الشاعر المبدع الأمير بدر بن عبد المحسن بن عبد العزيز
محمد بن صالح البليهشي

في يوم السبت 25 شوال 1445 هـ تناقلت وسائل الإعلام نيا وفاة ابن الوطن البار صاحب السمو الملكي الأمير بدر بن عبد المحسن رحمه الله تعالى.
وبموته فقد الوطن رجلا من رجاله المخلصين المتميزين وشاعراً من شعرائه المتفردين الذين تميزوا بهندسة الكلمة المعبّرة في ساحة الشعر والأدب والثقافة، استطاع بحصافة حسه ويقظة روحه وصفاء وجدانه أن يحلق في سماء الإبداع بمشاعره الملتهبة وعواطفه الجياشة ومفرداته المضيئة.
الشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن الذي رأيناه منذ أكثر من نصف قرن مطلقاً بالأحاسيس والمشاعر، فناناً في تحريك جراحات الوجدان وطرح المسارات الجديدة أمام الشداة والحياري والتائهين مروضاً لمفردات الكلمة بمشاعرها وأحاسيسها وآمالها ومتاعبها وأمنياتها، رأيناه مبدعاً في كل أعماله ومساراته التي بناها بأسلوب متميز وصياغة فنية جميلة وتعبير جزل يحرك المشاعر والأحاسيس.
رأيناه رمزا من رموز الشعر الرديف العربي في بلادنا، بتجربة منفصلة وغير مسبوقة له أدواته وحروفه وكلماته المعبرة المختارة وبكل ذلك أيضاً.
حلق بنا بدر الشاعر في سماء الوطن متغنيا بأمجاده وبطولاته وموقعه في خارطة العالم من حولنا، وحلق بنا في سماء المجد وحدد موقع الوطن في خارطة التاريخ وأشاد بمواكب الأبطال وهم يعجنون قلوبهم يتراب هذا الوطن ويروون بدمائهم كل حبة رمل فيه سار بنا في صحرائنا الجميلة بالنماء ومحبة وإخلاص ونشر الألله التي كشفت لنا تفرد الصحراء بتعابيرها المميزة والتصاق أبنائها بها لفظاً ومعنى ومساحة وبعداً وحضارة.
لقد دخل بنا بدر بن عبد المحسن بيت الطين الذي كان بالأمس وجعل منه تحفة فنية رائعة الجمال بجدرانه وسقوفه وبواباته ودهاليزه، وسار بنا بدر في الحروب الضيقة التي كانت بالأمس وكشف لنا ملاحم البطولات في تعاريجها ومواطن الجمال في تكوينها وعمل التاريخ في منعطفاتها.
وأخذ بنا إلى مزارع الحقول، فكان بلبلا صداحاً مفزنا على الشجرة الباسقة والنخلة المائلة والبئر الروية وحافة الساقية وطرف الدلو وسنبلة القمح وكوخ الفلاح وعشة المزارع، وكنا في معيته في تلك الصحراء الشاسعة بروضاتها وجبالها وعدراتها وسهولها، فشاهدناه يعني على الربابة بصوت غير صوتها التقليدي وأمسك مزمار الراعي وحمل عصاه وتغني بمشاعره بسعة صحرانه وعمق تأوهاته.
على على سفح الجبل وعلى التل وفي عمق الوادي وصعد إلى القمة فسمع واسمع. أخذ بأيدينا إلى البحر فقال في أصدافه وأمواجه ودنياه، وأراحنا بالساحل بنسماته.
الندية وشجيراته المورقة وعصافيره العادية والرائحة.
عشنا معه في حضارة العصر ببريقها وصحبها وعمقها وسعة ملامحها واكتشافات مجاهيلها يوما بعد يوم، لم يكتف بكل ذلك، بل دخل إلى أعماق نفوسنا محدثها ولا طفها وأخذ منها ما يريد استطاع أن يروض المسافة في عطش القلوب بين حزن ومعاناة وسرور وعمل وأمل.
صور لنا همس المحبين ونجوى المشتاقين في كلمات ذات صياغة فنية متميزة تأملا وفكرة، واستقراء وجدية في البناء والتراتيب والمضمون، فصارت قصائده تغنی بلا تلحين، لها خاصيتها وسماتها لأنها تعبر عن الذات الإنسانية، وبهذه الكلمات صار بدر بن عبد المحسن وسيطاً للذات الإنسانية بينها وبين نفسها، ووسيطا بين المحبين. وبين الجمال والعشق ولذلك صار مجددا في دنيا الأغنية السعودية والخليجية بل. والعربية مجددا للقصيدة المغناة بعد أن كانت أسيرة الشكل والمعاني الراكدة والصور القائمة.
لقد حفر للكلمة الشاعرة الجديدة موقعها في النفوس في الصياغة والشاعرية والغناء بتطوير مموسق عمقا في شريان الكلمة المغناة الجارية للمشاعر المصورة بصدق للعطاء والبوح معاً فهو يقول:
باستقلالية في العطاء وشهم في الطرح ورسم لنهج خاص: أتعب على المعنى .. ويسهرني القاف
ويلا لي تجريح عذب القوافي
وإلى مزح حبر القلم دم الأطراف
يصير لي معنى على الناس خافي
عندي معاني الشعر تلمس وتنشاف.
أنها جرحك الشعر ما هو ب كافي
وان ما تمس في القلب ... احساس وشفاف عدك كتبته فوق رمل السوافي
لا تحسب ان البحر موج ومجداف
ترى قليل البحر ما كان طافي
لقد كان له رحمه الله خطة سير رسمها منذ زمن لنفسه في دنيا الإبداع حيث يقول : أعمل دوماً على أن أهرب من المسارات المحددة مسبقاً وأخرج من الخطوط المعدة سلفاً، وأحاول الابتعاد قدر المستطاع عن النمطية في الكتابة الشعرية، والانفلات من أسرها بطرح مسارات جديدة وخطوط متنوعة.
قمت بإعمال الابتكار فيها وفق مخيلتي وتأملاتي وأفكاري فأصبحت تحمل أنفاسي وملامحي وسحنتي)
ولهذا وتنفيذا لهذا النهج، امتطى صهوة جواد الإبداع منفرداً ينهجه المميز وابتكاراته الرائعة المعطرة بنغمات الشجن المليئة ببوح الأنفاس وخفقات القلوب، لقد عشنا مع البدر من القمة الشاهقة وأرسل ضياءه فقربت المسافات وتكونت الصور ورعي الانتماء فشرق وغرب واتهم وانجد ولبس عباءة امرئ القيس وروض حصان عنترة بن شداد وأمسك بسيف أبو زيد الهلالي ووقف على خيمة المتنبي وأنشد مع بديوي الوقداني وتحدث مع ابن لعبون وابن سبيل والقاضي من شعراء القرن الماضي وما قبله كل ذلك بمشاعره ووجدانه مذيباً روحه في ما يقوله بلغته المميزة وخواطره المجنحة البعيدة عن النمطية الحاملة لأنفاسه وملامحه متفرداً في الطرح والأسلوب بلون شعري نابع من ذات القلب ومن أعماق النفس البشرية أسلوباً وصياغة، وحساً، وانتماء وصدق عاطفة، ولما لا ؟ وهو يقول:
يا بنت أنا للشمس في جلدي حروق وعلى سموم القيظ تزهر حياتي
أطرد سراب اللال في مرتع النوق ومن الظما يجرح لساني لهاتي
عاري جسد والليل هتان وبروق دفاي أنا والبرد سمل العباتي
إن عذربوني بعض خلانك صدوق
يا بنت أنا عشق الخلا من صفاتي وشم على رمال المتاييه مدقوق
لا شك من منهم يسوي سواتي
أنا بدوي ثوبي علي المتن مشقوق ومثل الجبال السمر صبري ثباتي
ومثل النخيل خلقت أنا وهامتي فوق ما اعتدت أنا احنى قامتي إلا فصلاتي
وإلى إفتخر بأفعال يمناه مخلوق يا بنت انا فعلي شهوده اعداتي
الله خلقني وكلمة الحق بوفوق
وملكت الأرض وراس مالي عصاتي
ختاماً لأن غاب (بدر) المبدع إلى عالم البقاء والخلود فقد ترك للوطن ثروة لغوية وشعراً رائعاً سوف تردده الأجيال قرونًا عديدة، وسيخلد في سماء الوطن كما خلد شعر المتنبي والبحتري والوقداني وبن سبيل وغيرهم الذين غادروا وبقيت كلماتهم تضيء في كل وقت وحين وتُذكّر الأجيال في سماء الشعر والشعراء والوطنية والإبداع رحمه الله رحمة الأبرار وأدخله فسيح جناته.






