة تحرير مجلة الأمانة ورئاسة الجانب الإعلامي بالأمانة أيضا، وكان أبو نايف وعاناً ملينا خبرة ومعرفة من خلال تعامله مع الصحافة بكل فنونها، ووثق به المسؤولون في افتتاح مكتب لصحيفة البلاد بالمدينة المنورة وصار أحد محرريها، وأشرف على صفحة في جريدة المدينة المنورة تحت عنوان (منبر المدينة إضافة إلى عموده الأسبوعي في نفس الجريدة الذي اعتاد أن ينقل من خلاله هموم المجتمع المدني ونبض الشارع في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم والذي أوجد للجريدة كثيرا من القراء والمتابعين والمعجبين. وكان فلاح بن دخيل الجهني في بداية القرن الحالي شعلة من النشاط في عمله الرسمي وفي تعامله مع الإعلام والعلاقات الاجتماعية، لا يهدأ ولا يستكين تزين بالتواضع والواقعية وحب الناس وقضاء الكثير من حوائجهم على مستوى أسرته وقبيلته ومعارفه ومراجعيه ومن يلوذ به.
وأثناء ترؤسه لمجلة الأمانة التي نالت حظوة وقراء ومتابعة لكل شؤون المدينة وشجونها، كنت أحظى بثقته وصدق زمالته وحبه لكل الكتاب والمبدعين لإثراء المجلة في جميع أعدادها التي استمرت متألقة بضع سنوات، والذي كان فلاح الجهني عمودها الأساسي ومناط تطورها وإشراقها وحرص المسؤولين على التفاعل معها بعد أن فتح أمامها جميع الأبواب والمنافذ لتكون واجهة مشرقة ووسيلة إعلامية تنقل نبض وجهود الأمانة وتشارك في المناسبات الوطنية.
كنت أتلقى منه كغيري طلب المساهمة في إثراء المجلة والكتابة فيها، وكانت مساهماتي في تلك المجلة تحت عنوان أيام مشرقة في تاريخ المدينة)، وكنت أشفق عليه من خلال حرصه ومتابعته وتصحيحه بكل ما تحمله المجلة من رؤى وأفكار واستطلاعات في عهد أمير المدينة المنورة وقتها صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز وفي عهد أمين المدينة الأسبق المهندس: عبد العزيز الحصين رحمهما الله.
ومن على منبر مجلة الأمانة وفي شهر رجب عام 1420هـ وفي زيارة سمو ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز حينها للمدينة ومن خلال عموده الأسبوعي في جريدة المدينة المنورة كان أبو نايف صوتاً وطنيا مشرقا من الأصوات التي نادت وقتها بتحويل فرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة إلى جامعة مستقلة باسم جامعة طيبة ومما قاله في مقال له:
ياسيدي في كل جزء من أجزاء بلادنا مترامية الأطراف تفضلتم بزيارته وضعتم لبنات جديدة بمنجزات كبيرة والمدينة حظيت بالخير الوفير من هذا العطاء إلا أن أهالي منطقة المدينة المنورة يتطلعون وكلهم أمل بلفتة سموكم إلى إصدار الأمر الكريم بهذه المناسبة السعيدة بتحويل فرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة إلى جامعة تستكمل فيها جميع التخصصات لتستوعب الأعداد المتزايدة من خريجي الثانويات في منطقة شاسعة يعجز الفرع الحالي من الجامعة عن استيعابهم، مما يضطرهم إلى البقاء بالبيوت أو التنقل بين جامعات المملكة إذا حظوا بالقبول، أمنية ليست عزيزة على فيض عطائكم، وتبقى ذكرى هذا العطاء عالقة في أذهان أبنائكم ولبنة جديدة من لبنات البناء.
وتأسست جامعة طيبة وسجل تاريخها اسم الأستاذ الكاتب الصحفي الأديب فلاح الجهني ضمن الأصوات الوطنية المميزة التي أسهمت في المناداة المخلصة لوجود هذه الجامعة.
وكانت له خلال وجوده في أمانة المدينة المنورة جهود تذكر وتشكر مع الإخلاص والأمانة وحسن الأداء، وتلقى العديد من خطابات الشكر والتقدير من المسؤولين على مستوى منطقة المدينة وعلى مستوى وزارة الشؤون البلدية والقروية، كان صوته مسموعاً وخطواته واثقة وإخلاصه ليس له حدود، وبعد خدمة تجاوزت أربعين عاماً بدأها من الصفر إلى أعلى المراتب الوظيفية بعصامية مميزة وبناء لذاته ثقافيا وعلمياً واجتماعيا، وضع عصا التسيار متقاعداً، وأوجد له موقعاً بعضوية مجلس منطقة المدينة المنورة لدورتين من دورات المجلس، كما تم ترشيحه بالتزكية ليكون أحد أعضاء المجلس البلدي في طيبة الطيبة الدورتين متتاليتين وأخيراً عهد إليه تأسيس جمعية المتقاعدين بالمدينة المنورة ورأس تلك الجمعية لثلاث سنوات. لقد حفر طريقة في هذه الحياة في الصخر وتألق في كل عمل أو إدارة حل بها وتكونت لديه ثقافة عالية، ونمت في نفسه ملكة الكتابة الصحفية وكانت مساهماته واضحة، حيث دخل في دهاليز الصحافة من أبوابها الواسعة وسجل في جنباتها هموم الشارع ومطالب الحياة للوطن والمواطنين، وقد عرف بآرائه الصائبة وفلسفته بثقافة عالية وأسلوب رصين، وقد حمل عدد مجلة الأمانة الذي صدر بمناسبة اليوم الوطني كلمة إضافية له باعتبار تخصصه في التاريخ متحدثاً عن الملك عبد العزيز قائلا:
الحديث عن الملك عبد العزيز رحمه الله مؤسس هذا الكيان الكبير حديث متشعب المادة، عزير النبع، يجد فيه كل متخصص ما يشبع رغبته وما يدفعه للمزيد من العطاء في مجال البحث في مختلف مناحي الحياة. علاوة على عمق علاقة الجوار المتعمقة التي تميز بها جلالته طيب الله ثراه، واستطاع بسياسته ودهائه أن يأمن جانب جميع جيرانه في مرحلة التأسيس بحكمة وعقلانية وتفاعل مع الأحداث العالمية الساخنة آنذاك دون تشنج أو تهور، بل يبعد نظر ووضوح رؤية مما أكسبه ثقة الجميع
وقال: (إن احتفالنا بيوم الوطن المجيد ينبغي أن لا ينظر إليه كأي يوم من أيام الأوطان التي تحتفل بها الأمم إنما هو يوم الوحدة لدينا واعتماد شرائع السماء منهجا لهذه الوحدة التي حيرت الكثير من المتتبعين لمراحل التاريخ ورؤية الرجال والأعمال لا تقاس إلا بنوعيتها، وأعمق الأعمال أثرا ذات الثوابت القوية، وخير العاملين من تصدق نيته وتطيب سريرته ).
وأقول هنا بأن الأستاذ فلاح الجهني) علم من الأعلام الثقافية ورمز من رموز الوطن ومثل يحتذى في الكفاح والعصامية وقد نثر لآلئ ثقافته في أروقة الصحافة على مدى خمسين عاماً، وما أحرى ابنه الأستاذ نايف فلاح) وهو على درجة كبيرة من الثقافة والمعرفة وأحد أعضاء مجلس إدارة نادي المدينة المنورة الأدبي أن يجمع إنتاج والده الثقافي والصحفي المتناثر) في المجلات والصحف المحلية وهو كثير وغزير في كتاب يحفظ شيئا من تاريخه وشيئا من سيرته ودروب كفاحه كنموذج من نماذج العصامية والعطاء والجهد والتعب والطموح التي ميزته عن غيره في رحلة حياته المليئة بالأحداث والتي جعلت منه رجلا وموقفاً وطموحاً من القاع إلى قمة شقاء تطلع إليها وتربع على رأسها بكل ثقة واقتدار. حفظ الله أبا نايف وأمده بالصحة والعافية وطول العمر في طاعته سبحانه وتعالى.






