عيد بن سالم بن شديد الردادي
محمد بن صالح البليهشي

قامة تربوية في مدينة المصطفى صلى الله عليه
وسلم غادر دنيانا الفانية إلى دار البقاء والخلود يوم الثلاثاء 28 / 7 /1443 هـ ووجد مكانه في بقيع الغرقد بالمدينة المنورة بعد الصلاة عليه بالمسجد النبوي الشريف والأستاذ عيد بن سالم الردادي واحد من ذلك الجيل العصامي الذي كان له الدور الأبرز في مسار التربية والتعليم في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي...
امتاز رحمه الله تعالى بدماثة خلقه وإخلاصه وحرصه على أداء الرسالة التربوية طوال حياته العملية التي امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً عمل خلالها معلماً بمتوسطة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. عام 1380هـ فوكيلاً لمتوسطة الإمام علي رضي الله عنه ثم متوسطة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم مديرا لمتوسطة عبادة بن الصامت رضي الله عنه فمتوسطة عمر بن عبد العزيز ثم مديراً الثانوية أحد وأخيراً مديراً لثانوية الإمام السمهودي حيث ألقى عصا الترحال في عام 1418 هـ .
ترك خلال هذا المشوار التربوي العملي بصمات مميزة في طلابه وزملائه في كل معلم تربوي حل به وارتحل منه ... وفي نهاية مشواره العملي عليه رحمة الله تعالى تنادى زملاؤه وأقاموا له حفل تكريم كبير على شرف سعادة مدير التعليم يومها الدكتور بهجت بن محمود جنيد وكبار رجالات التربية والتعليم بالمدينة المنورة وحضره كبار تلاميذه الذين تخرجوا على يديه وذلك في مساء يوم السبت ليلة الأحد الموافق 1417/6/29هـ وكان الحفل مشحونا بالعواطف
الجياشة وآيات الوفاء والتقدير من كل الحاضرين ...
وباعتباري من سلك التربية والتعليم ولما تربطني بهذا الرجل من علاقة وطيدة وزمالة في مسار إدارة المدارس وشؤونها وشجونها كان لي شرف إلقاء كلمة معبرة في ذلك الحفل وجدتها بين أوراقي وأنا أتلقى خبر وفاته يرحمه الله تعالى ورأيت أن أنقلها بعد مرور 26 عاماً على ذلك الحفل التكريمي لما تضمنته من معان سامية ووفاء وحب وتقدير وقد صارت تلك الكلمة وذلك الحفل في نظري تاريخاً يجب ألا ينسى في مسيرة ومواكب إنجازات الرجال وقامات التربية والتعليم في مدينتنا المباركة أنقلها اليوم كما هي مذكراً بفضله و مترحماً على هذا الرجل الذي لن ينساه تاريخ التعليم في المدينة المنورة ...
قلت في ذلك الموقف التكريمي والحفل المميز ليلتها ...
أيها الأعزاء .. كم في ساعات الوفاء عزيزة على نفوس الأوفياء ذوي النفوس العالية والطموحات الكبيرة .. وكم هي ساعات الفراق عميقة على أولئك الذين يألفون ويؤلفون وكم هو كبير وكبير هذا الحفل العظيم في معناه الذي تنادى له كوكبة من الكرام الفضلاء من زملاء المهنة الأوفياء الذين عرفوا الفضل لأهله فكانوا ولا يزالون من أهله لأنهم قد تحقق فيهم قول الشاعر العربي الذي يقول
والفضل يعرفه الكريم تفضلا ومن الأفاضل تنبع الأفضال
إخواني وزملائي وأبنائي .....
لا أكتمكم أنني عندما وجدت بطاقة الدعوة التي وجهت إلي من زملائي وأبنائي وإخواني لحضور هذا الحفل الكبير في معناه وفي تقريره فرحت كثيراً وحرصت على حضوره والمشاركة فيه للعديد من الأمور أهمها :
أن المكرم رجل تربية من الطراز الأول وزميل عزيز واخ وفي له في النفس الشيء الكثير من الود والاحترام والتقدير والإجلال .. وتكريم لي ولكافة جيل التضحية والعطاء الذي عمل
ما وسعه العمل وأعطى وضحى في وقت يعز فيه العطاء والتضحية بوعي وحماس وعلو همة
وكرم نفس .
الأمر الثاني : أن المكرمين إخوة أعزاء وأبناء أوفياء عرفوا فضل الفضلاء وواجب الأخوة والزمالة فأكبروا وكرموا فكبروا وكان كرمهم محل تقدير من كل العارفين والمقدرين لقيم الرجال ومكانة الأوفياء ...
أما الأمر الثالث : فهو إحساسي بأن مجتمعنا ولله الحمد لا يزال بخير لأن ظاهرة التقدير والإكبار والإعزاز وإعطاء المكانة لذوي الأحلام والنهى لا تزال في تنام مستمر وخير دليل على ذلك هو ما نراه بين الفينة والفينة من حفلات التقدير والاحترام والتكريم في أكثر من مكان من القطاعات المختلفة في مجتمعنا على مستويات مختلفة أيضاً .. وهذه أصالة يجب أن تبقى وعرف يجب أن يتوارث في مجتمعنا الطيب المسلم الذي يهتدي بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم ويسير على شريعة غراء يظللها الحب والوفاء والاحترام والتقدير والاستقامة ...
سعادة مدير عام التعليم ... أصحاب السيادة من مسؤولي الإدارة العامة للتعليم ... أيها الزملاء والإخوة والأبناء : أول ما عرفت ضيفنا الليلة المكرم العربي القدير صاحب المبدأ الثابت والرأي الحكيم والاعتدال والاتزان في اتخاذ القرار الأستاذ عيد بن سالم الردادي كان في بداية الثمانينات الهجرية أي قبل ثلاثين عاما كنت مدرسا في المرحلة الابتدائية وكان هو على رأس عمله مديرا لمتوسطة عبادة بن الصامت على ما أظن وكنت ممن حضر حفلة من حفلات المدرسة ومن بين فقرات الحفل كانت كلمة لأحد العاملين بالتعليم وكان الحفل على شرف الأستاذ عبد العزيز الربيع رجل التربية والتعليم والأدب والتقدير يرحمه الله تعالى
وقام ذلك المسؤول ليلقي كلمة وكأنه قد تجاوز ما أعطي وانتقد بعض ما قدم في الحفل وكان انتقاده يومذاك لا محل له ولا قيمة .... وعندها ارتجل الربيع كلمة طويلة لا أذكر منها الا عبارة بقيت راسخة في ذهني لم أعيها في يومها ولكنني عرفت أبعادها فيما بعد .. قال يرحمه الله وهو يرد على ذلك المسؤول الذي بصحيته وأمام الملأ قال : ليسمح لي الأستاذ المتكلم بأنه قد أخطأ في تعبيره وفي تقديره وأخذ يعدد إنجازات المدرسة ودورها بقيادة مديرها الأستاذ عيد بن سالم الردادي في مجال التربية والتعليم وليلتها أشاد بالأستاذ عيد الردادي إشادة يستحقها وأثنى عليه ثناء عرفت من خلاله مدى إعزازه له وتقديره لجهوده ومدى ثقل ميزان عيد سالم الردادي في موازين الرجال وإنني لا أزال أذكر ذلك البيت الذي استشهد به في الإشارة والثناء وهو :
ترى الرجل فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الضرير فتبتليه .... فيخلف ظنك الرجل الطرير
وصدقوني بأنني قد حفظت البيت منذ ذلك الحين وأنا لم أقرأه وحفظت الأستاذ عيد وأنا لم أعرفه من قبل ...
أخي الكريم الأستاذ ( عيد أبو عبد الله ( ليهننك كل هذا الحب وهذا الإجلال والتكريم وطب نفساً فقد انت ثمار غرسك على مدى سنوات عملك في حقل التربية والتعليم وستجدها أمامك يانعة في كل مكان تسير فيه لأن النية الصادقة والإخلاص الحق والعمل بجد وحرص لهذا البلد وأبنائه سوف يبقى وتجد آثاره الآن بعد التقاعد ... ستجد في كل إدارة أو مؤسسة ابنا يجلك ويحترمك وستجد في كل زاوية أو منعطف عيناً ترقيك بإكبار وإجلال وا واحترام لأنك عشت يحمد الله تعالى طيلة حياتك باتك عن اليد واللسان مخلصاً لمليكك ووطنك وأبناء أمتك .
انتهت الكلمة وصارت تاريخاً حرصت على بقائها بين أوراقي المحبتي وتقديري لأستاذ الجيل عيد بن . سالم الردادي ) واليوم وقد غادر هذه الدار القانية ود ودفن ببقيع الغرقد في طيبة الطيبة يذكر الأبناء الذين تشرفوا بتوجيهاته ورعايته وزملاؤه الذين كانت له بينهم الذكريات الطيبة وتعلموا منه الحرص والإخلاص والنية الصادقة يذكره هؤلاء ويذكره مجتمع المدينة بأسره بأطيب الذكر ويدعون له بالرحمة والمغفرة وحسن المثوبة والفوز بالجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .....






