بيت بن طما المنقاشي الأسلمي في حرب

محمد بن صالح البليهشي

بيت بن طما المنقاشي الأسلمي في حرب
بيت بن طما المنقاشي الأسلمي في حرب

يعتبر بيت ابن طما المنقاشي الأسلمي من البيوت الركينة في قبيلة حرب وهذا البيت له من المكانة الراقية التي كان لها تاريخ مؤثر في المنطقة ما جعل المؤرخين والكتاب يضعونه في الصفوف الأمامية عندما تذكر المشيخات الحربية في الحجاز، ويمتد تاريخ هذا البيت إلى آفاق بعيدة في سلسلة أحقاب التاريخ ولا يمكن استقصاء البدايات الأولى لهذا البيت في قبيلة بني أسلم المتجذرة منذ العهد الجاهلي والزبيدية المسروحية الحربية في الوقت الحاضر، وقد سجلت وثائق التاريخ ذلك اليوم الذي أجمعت فيه قبيلة بني أسلم على تأكيد مشيخة الشيخ طما بن عوض الله المنقاشي الأسلمي امتدادًا لأسلافه في قيادة ومشيخة القبيلة.

والشيخ طما رأت فيه القبيلة في وادي حجر تميزه وبطولاته وحسن تصرفه وجدارته وحنكته وحسن تعامله في إدارة أمور القبيلة، وكان من قضاة (العرف في زمانه ومن الرجال الذين تثق بهم القبائل المحيطة وتطمئن إلى حسن آرائه وتعامله في حل المشاكل وتقريب وجهات النظر إضافة إلى كرمه وحسن استقباله وسعة أفقه واستيعابه للمواقف والأعراف القبلية في زمانه، ولذلك توفرت فيه صفات القيادة وحسن التصرف والعقل والاتزان، كما عرفت عنه شاعريته المتقدة وإقدامه في كل ما يرفع من شأن القبيلة ويخلد تاريخها ويجعل لها المكانة الرفيعة بين قبائل المنطقة، وكان محباً ومقرباً لشيوخ آل مبيريك في رابغ من الذين كان لهم مكانة في الإقدام والرأي والمشورة، وقد رافق الشيخ طما وبعض جماعته الشيخ إسماعيل بن مبيريك شيخ رابغ وقتها في إحدى مساراته إلى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمه الله وهو في الرغامة) بجدة مبايعا ومعاهدا للملك على الانضمام إليه ومناصرته، وقد أعطاه الملك المؤسس وثيقة بذلك ورد فيها هذا ما صار بين الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل وبين طما بن عوض الله كبير بني أسلم على أنه بايع الإمام عبد العزيز على دين الله ودين رسوله وعلى السمع والطاعة وعلى موالاة من والى المسلمين ومعاداة من عادى المسلمين وتعهد له بأنه شايل ديرته وقبيلته من جميع المخالفات والمحافظة على طرق المسلمين من حجاج وعابري سبيل ودفع الزكوات، وأعطاهم الإمام عهد الله وأمان الله على أنفسهم وأموالهم وتوجت الوثيقة بختم الملك وسجل تاريخها في 18 رجب عام 1344هـ. ومن يومها اضطلع الشيخ بمسؤولياته أمام الدولة، وقام في وسط جموع قبائل بني أسلم معلنا الطاعة والولاء للملك عبد العزيز باسمه وباسم قبيلته التي وقفت معه وتحملت مسؤوليات تلك البيعة.

وقبيلة بني أسلم يمتد تاريخها إلى العصر الجاهلي فهي قبيلة أزدية الأصل حربية الواقع في دورها ومعاصرتها ومساهماتها في الأحداث المهمة ويوم أن ظهرت الدعوة المحمدية كانت قبيلة بني أسلم حلفاء جد الرسول صلى الله عليه وسلم عبد المطلب، فوالت النبي عليه السلام وأهدى أوس الأسلمي للركب الشريف في الهجرة جملاً ودليلاً في معرفة الطريق إلى المدينة، وأسلم أوس ومعه ثمانون من قبيلته، وكتب النبي لهم كتاباً قال فيه: هذا كتاب من محمد رسول الله لأسلم لمن آمن منهم وشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فإنه آمن بأمان الله ورسوله وله ذمة الله وذمة رسوله وأن أمرنا وأمركم واحد على من داحمنا من الناس بظلم، اليد واحدة والنصر واحد لأهل باديتهم مثل ما لأهل قراهم وهم مهاجرون حيث كانوا..) وفي عام الوفود كان وقد بني أسلم أولها، ودعا لهم الرسول بقوله: (أسلم سالمها الله وفي فتح مكة شاركت قبيلة بني أسلم بأربعمائة مقاتل ورايتين وفي حنين بألف مقاتل ولهم ذكر ومواقف في غزوات الرسول وسراياه وهي من القبائل التي لم ترتد، وفي بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال سيدنا عمر : ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر)، وفي فتوحات الخلفاء كان لهم حضور وأخبار كبيرة ويوم أن استقر معظم فروع القبيلة في وادي حجر بين الحرمين دونت الوثائق المحلية أخبارهم، مواقف ورجولة وبطولات ووفاء بجانب قبائل حجر من بني يزيد وقبائل زبالة وغيرهم، وسجلت الحصون والقلاع في مواقع حصن بني أسلم والمرقاب والمنقاشيات ونزلة الحوايصة وبيت الرباعين وضيوف الزبيري ويسير والأسلمية والقويبيلات والمنقاشية سجلت هذه المواقع لهم الآثار الباقية التي أضاءت صفحات التاريخ الأسلمي بمرور الزمن.

لقد عمر الشيخ طما بن عوض الله المنقاشي الأسلمي و اتخذ من قرية راين) في حجر مقراً له في جوار قلعته التي سميت باسمه (قلعة طما) ما تزال أطلالها باقية إلى اليوم غرب حصن المناقيش، ورسم الشيخ المعالم القبلية وعاصر الملوك عبد العزيز وفيصل وخالد وعبد الله وفهد وكان طوال حياته حريصاً على تنفيذ أوامر الدولة وهو محب للملك عبد العزيز وقد مُلئت قصائده بذكر الملك الباني رحمه الله، وعندما توفي في العام الهجري 1367هـ صدر الأمر الكريم بترشيح ابنه فلاح بن طما) شيخا للقبيلة، وقد استفاد الشيخ فلاح من مجالس والده وامتاز بذكاء خارق ودهاء كبير ورجاحة عقل واتزان، كما تميز بالحزم والصرامة وعده شيوخ القبائل المحيطة من الثقاة وأصحاب الخبرة والدراية وأهل الرأي والمشورة، وكانوا يختارونه للفصل في الخصومات، وله دراية بالأنساب وكان مجلسه موطناً لبحث القضايا القبلية وهو شاعر ملهم في مختلف أنواع الشعر الشعبي وبالأخص شعر الرد والزومالة وله مقابلات كثيرة مع الشاعر محمد بن شريف الجبرتي وغيره من شعراء المنطقة. وقد استمر في مشيخة القبيلة أكثر من 36 عاماً يقوم بدوره فيها وينيب أخاه الشيخ عوض الله بن طما في حالة غيابه وانشغاله، الذي هو الآخر من أصحاب الحكمة والرأي وسعة الأفق وعوض الله بن طما المتوفى في عام 1370 هـ هو والد الشيخ دخيل الله بن عوض الله بن طما كبير وعميد أسرة آل طما حالياً.

وفي يوم الجمعة 17 رجب 1403هـ فقدت القبيلة شيخها الحكيم فلاح بن طما، وصدر الأمر الكريم بترشيح ابنه الشيخ عايض بن فلاح بن طما شيخاً للقبيلة واستمر الشيخ عايض على نهج والده وأسلافه بابا للقبيلة وشيخا لها قرابة ثلاثين عاماً، وفي العام الهجري 1432هـ انتقل إلى رحمة الله وتلقى أخوه محمد فالح موافقة وزير الداخلية بترشيحه شيخا للقبيلة ولا يزال حتى اليوم يقوم بدوره كما عُرف عن أسلافه من آل طما بمعرفة ورجولة وتواضع، ويحرص أبو فلاح على القيام بدوره نحو أسرته وقبيلته ونحو ولاة الأمر الذين عرفوا بالوفاء لكل الأوفياء في قبائلنا ومجتمعاتنا في طول البلاد وعرضها، ويمتاز كل الأعلام في بيت ابن طما) المنقاشي الأسلمي الزبيدي المسروحي الحربي وفي قبيلة بني أسلم عموما بالأصالة والانتماء والوفاء.

وإنني أدعو هذه القبيلة وهي القادرة بأعلامها ومثقفيها وذوي اليسار فيها إلى إعادة ترميم حصن بني أسلم الذي هو نموذج للقلاع والحصون الباقية في المنطقة والتي لا تزال جدرانه واقفة ومعالمه واضحة وأبراجه شامخة وادبول) عين حشيفات باقية من تحته وموقعه مميز وهو جزء من تاريخ حجر وتاريخ قبيلة بني أسلم وجزء من تاريخ قبائل حجر وقبيلة حرب على وجه العموم وهو مدعاة للفخر والاعتزاز وإحياء التراث ودروس لأجيالنا القادمة قبل أن تنهدم جدرانه وتضيع معالمه ويصبح أثراً بعد عين.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.