الشيخ دخيل الله بن صالح القاضي والشيخ مسعد بن عودة القاضي
محمد بن صالح البليهشي

قرأت في الكتاب الجديد الذي أصدره الأخ المؤرخ الأديب الدكتور عبد المحسن بن فلاح بن طما الحربي بعنوان (رابع في عهد الملك عبد العزيز) وهو عرض لأهم أخبار مدينة رابع في صحيفة أم القرى للفترة من عام 1343هـ إلى عام 1373هـ، تلك الوثيقة التاريخية التي نشرتها (أم القرى أول صحيفة سعودية واكبت أحداث توحيد المملكة العربية السعودية في عددها (44) المصادف يوم الجمعة 12 ربيع الثاني عام 1344هـ المتضمنة عهد حرب وجهينة للملك المؤسس، أوردت الصحيفة كافة بنود تلك الوثيقة الجامعة التي وثقت وفود هاتين القبيلتين الكبيرتين في الحجاز على الملك عبد العزيز وقدموا الولاء والطاعة لعظمة السلطان، وهي وثيقة تاريخية تحتاج إلى وقفة قادمة لدراستها وتبيان بنودها الجامعة، ومما ورد في مقدمتها تحت عنوان (عهد حرب وجهينة: ادخل قسم كبير من مشائخ (مشايخ) حرب وجهينة في الطاعة منذ قدم عظمة السلطان إلى هذه الديار، ولا يزال من يقي منهم متخلفاً يأتي لعرض الطاعة يوما بعد يوم، وقد وفد في هذا الأسبوع قسم كبير من مشائخ مشايخ جهينة وحرب يعرضون الطاعة ويطلبون الدخول فيما دخل به الناس، فاجتمعوا بعظمة السلطان في مكة وقدمهم مقدمهم الشيخ إسماعيل بن مبيريك وهم بخيت بن بنيان وعبد المعين بن حصاني، وعبد الله بن عبيد بن ناهض، وبدر بن شفيع القايدي، وعودة بن مسفر الذراعي، وهؤلاء من مشائخ (مشايخ) حرب. وكان من مشائخ (مشايخ) جهينة الشريف جابر العياشي، وحمد بن جبارة الصليطي، وعبد الرحمن بورقيبة، ومسعد بن عودة القاضي، ودخيل بن طلال الحصيني، وسلامة بن أحمد الشطيري، وعوض بن عسفان الكلبي ومحارب بن فهد المنشل، وعطية الله القرعاني، وعابد البذلي، ومسلم بن سليمان، وحميد بن سليمان المسيفري. فأخذ عظمة السلطان على مشائخ مشايخ الفريقين عهد الله وميثاقه).
وكل علم من أولئك الرجال الأعلام الذين وردت أسماؤهم في تلك الوثيقة في القبيلتين يحتاج إلى كتابة شيء من تاريخه إشادة به وتذكيرا بمواقفه البطولية مع ذلك العبقري الملك عبد العزيز إذا توفرت لدي من ذويهم المعلومات الموثقة عن سيرهم التي يجب أن تذكر وتشكر، لتعرف الأجيال شيئاً من المواقف البطولية لأجدادهم على هذه الأرض.
واليوم يشرفني أن اكتب شيئاً عن الشيخ دخيل الله بن صالح القاضي والشيخ مسعد بن عودة القاضي، فأقول: إن مسعد بن عودة القاضي أحد الشخصيات التي وفدت على الملك عبد العزيز وذكرتهم الوثيقة وتشرف الشيخ مسعد بالوثيقة المؤرخة في عام 1351هـ المتضمنة خطاب الملك عبد العزيز المؤكد المشيخة مسعد بن عودة القاضي، الذي جاء فيه امن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى كافة (قوفة جماعة مسعد القاضي.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ذلك.. من قبل مسعد القاضي فهو أميركم ويلزم عليكم السمع والطاعة وامتثال أمره في جميع أوامر الشريعة وما يرد عليه من أوامر الحكومة وعدم مخالفته في ذلك يكون معلوم إن شاء الله.. والسلام في 1/2/1351هـ).
والشيخ مسعد رحمه الله لو لم يعرف الملك عبد العزيز قدره ومكانته لما حظي منه بهذا التوثيق الذي يعتبر تاريخاً ومفخرة من رجل كبير يقدر مواقع الرجال ويمنحهم أقدارهم، وقد رحمه الله على أنجاله من بعده الملك سعود والملك فيصل وكان يحظى بتقديرهم لما عرف عنه من ولائه لولاة الأمر منذ مبايعته للمك عبد العزيز رحمهم الله أجمعين.
وأسرة المشيخة هذه عرفت بال مسعد الأول من آل نهار من القضاة من (قوفة من مالك ومالك أحد فرعي قبيلة جهينة والفرع الآخر (موسى) وكلا الفرعين ينطوي تحتها العدد الكبير من القبائل المكونة لكيان قبيلة (جهينة)، القبيلة العريقة ذات التاريخ المجيد والمواقف البطولية الشامخة المشهودة في مغازي نبي الأمة عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر وغيرها ولهم في غزوة فتح مكة أربع رايات انضم تحتها ألف فارس جهني، قال فيهم شاعرهم بشر بن عرفطة الجهني
ونحن غداة الفتح عند محمد
طلعنا أمام الناس ألفا مقدما
وزدنا فضولا من رجال ولم نجد
من الناس ألفا قبلنا كان مسلما
وأخبار جهينة في كتب السير ومراسلاتهم وآثار بطولاتهم مشهورة ومذكورة وفرع القضاة) من قبائل قوفة الجهنية فرع له قدره ومكانته وينتمي إلى هذا الفرع أعلام ومشائخ كبار من بينهم الشيخ دخيل الله بن صالح القاضي الجهني والشيخ مسعد بن عودة وبقية أسلافهم وأجدادهم الميامين الذين توارثوا المشيخة عنهم، وكلهم رموز لها قدرها ومكانتها وكما أن لقبيلة حرب رموزها وأعلامها وقضاتها، كذلك لجهينة هي الأخرى المكانة والقدر والأعلام المميزة والمرجعية القديمة في القضاء العرفي بين قبائل جهينة وينبع حاضرة وبادية، وفي أمثالهم السائرة عندهم القضاء بين هجار وابن نهار ومقصودهم أن القضاء العرفي الأكبر في نواحي ينبع وباديتها وما حولها فهو في الشريف الهجاري وابن نهار القاضي، وهذا لا يعني اقتصار القضاء العرفي عليهما، بل كان هناك قضاة آخرون لهم قدرهم ومكانتهم من فروع أخرى، ولكن ابن هجار وابن نهار كانوا بمثابة قضاة الاستئناف في مفهومنا الحاضر كما هو الحال في قبيلة حرب حيث كان يوجد (القرف) الحازمي وابن ( طريف ) العوفي كانوا أيضاً في حرب بمثابة قضاة التمييز فإذا انتهت القضية من أحد هؤلاء كان الحكم نهائياً فهم المراجع الأساسية لذلك القضاء وكان هذا في الأزمان القديمة يوم أن كانت القبائل تحتكم إلى قضاة لهم في ظل غياب السلطة الحاكمة. ولا تزال بيوت القضاء والعرف تؤدي دورها في مناهج الإصلاح الاجتماعي وتقريب الصلات بين الناس بمهارة قيادية وخبرة حياتية لأن مدارس الحياة وبيوت العرف المتفق مع الشريعة تعطى ما لا يعطى غيرها.
ومن خلال ما اطلعت عليه من أخبار معارك القبائل والجيوش التركية يوم أن غزت هذه الديار وجدت اسم ذلك الشيخ دخيل الله بن صالح القاضي له أذكار مجيدة في مقاومة ذلك الجيش الغازي حيث ذكر مؤرخ الثورة العربية سليمان الموسى بأن دخيل الله القاضي قوي البنية ثري اشتهر بالكرم، وقد ورث القضاء في جهينة وبهذه الصفة يحظى بالاعتبار وله نفوذ كبير في قبيلته يتكلم اللغة التركية وهو من الفرسان المعدودين في الغزوات والحروب، ذكي شاعر وعليم بالتقاليد ومن أبرز الشخصيات والقادة في الجيش العربي الشرقي لحرب الأتراك..)، وذكر الورانس) أن دخيل الله القاضي استطاع بذكائه سحب الجيش التركي إلى أسوار ينبع حتى يلقى ضربة موجعة كانت أحد أهم أسباب الهزيمة لهم.
كما شارك في قطع الإمدادات عن الجيش التركي ليقطع طريق السكة الحديد وشارك في العمليات لعزل الجيش التركي عن مراكز الإمداد مع بقية القادة من القبائل العربية بنواحي المدرج وهدية وهو مقاتل قوي وقائد كبير رغم سنه في ذلك الزمن.
لقد توفي الشيخ دخيل الله بن صالح القاضي بعد عمر مديد وبطولات كبيرة ومكانة عظيمة في ينبع في حدود عام 1343هـ وترك ذرية بها الأصالة والمعرفة والشموخ والسيرة الحسنة وقد ذكر الدكتور عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم في موسوعته من وثائق شبه الجزيرة العربية في العصر الحديث وثيقة لجد هذه الأسرة الشيخ مسعد الأول عن بعض أحداث منتصف القرن الثالث عشر الهجري تبين مكانته وأهميته وحضوره التاريخي.
وأسرة الشيخ مسعد الأول هذا تعاقبت ذريته على مشيخة قبائل قوفة وكلهم أخيار حتى وصلت إلى الشيخ نهار بن مسعد بن عودة القاضي وهو شيخهم حالياً بعد أخويه الشيخ حميد بن مسعد وطلال بن مسعد القاضي متعه الله بالصحة والعافية ومنهم كذلك عضو مجلس منطقة المدينة المنورة سابقاً وشيخ قرية سليلة جهينة الشيخ هندي بن عوض بن دخيل الله القاضي ومنهم نائب شيخ قبائل قوفة الشيخ صالح بن حميد بن مسعد القاضي الذي أدعوه تعالى أن يزيدهم من توفيقه ويسدد خطاهم في خدمة وطنهم.
وأقول في الختام هذه لمحة من لمحات التاريخ لرمزين من رموز القضاة) في هذا البيت العريق وكلهم رموز تستحق الذكر والإشادة والتذكير بهم والترحم عليهم وفي جهينة بفرعيها رموز لهم أطيب الذكر أرجو الله تعالى أن أجد من سيرهم ما يمكنني من إعطائهم بعض ما يستحقون في هذه السلسلة رموز ... في الذاكرة إنه ولي ذلك والقادر عليه.






