معركة بدر الكبرى اليوم الخالد في تاريخ الإسلام
محمد بن صالح البليهشي

رمزنا اليوم.. يوم من أيام التاريخ، ولدت فيه للإسلام دولة وعلت فيه للتوحيد كلمة، أضاء الكون بإشراقاتها في كل نواحيه، إنه يوم الإسلام المجيد الذي ارتفعت فيه راية الحق وخذل فيه الظلم والجور والطغيان. يوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، ذلك اليوم المجيد، يوم معركة بدر الكبرى، يوم أقبلت فيه قريش بخيلاتها وفخرها تحاد الله وتكذب رسوله.
يوم، ألفت فيه مكة بفلذات أكبادها، عتبة بن ربيعة شيبة بن ربيعة، أبو البختري بن هشام، حكيم بن حزام أبو جهل بن هشام، أمية بن خلف. سهيل بن عمرو عمرو بن عبدود، وغيرهم من علية القوم ( أولئك الملا..). نعم ثارت الحمية وخدش الكبرياء، يوم أن استيقظت مكة على صوت . ضمضم بن عمرو الغفاري، وأنف بغيره يقطر دعا، ورحله قد حوله، وقميصه مشقوق وهو ينادي يا معشر قريش النعيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها العوث. الغوث.
يوم شهدت فيه بطاح مكة قريشا وهي تسير مزهوة بتسعمائة وخمسين. مقاتلاً، ومائة فرس، وسبعمائة بعير.
يوم قال فيه عمير بن وهب الجمحي يا معشر قريش، رأيت البلايا تحمل المنايا، تواضح يثرب تحمل الموت النافع، قوم ليس لهم منعه ولا ملجاً إلا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم فإذا أصابوا منكم عددهم فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم.
ومن طرف الوادي في يوم المسير يعلو صوت الأحلف بن شريق الثقفي حليف بني زهرة: يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص صاحبكم. إنما تفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبتها.
يوم قال فيه أبو جهل بن هشام معانداً ومتكبراً والله لا ترجع حتى نرد. بدرا فنقيم فيها
ثلاثاً تنحر الجزر وتطعم الطعام وتسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبد الدهر.
يوم خرج له صحابة رسول الله يوحي من قوله عليه السلام: (هذه غير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينقلكموها)، خرجوا برسولهم بعدد ثلاثمائة وثلاثة عشر صحابيا وبفرسين وسبعين بعيزا، يحمل لواءهم الأبيض مصعب بن عمير وتتقدمهم رايتان إحداهما بيد علي بن أبي طالب وهي راية المهاجرين، والأخرى بيد سعد بن معاذ وهي راية الأنصار
يوم استمع فيه الصحابة رضوان الله عليهم إلى نبيهم عليه الصلاة والسلام على مشارف بدر في وادي (دفران بعد أن علم من استخباراته ذهاب القافلة وخروج فريش للقتال قائلاً لهم أشيروا على أيها الناس. انه اختيار للمعنويات ومراجعة للمواقف، إنها الشورى، تكلم أبو بكر تكلم المقداد بن عمرو، والرسول يقول: أشيروا علي أيها الناس.
فقام سعد بن معاذ قاتلاً: كأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل، فقال: قد امنا بك وصدقنا بك وشهدنا أن ما جنت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت. فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر محضته الخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً. إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يربك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله.
وهنا يسر المصطفى ويقول: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم.
وقال عندما تقابل الجمعان والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسباً مقبلاً غير مدير إلا أدخله الله الجنة.
ومن موقع العريش الذي بناه الأصحاب لنبيهم ناجي ربه ودعاه: (اللهم إن تملك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض، اللهم نصرك | وقال وهو يرمي التراب في وجوه القوم: شاهت الوجوه، اللهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم....
وقال لأصحابه مع بدء المعركة (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض.... وارتفع صوته عليه الصلاة والسلام لأصحابه قائلا: ( إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم ... لقد شهدت بطاح بدر وجباله ووديانه معركة الحق مع الباطل، والعدل مع الجور والظلم والطغيان، وسجل تاريخ السابع عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة يوماً مشهوداً انتصر فيه الحق على الباطل وعلت رايته وخذل فيه الكفر بصلفه وغطرسته وكبريائه.
سبعون قتيلا من علية قريش وسبعون أسيراً منهم كانت نتيجة ذلك الموقف سجلها تاريخ الإسلام في صفحات المجد والخلود وبقيت بدر المعركة والغزوة، وبقيت بدر الموقع والزمان نموذجاً خالداً وفجراً جديداً أضاء له الكون مبشراً بميلاد دولة الإسلام ودعوة الحق واليقين، ومن بدر أرسل نبي الأمة عليه الصلاة والسلام بشائر النصر على ناقته القصواء إلى مدينته الحبيبة طيبة الطيبة حيث ارتفع في جنبات أهل العالية في قباء وقربان والعوالي صوت عبد الله بن رواحة رضي الله عنه واستمع أهل السافلة في داخل المدينة وعيونها وسفوح جبل أحد صوت زيد بن حارثة وهما يبشران بذلك النصر المبين ودحر أئمة الكفر والطغيان في ذلك اليوم الخالد العظيم.
ورحم الله شاعر الريف السعودي وابن بدر البار الشاعر مفرج السيد الذي تشرف طفولة وشباباً وفتوة وكهولة وشعراً بربوع بدر المدينة وتشربت أنفاسه بدر التاريخ وهام في بدر حباً وتعلقاً وشعراً وخلدت قريحته ألوان الصور عن هذه المدينة العظيمة وتلك المعركة الخالدة ومما قاله يرحمه
الله تعالى:
يا بدر.. يا بدر الجهاد السامي
يا درة في مفرق الأيام
يا قصة تروى على طول المدى
للبذل والتصميم والإقدام
شهدت روابيك الزواكي هذه
بترابها المتراكم المترامي
يوماً من التاريخ وافي جاهماً
وأضاء من وقع الحديد الحامي
لما التقى الجمعان في يوم الوغى
والقوم كالبحر الخضم الطامي
وجرت على وقع البراري وقعة
والحكم أضحى في يد الصمصام
وتكشفت آثارها عن عصبة
منصورة برسولها المقدام
وعصابة تدعو الورى لضلالها
مقهورة وجماجم وعظام
يا بدر.. هل وطنت ترابك مرة
أقدامهم يا للتراب السامي
أو هل لثمت بلهفة أقدامهم
أكرم بها في الطهر من أقدام






