بخيت بن بنيان
محمد بن صالح البليهشي

في الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك من عام 1435هـ فقدت ساحة الرجال أحد أركانها الأساسية لدينا في منطقة الحجاز .. بل أحد الرجال ذوي المروءات في هذا الوطن على امتداد مساحته.
فقدت ساحة العرف والمعروف والشهامة والأصالة الشيخ بخيت بن ناصر بن بنيان شيخ قبيلة (اللهبة من قبائل حرب حيث صلى عليه جموع المسلمين في المسجد الحرام وضمته. مقابر العدل بمكة المكرمة.
ذلكم الرجل الذي عرفته الأوساط الاجتماعية على اختلاف. مستوياتها وطبقاتها بمواقفه المميزة ومسارعته لبذل المعروف والجاه لكل من احتاجه من كافة فئات المجتمع حاضرة وبادية.
لم يعرف عن أحد استعان به للوقوف معه لحل مشكلة إلا كان أول الواقفين المسارعين لبذل يد المعروف بيده وجاهه وماله ومروءته .. إنه سليل بيت أصيل في قبيلته (اللهبة) من عوف من حرب .. بل هو شيخ القبيلة وقبله والده الشيخ ناصر بن بنيان وجده الشيخ بخيت بن بخيت بن بنيان.
وقد كان لفراسة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود يرحمه الله في معرفة أقدار الرجال دورها في اختيار الرجل المناسب في الموقف المناسب حيث رأى بثاقب نظره يوم أن دخل الحجاز وانضمت البلاد تحت لوائه المنصور وعند قراره بعقد أول مؤتمر إسلامي عالمي في مكة المكرمة في شهر ذي القعدة من عام 1344هـ رأى بثاقب نظره تكوين وفود أقطار الحجاز ونجد وعسير وغيرها للاشتراك في ذلك المؤتمر الإسلامي العالمي الأول الذي دعا إليه وفود مختلف أقطار العالم الإسلامي ... وكان وفد الحجاز أحد الوفود التي ضمت . العديد من شخصيات المجتمع الحجازي ومثلت قبائله وكان. من بين من ضمهم ذلك الوفد بتوجيه الملك الشيخ بخيت بن بخيت بن بنيان إلى جانب الشيخ إسماعيل بن مبيريك الغانمي والشيخ عارف الأحمدي ممثلين عن قبائل الحجاز.
وأجزم هنا بأن اختيار الشيخ بخيت بن بنيان ليكون عضواً في الوفد الحجازي في ذلك المؤتمر يدل دلالة واضحة على معرفة. تامة بذلك الرجل من قبل عبقري الجزيرة وموحد كيانها خاصة في تلك الأيام الصعبة في التكوين والتأسيس ولم الشتات والتوحيد.
لو لم يكن بخيت بن بنيان ( اللهيبي ( العوفي الحربي على قدر كبير من المكانة والمعرفة والدراية والقدرة لما اختاره الملك ضمن الوفد الذي يمثل الحجاز بل ويمثل قبائله في ذلك الوقت وفي ذلك المؤتمر الهام.
لقد بقي الشيخ بخيت بن بنيان عاملاً مخلصاً وأحد المقربين من الملك عبد العزيز وكذلك أحد الرجال الذين يثق فيهم الشيخ. إسماعيل بن مبيريك طيلة حياته مما أكسبه ذكراً طيباً وسيرة وإخلاصا وسعياً للإصلاح والألفة والمحبة وبعد وفاته يرحمه الله صار ابنه الشيخ ناصر بن بنيان شيخا لقبيلة (اللهبة) وكان. أحد المقربين والمستشارين الكبار للملك فيصل بن عبد العزيز يرحمه الله.
واشتهر الشيخ ناصر بوجاهته وقوته وبعد نظره وتقديره المميز لمختلف المواقف والأحداث مما أكسبه ذكراً وشكراً وشهرة وإخلاصاً لقبائله ودولته ووطنه طيلة حياته.
ويوم ان توفي صدر الأمر الملكي الكريم بإسناد مشيخة القبيلة إلى الشيخ بخيت بن ناصر بن بخيت بن بنيان الذي هو الآخر اقتفى سيرة أبيه وأجداده في إخلاصه لدولته وقادته وبلاده وقبائله لقد عاش الشيخ بخيت بن ناصر بن بنيان طيلة حياته مقدرا من ولاة أمر هذه البلاد وكان ذا حظوة خاصة
لدى الملك فهد بن عبد العزيز يرحمه الله في مختلف المناسبات والاحتفالات
الوطنية وغيرها لمعرفته التامة بأصالة معدنه ونقاء
سريرته وصفاء قلبه وحبه لبلاده وقادتها وتضحيته وبذله لمواقف العرف القبلي والمعروف والشهامة والأصالة.
وبذلك عرفه ولاة الأمر الذين تعاقبوا على إمارات مكة المكرمة وجدة والطائف والمدينة المنورة إذ لم يعرف عنه في يوم من الأيام طلبه لشخصه في أي صورة كانت بل كان الرجل النزيه الذي يسعى للإصلاح ويعمل للخير ويفتح أبوابه له ويحث عليه بنفس عفيفة وقلب نظيف وروح صافية ونتيجة لمعرفة الناس عنه هذه الصفات المميزة حظي بحضور خاص لدى المجتمع في جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وكافة قرى وهجر الحجاز وكانت قبائل المنطقة ومشائخها يكنون له الكثير من التقدير والإجلال والمحبة.
فكم من المشاكل القبلية وأدها وكم من جفاء بينها أصلحجادته وكم من مواقف كبيرة كان للشيخ بخيت بن بنيان اليد الطولى في تذليل مصاعبها ومد جسور التواصل بين أطرافها. لقد لقبه كثير من وجهاء حاضرة مكة المكرمة وجدة وكلهم يعرفونه لقبوه ( بشيخ العرب ( لدماثة خلقه وبساطة الحديث معه وشمولية نظرته وعمق فهمه لمختلف طبائع البشر من مختلف الطبقات في المجتمع فهو يخاطب كل أناس بما يفهمون بشفافية مميزة وعقل رصين وأسلوب مهذب ولذلك كان له قبول في كل قضية يدخل فيها . وكان يمتاز بأسلوب مميز في العرض والمناقشة والتحليل بهدوء ومنطق وأسلوب راق لا يتعاطاه إلا أولو العزم من الرجال العظماء.
أعود بعد هذا إلى بداية معرفتي بالشيخ بخيت بن ناصر بن بنيان وذلك قبل أربعين عاماً تقريباً حيث دعيت وصديقي المرحوم الأستاذ محسن بن مبارك بن سليمان الغانمي يرحمه الله - ومحسن مبارك ابن الشيخ مبارك بن سليمان الغانمي شيخ بلدة مستورة وما حولها وهو يرحمه الله صديق للشيخ
بخيت بن بنيان.
دعيت وصديقي محسن الحفل أقامه اللهبة من عوف لفتح طريق يوصل ديرتهم بطريق الهجرة فرأيت الرجل الذي كله
حيوية ورجولة وموقفاً .. إذا تكلم انصت الناس وإذا أشار بيده أو بنظرته لبى طلبه وإذا بدأ حديثاً تمنيت ألا يسكت فكل مثل ليه قصة وكل بيت من الشعر له حكاية وكل حركة لها مدلول وأعجبت يومها أيما إعجاب برجل اجتمع عليه الناس طائعين محبين معجبين .. ومن يومها ارتسمت في ذهني صورة لا يمكن أن تزول للشيخ بخيت بن ناصر بن بنيان يرحمه الله تعالى.
وبعد ذلك بسنوات قابلته يرحمه الله في إمارة المدينة المنورة لدى معالي الشيخ سعد الناصر السديري وكيل الإمارة يومها وكنت محررا بجريدة الندوة ومديرا لمكتبها بالمدينة المنورة وقد احتفى الشيخ سعد الناصر به وكلفه بحل مشكلة قبلية المعرفة به وبقدراته ومدى قبول الناس لجاهه وفعلا انتهت القضية على يديه يرحمه الله.
وأتيت إليه في مرضه قبل سنوات مع آخرين لزيارته وكنت أعتقد أنه قد نسيني لمرور سنين طويلة وأثر المرض عليه ولكنه بحصافته وذهنيته المتقدة وذكائه قد ذكرني جيدا واحتفى بي يرحمه الله تعالى رحمة واسعة.
وبعد وفاته يرحمه الله صار ابنه الشيخ فهد بن
بخيت بن ناصر بن بنيان شيخاً للقبيلة وهو
كذلك على نهج آبائه وأجداده بحول الله
وقوته وقد قابلت الشيخ فهد بن بنيان في
حفل أقامه الوجيه العلم محمد صالح
محمد الرتوعي المحمادي السالمي الحربي بمنزله العامر بالواسطة تكريما للشيخ فيصل بن مطلق الأحمدي شيخ الصخارنة من الأحامدة ليلة الجمعة 19 / 10 / 1443هـ قابلت الشيخ فهد البنيان ومجموعة كبيرة من مشائخ حرب في ذلك اللقاء فتذكرت الشيخ بخيت البنيان يرحمه الله تعالى فكانت هذه المقالة تذكيرا برمز في الذاكرة له أعطر السيرة وأطيب الذكريات.






