الدكتور (ف) عبدالرحيم
محمد بن صالح البليهشي

بعد ستة وخمسين عاماً عاشها الشيخ (ف) عبد الرحيم) في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم محباً لها مهاجراً إليها من أجل لغة القرآن، غادرنا مساء الخميس الماضي ليلة الجمعة 5 / 4 / 1445هـ إلى مثواه الأخير في بقيع الغرقد بعد الصلاة عليه في المسجد النبوي الشريف رحمه الله رحمة الأبرار وغفر له.
والشيخ الدكتور (ف) عبد الرحيم) عالم من الهند كانت المدينة المنورة هاجسا له طيلة حياته السابقة قبل القدوم إليها، يحلم برؤيتها والحياة في ربوعها ويترسم خطى نبي الأمة وصحابته الكرام في ساحاتها ومسجدها العظيم، ومع أحلامه تلك كان مجداً في طلب العلم حتى تحصل على الدكتوراه من الجامع الأزهر والماجستير في اللغة العربية وآدابها من جامعة عليكرة) الإسلامية بالهند والماجستير في اللغة الإنجليزية وشهادة أفضل العلماء في العربية والعلوم الإسلامية من جامعة (مدراس)، وحطت رحاله بعد الجامع الأزهر في السودان مدرساً ورئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة أم درمان الإسلامية.
كان الدكتور ف عبد الرحيم يدعو الله تعالى في صلاته أن يحقق حلمه الذي يراوده في كل لحظات حياته ألا وهو العمل في المدينة والإقامة فيها، واستجاب الله تعالى دعوته لصدق نيته وتلقى خطاب الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وقتها ليكون أستاذا للغة العربية لغير الناطقين بها في عام 1389هـ، حيث نما إلى علم الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى أن هذا الرمز) ف عبد الرحيم عالم موسوعي لغوي بارع ويتقن أكثر من عشر لغات منها العربية والإنجليزية والألمانية واليونانية والأوردية والتركية والفارسية والعبرية والفرنسية، ومن خلال هذا الكم الهائل من اللغات رأى الشيخ أن مكانه المناسب هو شعبة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في الجامعة الإسلامية، وأتى الدكتور اف عبد الرحيم) إلى المدينة وامتلأت نفسه حباً وطمأنينة في مسجدها العظيم ووجد في رحاب المدينة المنورة وفي ظلال الشيخ ابن باز ما ملأ حياته وأسعدها، وأصبح من جلساء ومحبي الجامعة ممثلة برئيسها العلامة ابن باز ونخبة العلماء الذين أسعدهم الله تعالى يتلقين العلوم والمعارف للطلاب الذين التحقوا بها من أكثر من سبعين دولة من دول العالم في ذلك الوقت، ومن أيامه الأولى في عمله بشعبة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها قام بوضع معظم مناهجها وكان مديراً لها وجعل لتعليم اللغة مستويات تتناسب مع مختلف اللغات التي أتى بها طلاب الجامعة من بلدانهم كلغات أساسية لهم وحاول تبسيط المناهج واستعان بالطلاب الذين لديهم مبادئ في العربية للمساعدة في تعليم أبناء جنسهم، وكذلك عمل جاهداً على إعداد مدرسين معه في تلك الشعبة لتهيئة الطلاب لاستيعاب الدراسة باللغة العربية، فنجح في جهوده ونال ثقة المسؤولين بالجامعة وأعد 24 كتاباً في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها ويعد كتابه (دروس اللغة العربية لغير الناطقين بها 3 مجلدات أشهرها، وصار هذا الكتاب يدرس في كثير من دول العالم اليوم.
وتفردت دراسته للدكتوراه من الجامع الأزهر بدراسة كتاب الإمام أبي منصور الجواليقي (ت 540هـ) حول المعرب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم وامتازت دراسته لهذا في ذكر أصول الكلمة الدخيلة مكتوبة بحروفها الأصلية مع إيراد المعنى الأصلي لكثير من هذه الكلمات والتنبيه على أغاليط اللغويين السابقين في بيانها وتوضيح التغييرات الطارئة على بناء الألفاظ الدخيلة عند تعريبها، كما وظف معرفته الجيدة باللغات في دراسة إضافية للأصول اللغوية لأسماء الأعلام الواردة في قصص الأنبياء في كتابه النفيس الإعلام بأصول الأعلام الواردة في قصص الأنبياء عليهم
السلام).
وللشيخ الدكتور ف عبد الرحيم) مؤلفات بلغت 35 كتاباً، منها 8 كتب في فقه اللغة العربية والإنجليزية والأوردية و 24 كتاباً في تعليم العربية للناطقين بغيرها.
ومن كتبه في فقه اللغة: دراسة المعرب للجواليقي القول الأصيل فيما في اللغة العربية من الدخيل والأعلام بأصول الأعلام ومعجم الدخيل في العربية الحديثة ولهجاتها.
ومن كتبه دروس اللغة العربية لغير الناطقين بها للأطفال، وأحاديث سهلة نصوص الحديث النبوي، والباحث عن الحق سلمان الفارسي، وفي بلاط هرقل حديث أبي سفيان مع شرح لغوي، وكتاب إنهما من مشكاة واحدة حديث هجرة المسلمين إلى الحبشة بالعربية والإنجليزية وكتب: أبشر بخير يوم وحديث كعب بن مالك رضي الله عنه، والمسعف في لغة وإعراب سورة يوسف، ومختارات من القرآن الكريم باللغة الإنجليزية ومع الكتاب 6 أقراص مدمجة تتضمن تدريس المؤلف لهذا الكتاب وسورة الحجرات مع ترجمة معانيها وشرحها باللغة الإنجليزية، ومن أصفهان إلى المدينة بحثاً عن الحق، والتبيان لحروف لغة القرآن باللغة التاملية لغة ولاية تاملنادو في جنوب الهند).
ومن كتبه في المجال الإسلامي: كتاب دليل الحياري في تسمية كتب اليهود والنصارى، والحج والعمرة والزيارة، وكتاب نقد كليلة ودمنة). وغيرها، وله العديد من البحوث في مجلات الدراسات اللغوية ومقالات في مجمع اللغة العربية بدمشق تحت عنوان الكلمات التركية في اللهجات الحديثة ).
ويضاف إلى كل ذلك فقد أشرف على العديد من الرسائل الجامعية في مجال الماجستير والدكتوراه وناقش الكثير من الطلاب في هذا المجال وامتازت مناقشاته بالعمق والرصانة والوعي والفهم والشمول ودرس طلاب كلية اللغة العربية في الأصوات واللهجات العربية بالكلية بالجامعة الإسلامية وانتدبته الجامعة لإقامة دورات لتعليم اللغة العربية في عدة بلدان منها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وكندا
وباكستان والهند والفلبين....
وبعد خدمة مخلصة بالجامعة الإسلامية دامت ستة وعشرين عاماً وفي عام 1415هـ حطت رحال (رمزنا) اليوم الشيخ الدكتور ف عبد الرحيم) في أروقة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة وأسندت له إدارة مركز الترجمات بالمجمع وقام بعمله في هذا خير قيام وأشرف على إصدار ترجمات القرآن الكريم لأكثر من 75 لغة وبقي في المجمع ثلاثين عاما وهو يخدم القرآن الكريم ويشرف على قسم الترجمة
حتى وفاته يرحمه الله تعالى.
وقد كان لي شرف لقائه في زيارة بالمجمع مع نخبة من الفضلاء قبل سنة من وفاته، فوجدناه بحرا لا يحد مداه إذا تحدث وهو متمكن بإلمامه باللغات التي يتكلم بها والتي تزيد على 12 لغة من لغات العالم، عاش منارة للعلم والمعرفة واثقا من نفسه يأسر مستمعيه بصدق منطقه وشمول ثقافته صاحب خلق رضي وتواضع جم وسماحة وبشر.
وقال عن اسمه ف عبد الرحيم بأن اسمه الشخصي عبد الرحيم) واسم أبيه (عبدالسبحان) وهو من الأسماء المتداولة لديهم والفاء التي يثبتها قبله هي اختصار لاسم أسرته فانيا مبادي وهو يقدم على اسم الشخص في منطقتهم بجنوب الهند وهو اسم المدينة التي ولد فيها بولاية تامل نادو) وقد اختصره الشيخ إلى (ف) قبل اسمه لصعوبة النطق به وقال عن تعلقه بالعربية بأن ذلك وجد لديه وهو يدرس في الثانوية من خلال استماعه للإذاعات العربية واتصاله بالسفارات وحصوله منها على الصحف والمجلات ولقاء العرب الذين يأتون لمدينة (مدراس) وقبل ذلك قراءته للقرآن الكريم وتعلقه به في جامعة ( عليكرة) الإسلامية ومراسلاته ولقاءاته مع الشيخ أبي الحسن الندوي رحمه الله تعالى.
وعن وصوله للجامع الأزهر الدراسة الدكتوراه قال بأنه أرسل رسالة إلى الرئيس جمال عبد الناصر وقتها برغبته في الدراسة بالأزهر فأتته الموافقة بالقبول بعد أسبوعين من نائب الرئيس حسين الشافعي وعن ذكرياته مع الشيخ عبد العزيز بن باز ذكر بأنه قد أرسل إليه في يوم من الأيام ووجد عنده شاباً أمريكياً يرغب دخول الجامعة وقد انتهى وقت التسجيل فقال الشيخ أفهمه بأن وقت التسجيل قد انتهى وعليك التقديم في التسجيل القادم فقال الشاب الأمريكي: هل يضمن لي الشيخ حياتي وإذا مت وأنا لم أعرف من الدين شيئاً وأنا راغب فيه، فبكى الشيخ وأمر بقبوله رحمه
الله تعالى.
وموقف آخر مع طالب من كوريا الجنوبية الذي أفاد الشيخ بأن لديهم مسجداً كبيرا لا يتمكنون من الصلاة فيه يوم الجمعة فيجتمع الكثير من المسلمين في يوم الأحد ويشرب بعضهم الخمر في المسجد، والطالب منفعل وأنا أترجم للشيخ ما يقول، فهون عليه الشيخ وقال: المعصية أخف من الكفر، وهؤلاء كانوا كفارا وسوف تزول هذه بإذن الله تعالى.
رحم الله الشيخ ابن باز الفقيه العالم الورع. بقي القول بأن الدكتور الشيخ (ف عبد الرحيم) رحمه الله تعالى ولد في 13 محرم 1352هـ بولاية تامل نادو) بجنوب الهند وحفر طريقه باحثاً ودارساً من الهند إلى مصر إلى السودان ثم المملكة العربية السعودية في مدينة خير البرية صلى الله عليه وسلم وقد أمضى من عمره فيها ستة وخمسين عاماً يعيش روحانيتها ويخدم العلم بها حتى حظي بأمنيته في دخول بقيع الغرقد عن عمر تجاوز 93 عاماً بجوار خير الورى مشمولاً بشفاعته إن شاء الله تعالى فرحمه الله وأجزل له الأجر والمثوبة.






