الدكتور عوض بن حمد القوزي
محمد بن صالح البليهشي

تعود معرفتي بذلك الرمز الأستاذ الدكتور عوض بن حمد القوزي إلى ما قبل ستين عاماً يوم أن أتى مرشحاً من منطقة جيزان في عام 1384هـ. مع مجموعة من المدرسين الذين اختيروا للدراسة في الدورة الاجتماعية بالطائف حيث تعقد وزارة المعارف في تلك السنين دورات في الإجازة الصيفية لثلاث حلقات ولمدة ثلاث سنوات تقتصر كل دورة على خمسين يوماً في كل إجازة لتدريب معلمي المرحلة الابتدائية على الإشراف الاجتماعي في مدارسهم وكذلك دورة للتربية الفنية وثالثة للتربية الرياضية وكنت وقتها من مرشحي التعليم بالمدينة المنورة الدراسة النواحي الاجتماعية للطلاب وصادف أن كنت وإياه في دورة واحدة هي الدورة الاجتماعية لتخريج مختصين يعملون رواداً اجتماعيين بمدارسهم، وقد حفظت ذلك العلم الرمز منذ تلك الأيام وبقي اسمه وصورته رحمه الله تعالى في ذاكرتي طيلة ستة عقود من الزمن إلى اليوم.
حفاظت اسمه وصورته وتوثقت علاقتنا خلال حلقات تلك الدورات حيث تلتقي في كل إجازة صيفية بمدينة الطائف وتقضي دراستنا في الدورة ونعود لمناطقنا عند نهايتها وقد ترسخ في ذاكرتي الأستاذ الدارس وقتها (عوض بن حمدين علي القوزي الذي أحببت فيه دماثة خلقه وذكاءه وفطنته وقدرته على الحفظ وتميزه بالذكاء والعقل والاتزان، وعلى الرغم من قوة علاقتنا ببعض إلا أنه قد استحوذ على الأولوية في الاختبارات النهائية حيث كان في كل دورة أو حلقة من حلقات دوراتنا قد تربع على المركز الأول باستمرار وأحسست حينها أنه قد سليني (ملحاً) كنت عودت نفسي عليه وهو ذلك المركز الأول رغم ما أمارس في كل حلقة من نشاطات وما أبذل من جهد في الدرس والتحصيل وانتهت حلقات دوراتنا في عام 1386هـ وسار كل منا في طريقه وبمثل ما كان لدي من طموح في الدراسة المتوسطة والثانوية والجامعة كان الأخ والصديق (عوض القوزي) كان طموحه لا ينتهي عند حد حيث واصل تعليمه بعزم وإصرار متحدياً كل الصعاب حتى جلس في مقعده الدراسي للماجستير في جامعة الملك سعود بعد حصوله على البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها والتميزه وذكائه وطموحه ابتعثته الجامعة إلى بريطانيا للحصول على الدكتوراه من جامعة أكسفوريا ونائها في العام الدراسي 1405هـ وكانت رسالته تحت عنوان أدراسة مقارنة الشرح سيبويه في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي وتخصصه الدقيق في دراسته النحو والصرف وعلوم اللغة العربية وقد امتاز الفوري) بالجدية في دراسته والحرص على وقته والظهور بالمظهر المشرف لنفسه ولوطنه وللغة التي حمل لواءها وسار تحت ظلما معجباً بما ومؤمنا برسالتها ولذلك منحته الجامعة تقدير ممتاز في طرحه وأسلوبه وعرضه وعمق دراسته ويوم أن استقر به العظام في جامعة الرياض أصدر من رسالته للدكتوراه كتاب الأقوال العرب في كتاب سيبويه | وكتاب أثر كتاب سيبويه في الدرس اللغوي).
وكعادة الدكتور القوزي) في إرجاع الفضل لأهله فإنه يقر لزميليه اللذين وجدهما قبله في بريطانيا الدكتور مرزوق بن تنباك والدكتور أحمد الزيلعي في تذليل مصاعب الغربة وشحذ همته على الصبر والمصابرة والعزم على إنهاء دراسته في بريطانيا بعد أن قم بتركها والعودة لأرض الوطن، ومن عودته إلى أرض الوطن في العام الهجري 1406هـ تحركت جدية (أبو أحمد الفوزي في اعتلائه ومواصلة مسيرته كأستاذ للنحو والصرف وتدرج بسرعة فائقة في سلم أستاذية الجامعة حتى تربع في كرسيها أستاذاً له قدرة ومكانة بين أروقة الجامعة. وطارت شهرته خارج أسوارها على مستوى جامعات المملكة وجامعات الخليج بل وجامعات العالم العربي ووجدت أقدامه طريقها إلى مجامع اللغة العربية في دمشق والقاهرة وبغداد والمغرب العربي ومنح العضوية في أكثرها ووجدت بحوثه ودراساته في اللغة العربية وشؤونها قبولاً وتميزاً وشهرة في المجامع والمؤتمرات العربية في شتى الجامعات بالعالم وبرز اسم الدكتور عوض القوزي كأحد أهم المحققين الذين يحملون هم اللغة العربية وكواحد من الأعلام الأفذاذ الذين اعتبروا مراجع تكثير من الباحثين في الساحة الثقافية والأدبية والأكاديمية وبرز نجمه في علم العروض) وأطلق عليه كثير من المتخصصين في اللغة والنحو والصرف (شيخ النحويين) و(فقيه) اللغة المميز الذي أقر له الجميع بالفقه النحوي والتخصص اللغوي وعرف عنه طلابه بالجامعة وكافة المعجبين به جديته في الطرح وسعة اطلاعه وإشباع أي موضوع يعرضه بالبحث والتدقيق وصدقه وأمانته ونزاهته في النقل من أمهات المراجع وعدم الانتصار لرأيه ورغبته في الوصول إلى الحقيقة العلمية بشتى الصور والأساليب والبحث الدقيق عن الشواهد مع التعليل والترجيح في مسائل الخلاف البحثي مع الأدب الجم في العبارة والأسلوب، ويعتبر الدكتور عوض القوزي غفر الله له أول من أدخل الأسلوب الأدبي في البحث العلمي في مجال النحو والصرف ويعمد باستمرار إلى ذلك لعلمه بجفاف هذا النوع من علوم العربية فهو قد امتاز بهذا الشأن في عرضه ودراسته وتدريسه، واتسمت مؤلفاته بالجدية والعمق وحفلت رفوف المكتبات بمؤلفاته الرصينة وبحوثه العميقة ودراساته الجادة حرصاً على العربية ونشر ثقافتها وتسهيل دراستها للدارسين والمستطلعين ومن تلك البحوث والكتب والدراسات - التعليقة على كتاب سيبويه لأبي علي الفارسي وما يحتمل الشعر من ضرورة وعلم العربية في المراجع والضعف اللغوي التشخيص والعلاج واللغة العربية في القرن الحادي والعشرين والوافي في إنصاف السيرافي ونكتة النكت في تفسير كتاب سيبويه وتيسير النحو بين القبول والرفض ونشر ثقافة اللغة العربية في المجامع اللغوية وعمود الشعر دراسة نقدية والوعي اللغوي نشأته وتطوره وحلب والحلبيات صورة في بلاط سيف الدولة الحمداني وهندسة اللغة وأقوال العرب في كتاب سيبويه، ورؤيا مستقبلية لتدريس اللغة العربية والعربية الفصحى في مواجهة تحديات العولمة، وغير ذلك كثير مما لا يتسع له مجال، هذه اللمحات عن مشاركات وبحوث ودراسات هذا العالم (العلم) اللغوي وفقيه اللغة العربية الذي أنجبته (القوز) في منطقة القنفذة بجيزان الشموخ والمجد ورضع رحيق اللغة التي أحبها على مدرجات جامعة الملك سعود بالرياض التي وجدت فيه أرضاً خصبة فأتت ثمارها خلال ثلث قرن من الزمن وسجلت له الجامعة جهوده في مجال تخصصه دراسة وتدريساً وبحوثاً وكتباً رصينة وأستاذية وإدارة في مركز البحوث في كلية الآداب ورعاية لطلابه وقوة وعمق مادته في مناقشات
دراسات الماجستير والدكتوراه وكانت مواقفه مشرفة عند اشتراكه وعضوياته في مجامع اللغة العربية ومؤتمراتها واعترفت به الجامعات والهيئات العالمية في الوطن العربي وكرمه الأمين العام لجامعة الدول العربية وكرمته جامعة آل البيت في الأردن لجهوده البحثية إضافة إلى هيئات أخرى وجامعات في شتى
أنحاء العالم العربي.
وعود على بدء أقول: بأن صديقي الأستاذ الدكتور عوض القوزي الذي توثقت علاقتنا في دورات الطائف التعليمية في الثمانينات الهجرية من القرن الماضي لا تزال في ذاكرتي ملامح نجابته وذكائه وحسن أدبه وحرصه على الثقافة وصدقه ووفائه الذي أعجبت به وأنفته وترفعه عن الصغائر حتى وهو في تلك السن المبكرة ونظرته لمعالي الأمور وحرصه على الصحبة الطيبة والأصالة والذوق الرفيع في التعامل ذلك وغيره من صفات الرجولة والأمانة وحسن اختيار الأصدقاء قد تميز بها أبو أحمد رحمه الله تعالى وكان دائم الاتصال والسؤال رغم تشعب مسارنا في الحياة منذ ذلك الوقت، وقد فُجعت بوفاته يرحمه الله
تعالى في ذلك الحادث المروري الأليم الذي تعرض له على طريق الساحل من جيزان إلى جدة في يوم الخميس التاسع عشر من شهر ذي الحجة من عام 1434هـ وبوفاته عليه رحمة الله تعالى فقدت الساحة النحوية والأدبية عموماً رجلاً شهماً شريفاً وعالماً جليلاً من علماء العربية الذين حملوا همها وجاهدوا من أجلها ورفعوا لواءها في الكثير من المحافل والمؤتمرات والمجامع اللغوية والمنتديات الثقافية على كل المستويات، وفقدنا نحن أصدقاؤه ومحبوه علماً من الأعلام الذين تميزوا بالحس اللغوي والغيرة على لغة الضاد وكذلك فقدنا نفساً أبية كريمة شفافة ولساناً عربياً مميزاً يحب الصدق والصفاء والألفة والمحبة والتقدير والعرفان، وقد كتبت هذه اللمحات عن هذا الرمز المميز الذي تعمق في ذاكرتي تخليداً لذكراه بعد مرور عشر سنوات على وفاته شهيداً بإذن الله تعالى ومغادرته إلى دار البقاء والخلود في جنات النعيم في مقعد صدق
عند مليك مقتدر.






