صديقي الذي فقدته منذ أربعين عاماً دخيل الله بن شليل التوم العتيبي

محمد بن صالح البليهشي

رحمك الله تعالى يا صديقي ( أبا خالد ) لقد وجدت رسالتك الأخيرة التي أرسلتها إلي وقد سجلت تاريخها في السابع عشر من شهر رمضان المبارك عام 1402هـ والتي كانت آخر رسالة منك ... وبعدها لم يكن لنا لقاء أو مراسلة أو مهاتفة حيث غادرت إلى دار البقاء والخلود شهيداً إن شاء الله تعالى وأنت تؤدي العمرة في شهر كريم وعلى طاعة وبر بوالدك يرحمه الله تعالى .

وجدت رسالتك التي جاءت في أربع صفحات وأنا أفتش في أوراقي بعد أن وضعت عصا التسيار فقرأتها مرات ومرات وأثارت في نفسي شجوناً وذكريات للصديق | دخيل الله شليل العتيبي ) ذلك الرجل الشهم الذي رأيت فيه معالم الرجولة والوفاء والشموخ والإباء ...

سرنا معا في دراستنا الثانوية بمدرسة طيبة الثانوية .. وكانت أفكارنا متقاربة وطموحاتنا ليس لها حدود وأمنياتنا فوق السحاب .. مشينا طرقات المدينة وتعمقت أرواحنا بين ثنايا مسجدها العظيم في روضته وأروقته وساحاته تظللنا روحانية المدينة وتسيرنا العراقة والأصل والانتماء ... نجوب الطرقات على ذلك (الدباب) الهوندا والذي أوصلك عليه إلى منزلك في طريق مطار المدينة ذلك الطريق الطويل بظلامه ووحشته وحلوه في كثير من الأوقات قبل اكثر من خمسين عاماً .

كنا نذاكر سوياً في منزلكم ويمر علينا والدك الكريم يرحمه الله تعالى فيبارك لقاءنا ويسعد بصحبتنا ويهيء لنا ما نحتاجه لمواصلة دراستنا حتى الفجر كان هذا في أواخر الثمانينات الهجرية من القرن الماضي .....

ويوم أن حصلنا على الثانوية تفرقت اتجاهاتنا ولكن صحبتنا بقيت وتواصلنا لم يتغير وحطت رحالك في وزارة الشؤون الاجتماعية وأنا لا أزال في التعليم وكم كنت فرحاً كلما سمعت صوتك سائلاً ومتفقداً من خلال الهاتف الثابت الذي كان كثيراً ما يتعثر حتى
يحصل مطلوب المستفيد

وكنت يا صديقي تتابع نشاطي الثقافي الذي كان يلازمني منذ بدايات دراستنا في مجال الصحف والمجلات وخاصة مجلة المنهل التي كنت تشتريها من اجل الاطلاع على ما أكتبه وأحظى بتعليقاتك وملاحظاتك على كل مقال أو استطلاع ولذلك عندما صدرت أول كتبي في عام 1402هـ بعنوان | المدينة ... اليوم ) وهو كتاب يحكي واقع المدينة المنورة مع بداية القرن الخامس عشر الهجري والثاني كتاب قصصي بعنوان ( حروف في الرماد ) أرسلت لك باكورة هذا الإنتاج وتلقيت منك يا صديقي الرسالة التي وجدتها اليوم وأنا أفتش أوراقي والتي أثارت آهاتي وشجوني وشعرت وأنا أقرؤها بألم وأحلام وغيوم وذكريات تهت في غياباتها ورأيت من خلالها مدى سرعة الأيام والسنين وعمق الحب والتقدير وطعم الأصالة وقوة الصداقة وعناوين الوفاء ولوعة فراق الصداقة الشامخة الوفية .

لقد وجدت وأنا أقرأ هذه الرسالة إلى ما قبل خمسين عاماً مضت وتذوقت طعم كلماتك الصادرة من القلب المغلفة بحب ذلك القلب الصافي والنفس الطيبة الأبية .

وكلماتك يا صديقي تدل على ثقافة وعمق وتأصيل ومعرفة معاني الحروف وجرس الكلمات والثقافة العميقة التي كانت بين جوانحك وما تختزنه من لغة وثقافة وعمق وروحانية ووفاء ...

وعلى الرغم من رسالتك التي احتفظت بها طيلة هذه المدة التي تزيد عن أربعين عاماً إلا أنني اليوم أجدها مناسبة وقد قرأتها مرات ومرات وتذكرت أيامنا الخوالي وما اختزن بها من ذكريات وذكريات... أجدها مناسبة اليوم لعرض جزء منها وليس كلها تذكيراً بصديق له في قلبي مكانة فقدته قبل أربعين عاماً ورأيت تخليد ذكره في سجل لكتاب أسميته ( رموزاً .. في الذاكرة ) وهذه قطعة من رسالة الصديق والأخ الوفي ( دخيل الله شليل العتيبي ) يقول في رسالته بعد مقدمة لها : أخي العزيز محمد صالح البليهشي .... أردت من خلال رسالتي المتواضعة والتي أقدمها لسعادتكم كأديب وقاص وصحفي ... لا يشق له غبار ولا حتى رماد) على فكرة تلقيت الحروف من رماد والتي قرأتها من الجلدة للجلدة .. تصفحتك من خلالها .. بيولوجياً
... وفسيولوجياً .. واجتماعياً ... وانثروبولوجيا .. وسيكلوجياً .

إنها بحق حروف في الرماد هل تعلم يا عزيزي محمد أنه لولا الحرف ما استقامت الدنيا من خلال استقامة الكلمة.. وهل تعلم أن الرماد) وأنت بلا شك مثلي بدوي تعرف أن الصغير منا في السابق عندما يجرح يعمد إلى الخرقة البالية ليحرقها ويذر رمادها بلسماً شافياً يداوي الجرح ... وهل تعلم أن مادة ( الأنفيوفورم ) الطبية تصنع من الفحم وهو في نهايته يصبح ( رماداً ) ...

أخي محمد .. أبارك لك خطواتك الموفقة .. استمد السعادة والرفعة والطموح من خلالك أخاً وفياً مخلصاً دوماً . لك مني ما للأخ من أخيه من مودة ومحبة وأمنياتي لك بالتوفيق والنجاح في كل عالم تغوص في أعماقه وعلى ذكر الأعماق والغوص .. لقد غصت حتى النهاية في ثنايا .. ثنيات الوداع .. في ربوع المدينة ... مآثرها .. أمجادها .. إشعاعاتها .. هديها .. ماضيها .. حاضرها .... مستقبلها .. معالمها .. أعلامها .. ما لم يستطع قلمي وفكري حضره .. كل ذلك من خلال ( المدينة اليوم ) ليتك سميته المدينة عبر التاريخ ( فالمستقبل امتداد للحاضر والحاضر امتداد للماضي
... أحقاب زمنية متتالية ....

أخي محمد ... إذا كنت في مقدمتك ... إنك كنت تلهث وراء تجميع قصصك من قصاصات الصحف ( فأنا أقول ... أنني كنت أطارح كلماتك الغرام أعشقها .. أعتبرها جزء لا يتجزأ من كينونتي . ديمومة عطائك وزخات أفكارك ترفعني عالياً .. شامخاً كشموخ جبل أشم أعتز بك منذ أن كنا نحتسي الشاي وتأكل العدس والبيض ليعطينا القدرة على التركيز .. هل تفتكر ذلك - كانت لنا آمال وطموحات ... لكن إذا تحقق جزء منها فأرجو الله ان يحقق الباقي ...

وتمضي قصة الأشواق .. وعلى درب طويل وكلنا غربة .... أخي محمد .. أسلوبك يمتاز بالعفوية والبساطة هكذا يقول المرحوم عبد العزيز الربيع وأنا أقول إنه السهل الممتنع .. ثم يقول : يتألق أحياناً .. مصدره الانفعال . أخي لو لم يكن الانفعال ولم يكن الإحساس والمعاناة ولا اقصد بالمعاناة الذاتية ولكنها المعاناة بالمشاركة والإحساس والمشاهدة كل تلك تحرك ما بداخلنا وخلجات أي أديب أو أي كاتب ليعطي انطباعاً عاماً في قالب خاص أو العكس يستجدي المواقف ليصوغ منها الكلمة والمعنى . ولكن يجب أن يكون ذلك الانفعال من النوع الهادئ وليس الثائر أخيراً لك مني كل مودة وتحية وتقدير وأرجو ألا أكون أطلت عليك ولكنها المناسبة السعيدة جعلتني أمازحك وأتطاول عليك من خلال الحرف وأعتذر فأنا لست في مقامك فأنت أديب وصحفي ... ولنا بكم القدوة الحسنة .

أخوك : دخيل الله شليل العتيبي 17 / 9 / 1402هـ

هذه قطعة أدبية من خلال رسالة أخوية من صديقي وزميل الدراسة دخيل الله شليل التوم العتيبي أبو خالد يرحمه الله تعالى بقيت حزينة وسط ركام أوراق لدي تعد عنواناً لصداقة ومحبة وإيثار انطلقت من زمالة وتوافق كانت ولا تزال كل عبارة منها ترسم خطأ اسمه التفاؤل والمستقبل واستشراف حجب الغيب بوهج مميز وإشراق مبهر نسجته خيوط عقل مستنير وثقافة لغوية عميقة وقلب كله صفاء وحب وتقدير ....

أكتبها اليوم لأعيد وهجها عبر وسيلة التواصل هذه ولعلها تصل إلى من أكن لهم محبة خالصة وتقديراً عالياً هم أبناء ذلك الصديق العزيز الذين لا أدري أين هم اليوم لأطلعهم على تلك الرسالة كاملة بخط كاتبها وبوهج ثقافته فأثارت في نفسي الشيء الكثير من الأمنيات والذكريات وكان هذا البوح من آثارها...

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.