الشاعر بشير بن سالم الصاعدي
محمد بن صالح البليهشي

أهدى إلي شاعر العقيق الأستاذ بشير بن سالم الصاعدي ديوانه (غيابة حب) الذي ضم 34 قصيدة تفرقت أهدافها وتنوعت قوافيها والبسها شاعرنا ثوباً قشيبا قد وشاه بعمق المعاني وجميل الألفاظ وموسقه بروائع الأنغام التي تذوب عذوبة وجمالا وحسن اختيار وقوة سبك وعمق بلاغة وروعة أداء وعرض وسلاسة وقوة معنى وأصالة لغوية وبيانية، قال في إهدائه لهذا الديوان: (أشق صف الصمت .. أتقدم كلمة إلى الأمام .. أهدي كل أذن واحدة تصغي .. غيابة حب .. رغم أن للإنسان أذنين.. وبدأ قصائد الديوان بقصيدة مؤثرة في رثاء أبيه عدد أبياتها 34 بيتا بعدد قصائد الديوان نفسه ولا أدرى إن كانت مصادفة أو أن شاعرنا قد تعمدها، وتخليداً لمأثر والده التي من أبرزها رفع الأذان من على منارة مسجد الميقات لأكثر من أربعين عاماً حيث كان صوته يرحمه الله يصل إلى أقاصي (الحسا)، ذلك الجزء القصي من العقيق الأوسط الذي تعطر شاعر العقيق بشير الصاعدي بروائح نعناعه الحساوي نسبة إلى جزء الحسا من وادي العقيق، كان صوت الشيخ سالم بن مريزيق الطرفي الصاعدي المسروحي الحربي) وهو يرفع الأذان من مسجد الميقات بذي الحليفة يومياً صوتاً ندياً يبعث على استشعار الإيمان ويسري إلى أفاق جبال العقيق وهضابه ووديانه وكفوفه ومزروعاته ونخيله وبساتينه، وكان القاطنون في روضة خاخ وما حولها يفطرون ويصومون على أذانه المميز وصوته الجهوري واعتاد سكان عروة وما حولها على ذلك الأذان الذي يغطي جوانب عديدة من جماوات العقيق ووادي المكيمن وما يحيط به.
لقد أشار إلى ذلك شاعرنا في قصيدته عنه بلوعة وحرقة وتوجد
من نور وجهك يا حبيب تعلمت
شهب وتلمذ نفسه القنديل
فقدتك منذنة فما أنا قاتل
لو ساء لتني والدموع تجول
يرتيك محراب ودمع عيونه
نهر وفي القلب الجريح ذهول
من من أبي أطول هامة
فرس البلاغة دولة مشلول
لقد كان الشيخ سالم، والد رمزنا اليوم رجلاً كريماً يعرف أقدار الرجال ولديه المعرفة التامة بالأعراف القبلية وله مواقفه الشجاعة في قول الحق والصدع بكلمة الصدق في كل الأوقات، تشهد له مآذن مسجد الميقات وساحاته بالأذان والصلاة فيه ولا نزكيه على الله سبحانه وتعالى عرف بالتواضع ولين الجانب ودماثة الأخلاق وحسن الاستقبال والتواضع.
يا أم كيف كتبت الحب قافية
ومن قصيدة (أبو عبد الله بشير الصاعدي عن أمه:
وأنت أمية لم تقرني كتبا
تدفق الحب نهراً من أناملها .
ويغرق البحر لو من كفها اقتربا
حاولت أبلغ بالأشعار غايتها
فيسقط الحرف وهنا كلما وثبا
وقال عن العقيق الذي ولد به وتعلم في مدرسته وتعطرت أقدامه بترابه وناغي عصافيره وخاطب جباله وهضابه ورعى اليهم في شعابه وخاطب سيله وعرصاته وشهدت ساحاته ورياضه ملاعب صياه مما قال فيه:
بثغرك أم بعينك البريق
رويدك إن قلبي لا يطيق.
على وادي العقيق عرفت حبي فكيف اليوم ينكرني العقيق
تركت على ضفافك ذكريات
ستبقى لا يبددها العشوق
ألم تسمع معي منها الحكايا
متطرب مثل ما طرب المشوق أعود إليك يدفعني حنيني
فتعرفني الحجارة والطريق
تنافسني فإن سطرت بيتاً يهب نسيمك العذب الرفيق
فأهديها من الفيروز عقدا
وتهديها فيفتنها العقيق
يغازلها كلانا فهي مني ومنك فمن بها منا يتيق
يغازلها شذى النعناع حيناً وأحيانا يغازلها الرحيق
يضوع (الدوش) منها و الحساوي)
وعرق عفافها فيها عريق أعند السيل موعدنا سناتي
ويجمع بيننا حب عتيق
عقيق لو يعود بنا صبانا
ايفترق الرقيقة والرفيق
أتذكر أيها الوادي غريقاً
قديماً في هواك.. أنا الفريق
روعة في الأداء وسلاسة في الأسلوب وخطاب عميق ومساءلة رائعة من شاعر شب وترعرع على ضفاف هذا الوادي المبارك الذي احتل مكانة عالية في الأدب العربي نثراً وشعراً على مر العصور والأزمان لارتباطه بالسيرة النبوية وبالمدينة العظيمة، إذ وقف عنده المؤرخون وتناوله الشعراء فطارجوه ألفة وحنينا وحبا وجمالا وتميزاً ومكانة وتاريخاً يكتب بأحداثه وذكرياته جيلا بعد جيل، فما من عصر من العصور وما من قرن من قرون التاريخ إلا ويكون للعقيق فيه قدح معلى في الثقافة والتاريخ والآثار وفي جادة الشعر خلد وادي العقيق شعراء وقفوا عليه أو تعاملوا معه وأشادوا بمكوناته الدينية والتاريخية والجغرافية ومآثره، خلد شعرهم بخلوده وأضفى عليه نسيجاً خاصاً له طعمه ورائحته ونكهته المميزة قديماً وحديثاً انطلاقاً من إشراقات قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إني أحب العقيق... وقوله للسيدة عائشة رضي الله عنها: جئنا من العقيق، فما ألين موطئه، وما أعذب ماءه.. وتحتفظ أرضه المباركة بالعديد من مواقف السيرة وأحداث الغزوات والسرايا وتجاوزا في هذه العجالة لما تكتنز بطاح العقيق ووهاده من أمجاد ذكرها الشعراء وتغنوا بها، فإن شعراء العصر الحديث خاصة شعراء المدينة كالأسكوبي وعمر الكردي وعلي حافظ وضياء الدين رجب وعبيد مدني وعبد الرحمن عثمان وعبد القدوس الأنصاري وأسامة عبد الرحمن عثمان وعبد الحميد عباس وحسن صيرفي ومحمد العيد الخطراوي ومحمد هاشم رشيد وخالد النعمان ومحمد الصفراني وغيرهم، وكذلك الشعراء الذين تشرفوا بالسير فيه والابتهاج بمغانيه خلال العامين الماضيين بعد أن حظي الوادي بتطوير قاعه وجنباته من قبل هيئة تطوير المدينة المنورة بتوجيه سمو أمير المنطقة جميع هؤلاء الشعراء كان للعقيق حضور في شعرهم تأكيداً لمكانته الدينية وارتباطه بسيدة البلدان واستشعاراً لما مر به من أحداث دينية واجتماعية وحضارية وفوق ذلك كله تلك البركة التي أكدها سيد الخلق وحبه له ومدحه إياه جميع الشعراء اتخذوا من العقيق وهجا مضيئاً في قصائدهم ولكن رمزنا اليوم الشاعر بشير الصاعدي أول شاعر عربي فصيح خرج بربابته) مغنياً من عمق هذا الوادي ولادة وطفولة ونشأة وشاعرية لا تقل عن شاعرية أولئك الكبار الذين سبقوه في التغني بأمجاد هذا الوادي وتاريخه ومآثره فهو من حيث الشاعرية عميق في دروبها ومن حيث الأصالة الشعرية في قمتها معنى وعمقاً ودراية وبناء وتلمس في شعره الارتباط الوثيق بالوادي ومكوناته الدينية والتاريخية والبيئة التي عاشها في جوانبه طوال حياته ولا يزال يسير كل يوم ينظر يمنة ويسرة يخاطب الطير والأثر ويتفقد المعالم ويصوغ ما يراه شعراً جميلاً رائعاً تحس من خلاله تلك الحميمية النادرة بين الشاعر وبين معالم الجبال في الجماوات وعير والمكيمن وغيرها وبين آثار القصور على جوانب العقيق والآبار في نواحيه المختلفة، وأكبر من ذلك كله يسير بشاعريته وقد تعطر بتراب العقيق وريحانه ووروده وعطرته الفواحة ونعناعه الحساوي الذي لا يزال يتعامل معه صباح مساء حتى اكتسى منه عطراً فواحاً يمزج به شعره ويهديه لمن يحب، فأبو عبد الله بشير الصاعدي شاعر العقيق وهذا اللقب وشاح توشحه واسم تشرف به رأيت تسميته به لأنني لا أعرف شاعراً بعمق شاعرية هذا الرمز يخرج من وادي العقيق ولادة وسكنا وإقامة وشاعرية سواه في العصر الحديث وليته يتفرغ للشعر ويعمد إلى ما قاله الشعراء في الوادي فيجمع ما تفرق منه ليخرج لنا (سفراً) كبيراً يضاف إلى ما ألف ووثق عن هذا الوادي المبارك قهو الأقدر عليه والجدير به.






