الإعلامي الأستاذ بكر يونس إبراهيم

محمد بن صالح البليهشي

الإعلامي الأستاذ بكر يونس إبراهيم
الإعلامي الأستاذ بكر يونس إبراهيم

رمزنا اليوم الأستاذ بكر يونس إبراهيم، مثال للشاب العصامي الذي شق طريقه في الصخر بنبوغ وعصامية نادرة المثال في وقت مليء بالأحداث، ومجتمع تحيط به معوقات الحياة من صنوف الفقر والجهل والمرض، فعلى ربي أم القرى ولد ذلك الشاب في العام الهجري 1339هـ، وعند سن الخامسة تقريباً فقد والديه، فذاق مرارة اليتم والحرمان في ذلك السن المبكر وعاش في كنف خاله طاهر أحمد رحمه الله تعالى، ورغبة في الحفاظ عليه وتعليمه وإشفاقاً بحاله كان يصحبه إلى المسجد الحرام في ذهابه وإيابه ليعلمه القرآن الكريم، ورآه صديقه الأديب والشاعر طاهر زمخشري رحمه الله تعالى فأشار عليه بأن يدخله مدرسة دار الأيتام بالمدينة المنورة التي كان الزمخشري أحد مدرسيها في ذلك الوقت فتحقق ذلك وأصبح بكر يونس) ضمن طلابها، وحمل بين الطلاب رقمه المعروف (121) لأن كل طالب يقترن اسمه برقم معين في عهد مدير المدرسة الأسبق الأستاذ حسني العلي رحمه الله تعالى، وصار الطالب بكر يونس منذ أن وطنت أقدامه أرض المدينة المنورة وتفتح ذهنه في ربوعها بين مسجدها العظيم وبقاعها الطاهرة وهو يتشرب أرواحها وقداستها وتاريخها، وما لبث أن برز بين أقرانه تفوقاً ودراسة ونبوغا نال إعجاب معلميه ومربيه في تلك الدار العظيمة التي كانت تحتضن الأيتام، وقد أسسها وأوقفها المحسنان الكريمان (عبد الغني وعبد الكريم (دادا) وأصبح طلابها ينافسون بقية المدارس المماثلة لها في الدراسة والمراحل، وتزيد عنها دار الأيتام بالدراسة والرعاية والمأوى والتربية المباشرة وتعليم الطلاب صناعة من الصناعات البسيطة تحقق للطالب في مقتبل حياته العيش الكريم منها، ومن هنا أنتجت الدار العديد من العباقرة أمثال الدكتور أحمد محمد علي مدير البنك الإسلامي الأسبق أطال الله عمره، والأستاذ (بكر يونس إبراهيم رحمه الله تعالى رمزنا في هذه المحطة من محطات رموز في الذاكرة)، وغيرهم كثير من أولئك الأيتام الذين عاشوا في ربوع دار الأيتام بالمدينة وأحاطتهم برعايتها وتعليمها.

وكانت الدار تقيم الحفلات المدرسية في جميع أعوام وجودها وتدعو لرعاية تلك الحفلات وكيل إمارة منطقة المدينة المنورة وكبار المسؤولين والمثقفين والأدباء، وتحظى برعاية كبار المسؤولين في الدولة عند زيارتهم للمدينة المنورة، كما تحظى بزيارة كبار الحجاج والزوار لهذه المدينة الطيبة الطاهرة، وأثناء زيارة أولئك كانت منصات الخطابة وتقديم الحفلات مجالاً للتنافس بين طلابها، ولكن المذيع بكر يونس) هو الاختيار الأمثل للمعلمين وللإدارة في تقديم أكثر الحفلات التي تقام بها، ومن هنا اتقدت ملكة الإذاعة والخطابة في نفس ذلك الشاب النابه الذكي، وتواصل معه حب الإعلام والإذاعة من دار الأيتام إلى ثانوية طيبة التي درس بها إلى كلية (بنر زيت) في فلسطين ثم إلى جامعة بغداد التي سجلت صالاتها صوت ذلك الشاب الحجازي في الكثير من مناسباتها وحفلاتها، ونهل من معين تلك الجامعة ونال منها الشهادة في الأدب الإنجليزي وعمل بها في بعض أقسامها، وتشرب ثقافة عالية في اللغة العربية والإنجليزية ولكن حبه للعربية طغى على إنجليزيته فكان لسانه رطباً بها يتذوق لغتها ويعيش بلاغتها، ومن العراق أراد الله سبحانه وتعالى أن يعايش المجتمع العراقي ويتزوج بعد تخرجه من الجامعة من إحدى الأسر الكريمة فيه وينجب أبناءه من تلك السيدة العراقية
التي عاشت معه طوال حياته.

ولم يطل مكثه بالعراق بعد تخرجه من الجامعة، بل حزم متاعه صوب بلاده ومسقط رأسه المملكة العربية السعودية، ومع بدايات السبعينات الهجرية من القرن الماضي استمع المواطنون بالمملكة إلى صوت إذاعي جهوري يعلن ويذيع برامج الإذاعة الناشئة، ذلكم هو صوت المذيع الرسمي لها الأستاذ بكر يونس إبراهيم الذي سجل الأثير صدى صوته إلى كل الجهات التي تطالها أشعة الإذاعة، وتردد ذلك الصوت الجهوري بالقول: إذاعة المملكة العربية السعودية...

وكان رمزنا اليوم الأستاذ بكر يونس خلف ميكروفونات الإذاعة التي عمل جهوداً كبيرة بجانب المخلصين في الإعلام حينها ليكون صوتها مسموعة وآثارها قوية جاذبة، وليكون المذيع بكر يونس) بصوته المحلي ونغمته المعروفة هو الأقرب للقلوب والأفهام والمسامع، فهو أبرز الشخصيات الإعلامية الشهيرة في المملكة، وقد وصل تلك المنزلة في وقت قصير من عمر الإذاعة الجديدة الناشئة وتعد مسيرته فيها زاخرة بالتاريخ الحافل والخطوات الواسعة المتسارعة، ونتيجة لجهوده وأصالة لغته وسلامة ألفاظه وصل إلى درجة المذيع الأول في الديوان الملكي في عهد جلالة الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، لما يمثله من مقومات عالية أهلته بكل اقتدار لأن يكون المذيع المتخصص لتغطية أخبار ونشاطات الديوان الملكي، واعتبر المذيع المرافق للموكب الملكي للملك سعود بن عبد العزيز، حتى أنه في يوم تشكيل أول مجلس وزراء للملك سعود كان المذيع بكر يونس) المقدم لأسماء أصحاب السمو الملكي وأصحاب المعالي الوزراء وللحفل المتضمن القسم المعتاد في مثل تلك المناسبات الخالدة، ورافق الملك سعود في زياراته داخل المملكة وخارجها، وهو رائد إذاعي عايش إذاعة المملكة العربية السعودية، فكان مذيعة حاذقاً ولغوياً متميزاً ومعداً للعديد من البرامج والمواقف إعداداً أو إشرافاً وإخراجاً بوعي ثقافي وثقافة نادرة، وهو كذلك عصامي وقارئ متميز يعتمد على نفسه في كل شيء فهو الفصيح في اللغة القوي في المواقف، والمؤلف والمعد للبرامج والمخرج، لأنه رأى في بداية نشأة الإذاعة أنها تتطلب كل ذلك فكان يمضي الساعات الطوال من أجل أن تؤدي الإذاعة رسالتها بكل جدارة وثقة واقتدار فنال ثقة المسؤولين، وفي مقدمتهم جلالة الملك سعود بن عبد العزيز يرحمه الله تعالى الذي رأى فيه ملامح الذكاء والفطنة والتمكن من اللغة. فأثر ذلك الشاب النشيط على غيره لمرافقته في كافة المناسبات داخل المملكة وخارجها وأصبح أول مذيع رسمي في الديوان الملكي السعودي، وهو بجانب لغته الفصيحة وعمقه اللغوي العربي يجيد أربع لغات ولذلك تربع على ساحة الإعلام السعودي منذ أن تم تعيينه فيه عام 1374هـ، واستمر حتى دخل التلفزيون السعودي الساحة فتم تعيينه مديرا للمكتب العام في التلفزيون السعودي عام 1374هـ وأصبح مذيعا في التلفزيون، وما لبث أن رقي إلى مشرف عام على مواد التلفزيون ثم رئيساً لقسم المراقبة في التلفزيون عام 1394هـ ثم صار بعد ذلك المراقب العام للبرامج الأجنبية في وزارة الإعلام ثم عين مديراً للإدارة العامة للمطبوعات في الوزارة، وخلال هذه المسيرة الحافلة للأستاذ الإعلامي المميز بكر يونس في وزارة الإعلام، عرفته أروقة الوزارة مبدعاً في كافة فروعها من إذاعة وصحافة وتلفاز، فهو في كل الميادين عرفه المسؤولون بإجادته وريادته والاعتماد عليه. كما عرف بوطنيته وانتمائه لهذه البلاد وقيادتها، سلاحه في كل ذلك حسن نيته وطيب معدنه وجراءته في قول الحق وتضلعه في اللغات المختلفة وجهورية صوته وسعة أفقه وبلاغة منطقه وتعامله الجيد مع أصدقائه ومرؤوسيه وإخلاصه في عمله، وقد تم تكريمه داخل المملكة وخارجها في مختلف المناسبات الإعلامية والثقافية، وقابل أشهر زعماء العالم وترأس الوفود الإعلامية في زيارات الملك سعود بن عبد العزيز ومنحه ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا نيشان الإعلام، كما تلقى خطاب شكر من الرئيس
المصري السابق جمال عبد الناصر. وقد سرت عدوى حب الإعلام والتعامل مع الإذاعات المرئية والمسموعة إلى أبنائه وبناته من بعده حيث زرع فيهم التألق. والإبداع الذي لا يتعاطاه ويسير في أضوائه إلا المثقفين الذين قد تشربت نفسياتهم بالثقة والعلوم والمعارف.

وكانت المدينة المنورة حاضرة يرحمه الله تعالى، حيث لازمته في كل موقع يحل فيه داخل المملكة وخارجها وفي العام الهجري 1402هـ وبعد صيامه لشهر رمضان في ربوعها ومع بدايات عيد ذلك العام تحققت أمنية الإعلامي الأستاذ بكر يونس إبراهيم. حيث وافته المنية في هذه المدينة الطاهرة وصلت عليه جموع المصلين في مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم ودفن في بقيع الغرقد رحمه الله تعالى وغفر له وأجزل له المثوبة والأجر.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.