الشيخ درع بن طريس العمري الحربي شيخ قبيلة الطرسان ومؤسس معالم البترا
محمد بن صالح البليهشي

في الأسبوع الماضي تشرفت بزيارة الشيخ بدر بن يوسف بن بدر بن درع الطريسي. شيخ قبيلة الطرسان من بني عمرو من مسروح من حرب، حيث أتى إلى وادي الفرع مترسماً خطى أجداده وقبيلته في هذا الوادي العريق وقد تجول في قرى الوادي ووقف ومرافقوه على العيون الجارية واطلع على معالم الوادي وآثاره، وشرفني بزيارة متحف المخطوطات ومتحف التراث في قرية المضيق وسجل زيارته وإعجابه في سجل الشرف الذي يوثق الزيارة ويحمل معالم الإعجاب والتأثر بتحسس خطى الآباء والأجداد في هذه الديار التاريخية التي تحمل عبق الماضي وتاريخ حقب الأجيال التي نبتت أصولها تحت ظلال النخيل وواحات ورياض وجبال ووهاد وادي الفرع العريق.
وقبيلة (الطرسان العمرية الحربية واحدة من قبائل بني عمرو التي تنتمي أساساً إلى هذا الوادي العريق في تاريخه وآثاره ونخيله وجباله ومنه خرجت كثير من قبائل بني عمرو إلى فيافي نجد وسواحل البحر الأحمر وضفاف الشرقية ودول الخليج ، ولكن بقي (الفرع) هو القلب النابض لديهم وهو الذي يحتفظ بخطى آبائهم وأجدادهم يسيرون في أرض الله الواسعة تحت مظلة الدولة السعودية المنصورة بإذن الله تعالى وأمن البلاد واستقرارها ويتذكرون قصص أجدادهم ومواطن أصالتهم وارتباطهم بالنخيل وممتلكاتهم فيه يوم أن كانت النخلة غالية وثمرها طعام المسافر والمغترب وتحتل قيمتها دائماً من مفهوم الحديث الشريف بيت لا تمر فيه جياع أهله.
ووجود هذا الرمز في زيارته الخاطفة أعاد إلى الأذهان في ذاكرة كبار السن لدينا جده الأول الشيخ درع بن الطريس العطري ذلك الفارس الكبير الذي سجلت معارك السبلة وحصار الرغامة وغيرها مع الملك عبد العزيز يرحمه الله تعالى مواقفه الشجاعة بجانب فرسان حرب وبقية القبائل التي وقفت مع المؤسس في معارك التوحيد، حتى استقرت البلاد وبدأ عبقري الأمة عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل في توطين القبائل وإيجاد السبل الكفيلة لترسيخ فكرته في التوطين والاستقرار وكافأ الذين وقفوا معه بمنحهم مواقع للبناء والحضارة والتطور، ومن بين أولئك الذين خصهم الملك عبد العزيز الشيخ درع بن طريس العمري الحربي، حيث أقطعه وجماعته هجرة (البترا) شمال محافظة النبهانية الواقعة في الجزء الغربي لمنطقة القصيم على ضفاف الطريق السريع بين المدينة والقصيم اليوم وذلك بعد موقعة السبلة في عام 1348هـ. وقد ورد في وثيقة الملك عبد العزيز للشيخ درع قوله: (من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى من يراه من طوارفنا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعده من قبل البترا حنا ممضينها لدرع بن الطريس إذا كان ما على أحد منها مضرة ولا لأحد فيها دعوى شرع واشترطنا عليه أن لا يمنع الوارد من المسلمين يكون معلوم 14 / 9 /) 1348هـ
ومنذ ذلك التاريخ والشيخ درع بن طريس يعيش مع جماعته الطرسان من بني عمرو في أكناف البترا ويحظى من جلالة الملك عبد العزيز بالتقدير والمساعدة لمواقفه مع المؤسس في تلك السنين المليئة بالأحداث الجسام ولاء وحرصاً وإخلاصاً، ولعل الخطاب الذي تلقاه من الملك المؤرخ في 14 / 9 / 1370هـ يؤكد ذلك، حيث ورد الخطاب بالنص التالي وهو واحد من خطابات المتابعة والتوجيه والعطف والشفقة من جلالة. الملك الباني لأبناء شعبه، قال يرحمه الله تعالى: (من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى المكرم درع بن الطريس وجماعته أهل البتراء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعد ذلك بارك الله فيكم أرسلنا عن يد الولد عبد الله بن مساعد صدقة الفقراء ديرتكم إن شاء الله يعمد من يوزعها على فقراتكم وهذا خاصة لاثنين أما واحد فهو فقير ولا يسأل الناس الحافاً والثاني فقير باين فقره وأما الذين ركبوا إلينا أو ما ركبوا وهم مقتدرون على معيشتهم ولا هم ضعفاء فلا يعطون منها شيء، كذلك الأمير والمطوع مالهم منها شيء لأن عوائدهم جايتهم، هذا ما لزم بيانه والسلام 14 / 9 /1370هـ كذلك ياصلكم عن يده ثلاثة أكياس عيش صدقة لفقرائكم مثل ما سنع لهم في العام الماضي ......
ومن هذه الرسالة وغيرها تتضح صورة العلاقة الكبيرة بين ذلك العبقري الكبير الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى وبين شعبه التي بقيت للتاريخ دروساً لا تفحها الأيام ولا يبنيها الزمن في العلاقات الحميمة بين ولي الأمر وقياداته وأفراد أمنه، يحتوي قياداته المخلصة ويعلمهم أصول التعامل مع قبائلهم ويتحسس حاجاتهم ويشعرهم بقربه منهم.
وقد بقي الشيخ درع رمزنا اليوم شيخاً لقبيلته وأميراً على (البترا) حتى وفاته رحمه الله تعالى.
والبترا) التي فاز الشيخ درع بموافقة الملك عبد العزيز بمنحها له ولجماعته واتخذوا منها موقعاً للاستقرار، تقع وسط منطقة القصيم تقريباً على مفترق خطوط بريدة المدينة وعنيزة الرس المدينة وحائل، وهذا الموقع أعطاها أهمية بالغة من أجل النمو والتطور، ويقول كبار السن بأن بموقعها كانت توجد بئر جاهلية مطمورة وقد اكتشفها الشيخ درع بن طريس واتخذها موقعاً ونال ثقة المؤسس بمنحها، وقد ذكر البئر القديمة الشاعر بداي بن ثامر الطريسي رحمه الله تعالى، ذكرها في مطلع قصيدة
له يقول فيها :
واجر قلبي جر غرب تحدر
غرب على البترا طويل مجره
ركب عليهن أول الصبح مسفر
ترددت بالغرب تسعين مرة
والمنطقة كانت قبل ذلك مراعي لقبيلة الطرسان من بني عمرو من حرب منذ أحداث (الهييشة عام 1327هـ ولذلك قال الطريس فيها :
والله ما أصاحبهم يكود أصل عفيف ما تنقل المرمول والحد الرهيف
وانزل على قلبان ترب وذيبها
إلا على خبث النفوس وطيبها
دوك الهبيشة عشيها طلعة نظيف
مثل الهنوف التي تبي خطيبها
وهكذا عاش الرمز) درع بن طريس في تلك الربوع وقد منحه الله عمراً مديداً تجاوز المائة عام، ووافاه الأجل المحتوم في العام الهجري 1375هـ وخلال كبره تولى شؤون الإدارة في البترا) ابنه بدر الذي توفي قبل وفاة والده وحين توفي الشيخ (درع) وردت برقيات التعازي من القيادة لابنه يوسف بن درع وجماعته، وتلقى خطاب الأمير عبدالله بن مساعد رحمه الله تعالى بناء على موافقة المقام السامي الذي نقل التعازي بوفاة (الرمز) الشيخ درع وتبليغ الشيخ يوسف بن درع بقوله : (من خصوص وفاة والدك فنرجو الله تعالى أن يغفر له ويرحمه وأنت فيك بركة إن شاء الله تصير في محله وهذا كتاب للجماعة بطيه عرفناهم بما يلزم والسلام 5 / 11 / 1375هـ).
ومن ذلك الوقت أصبح الشيخ يوسف بن درع شيخاً للقبيلة والهجرة (البترا) وسار على نهج والده خدمة للدولة وحرصاً على مركزه في القبيلة، وأداء للأمانة وفتح مجلسه الخدمة المواطنين في البترا وما حولها وسعى جاهداً لتحقيق الكثير من التطوير الذي تبذله الدولة لمواطنيها في كل مدينة وقرية وهجرة ووجدت خدمات التعليم والأمن والصحة والضمان الاجتماعي وسفلتة الطرق وغيرها من الخدمات كمحطات الوقود
والورش المختلفة والمحلات التجارية.
وفي العام الهجري 1396هـ وجد مركز إمارة (البترا) وتم تعيين الشيخ يوسف أميراً في ذلك المركز، وكان حريصاً على تنفيذ الأوامر والتعليمات التي تصدر إليه من وزارة الداخلية ممثلة بإمارة مقاطعة القصيم كما كانت تسمى في ذلك الوقت، ومن أبرزها تذكره للتاريخ إجراء إحصاء عام للسكان عام 1386هـ الذي يتضمن التكليف بإحصاء عدد المواطنين والبيوت والخيام وبيوت الشعر، وأعتقد أنه أول بدايات خطوات قسم الإحصاء في وزارة الداخلية وكذلك التعميم بأمر صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بتاريخ 28 / 10 / 1386هـ بقوله : أن خبركم أننا نرى التقيد بما سبق أن أمرنا به من منع تداول البنادق الشوزن وفشكها والتعميم على الأمراء بأن
من وجد معه يصادر ويؤدب
هذه نماذج من بعض ما كان يتلقاه أمراء المقاطعات والهجر في ذلك الوقت تم اختيارها للذكرى والتاريخ، وكان الشيخ يوسف بن درع في وقته من الذكاء والفطنة والشجاعة والرجولة ما جعل له مكانة خاصة عند المسؤولين ولدى المواطنين وبين
أفراد قبيلته والقبائل الأخرى.
وبقي الشيخ يوسف على مركزه قرابة أربعين عاماً حتى تمت إحالته على التقاعد عام 1415هـ، وفي العام الهجري 1425هـ توفي الشيخ يوسف بالمدينة المنورة وصلى عليه المسلمون في المسجد النبوي الشريف ودفن في بقيع الغرقد رحمه الله تعالى، وفي فقده وأثره على القبيلة قال الشعراء مرثيات عديدة لأن فقده كان له أثره على قبيلته وعلى قبيلة حرب في عمومها وعلى كل من يعرفه جعل الله أعماله في ميزان حسناته وأدخله فسيح جناته، لأن فقده كان له أثره على قبيلة حرب في عمومها وعلى كل من يعرفه، ومنذ العام 1415هـ وابنه (بدر) يقوم مقام أسلافه رئيساً لمركز البترا حيث سار في عمله وتعامله سيرة والده في إخلاصه للدولة وحبه للقبيلة ومساعدته لكل من يلوذ به، وتقدمت البترا وأصبحت من المعالم الرئيسية في ديار القصيم، واحتل الشيخ (أبو سلمان) مكانة خاصة لدى أمراء القصيم وبين شيوخ القبائل المحيطة لصدقه وأمانته وحسن تعامله وحسن تصرفه، كما يمتاز بثقافته وسعة اطلاعه وأخلاقه وتواضعه واتكائه بجدارة على مجد آبائه وأجداده وقد وصفه الشعراء بما هو أهله شموخاً وإباء وصدقاً وحسن معاملة ومن ذلك قول الشاعر غزاي بن مطر الطريسي
الذي قال فيه من قصيدة طويلة :
بدر لاجاه ملهوف الضيم يجداه
بالجاه واللا المال حمله بشيله
طيبه عقب جدود وياخذ بيمناه
بدر .. كان اللاش قلل حصيله
أميرنا .. وشيخنا لاعدمناه
حلال صعبات الأمور الثقيلة
وبعد مسار من العمل والشيخة مشكورة مذكورة تجاوزت خمسة وعشرين عاماً تقاعد الشيخ بدر بن يوسف بن درع الطريسي العمري الحربي، وتم ترشيح ابنه الشيخ سلمان رئيساً لمركز البترا ولا يزال.
حفظ الله تعالى ذرية درع بن الطريس العمري الحربي ووفقهم لكل خير وحفظ قبيلة الطرسان العمرية الحربية ذات النخوة والشجاعة والكرم والأصالة.






