الشيخ عتيق بن حسن البليهشي

محمد بن صالح البليهشي

رمزنا اليوم هو الشيخ عتيق بن حسن بن مرزوق بن محسن بن حسن بن بليهش البليهشي أحد القضاة الكبار في وادي الفرع في نهاية
القرن الثالث عشر وبدايات القرن الرابع عشر الماضي ...
كانت تشد إليه الركبان في الفصل في القضايا والخصومات وقد عرف في قرى وادي الفرع بالقضاء الشرعي إلى جانب قضاة آخرين في القرى المذكورة من بقية القبائل قبل أن تستظل بلادنا بمظلة العهد السعودي الميمون ...
كان رجلاً مهيباً امتاز بالذكاء والفطنة والمعرفة بأحكام الشريعة المطهرة حيث ورث القضاء والعلم عن والده الشيخ حسن بن مرزوق الذي هو الآخر تشرب العلم والقضاء عن أسلافه ضمن أسرة عرف
عنها تضلعها بالعلم الشرعي خلفا عن سلف ...
وقد كان الشيخ (عتيق) على طريقة والده وأسلافه كثيراً ما يضمن كتاباته وأحكامه طريقة والده الشيخ حسن .. وكان كثير التردد على حلقات المسجد النبوي الشريف - رغم صعوبة الطرق وبعد المسافة بين وادي الفرع والمدينة - في ذلك الوقت للدراسة على مشائخ المسجد النبوي الشريف ولذلك كانت حصيلته العلمية متميزة وكان خطه واضحاً في وقت قل فيه الكتاب والمتعلمون خاصة في القرى والبوادي ...
ولرغبته الملحة في التزود بالعلم والمعرفة وتركيز العلم الشرعي أفادني أحد أصدقائه وعارفيه من حاضرة المدينة المنورة من آل الخاشقجي قبل ثلاثين عاماً رحمهما الله تعالى وكنت وقتها في مجلس كبير ذكر فيه قلة المتعلمين في البوادي فقال الشيخ الخاشقجي : بأنهما سافرا معاً إلى مصر بعد أن توطدت علاقتهما من خلال دراستهما بالمسجد النبوي الشريف والتحقا بالجامع الأزهر وبقيا هناك قرابة السنتين عادا بعدها وقد ازدادت حصيلتهما العلمية والمعرفية مما أهلهما إلى التعمق في القراءة والمعرفة وحفظ القرآن الكريم ووجدا في نفسيهما بعد العودة للمدينة المنورة ما عمق أصول الشريعة ومعرفة أحكامها ومناقشة القضايا ومداخلاتها بل والحكم بالشريعة على المذاهب الأربعة على طريقة ما كان سائداً في تلك الأزمان .. وذكر لي الشيخ الخاشقجي رحمه الله تعالى ما امتاز به صاحبه وزميله الشيخ عتيق بن حسن البليهشي من خصال حميدة وسماحة خلق وعقل راسخ وحب للعلم والاقبال عليه بجد وإخلاص وعمق وروية مما أهله لإحراز إعجاب مشائخ الأزهر في ذلك الوقت ورغبتهم في أن يواصل دراسته في أروقة الأزهر ولكنه غلبت عليه
محبة الديار والاشتياق للمدينة المقدسة الطاهرة ...
ويواصل الخاشقجي قوله : وكنت معه في توجهه ورأينا أن بغيتنا من العلم قد وصلت بنا إلى حد الاكتفاء لأن الشهادات في ذلك الوقت لا نرى لها في ديارنا ضرورة ولكن ما يهمنا هو الحصيلة الأساسية والقاعدة الركيزة في نفوسنا أصول الدين والشريعة الصافية البعيدة عن الشوائب والبدع والخرافات ...
عاد الشيخ (الرمز) عتيق بن حسن إلى المدينة المنورة وكانت حلقات المسجد النبوي الشريف على يد المشائخ الكبار في مرتعه في أيام بقائه فيها ووجد في نفسه بعد العودة ومع بدايات القرن الرابع عشر الهجري في دياره ما أهله لاستقبال قضايا المواطنين والنظر والحكم فيها تبرعاً ومواصلة لدراسته الشرعية وحفاظاً على إرث آبائه وأجداده في أن يبقى البيت دار قضاء وعلم ومعرفة وإخلاص وأمانة كما عرفه ووثق به وسجلته قبائل تلك النواحي من صرامة الحق بالأدلة والبراهين وعند النظر والتعمق في عشرات القضايا التي نظرها وحكم فيها وسجلها بخط يده خلال فترة قضائه في بدايات القرن الرابع عشر الهجري كان غالباً يبدؤها بقوله : (الحمد لله وحده : أقول وأنا عتيق بن حسن بن بليهش بأني قد تحاضروا على يدي .
) ويذكر الأخصام ويستمع إلى دعوى وإجابة كل منهم ويناقشهم كل على حدة بقدر دعواه وإجابته ومن ثم يصدر الحكم بعد عرض الصلح ويقول : قد حكمت بما هو كذا ... ويذكر شهود الحال وتاريخ القضية مع ختمها بالصلاة والسلام على نبي الأمة عليه الصلاة والسلام ...
وفي بعضها يبدؤها بقوله : (أقول وأنا عتيق بن حسن خادم الشريعة المطهرة بأن وصلوا إلي كل من ..... ويذكر الأطراف ويتابع مسار الدعوى والإجابة على النحو السابق وأحياناً يطلب من الطرف الذي أبرز بعض أدلته من الوثائق قوله قبل الحكم : ( أوجبت على ذوي أو على فلان يمين بالله العظيم بأن هذه النواير لم يزاد فيها شيء ولم
ينقص منها شيء .... وهكذا .. احترازاً من التزوير ....
كما ترد عبارة قوله في نهاية القضية : ( وبعد الدعوى والإجابة رديت أنا عتيق المدعى فلان للإثبات الذي يصل بها ويوثق دعواه إما بعدد أو بشهود على ماذكر .... ويختم الحكم في القضية بعد إيراد الشهود بقوله : ( وكتب وحكم عتيق بن الشيخ حسن بن بليهش ....
وفي إحدى الوثائق والقضايا كان يكتب في مستهلها : ( الحمد لله وحده ... لقد حضروا على الحاكم الشرعي عتيق بن حسن واستمع إلى دعاويهم ونظر فيها .... ) ويختم القضية بقوله : ( وكتب وشهد وحكم عتيق بن حسن خادم الشريعة المطهرة ... أي الحاكم بنص الشريعة وهكذا ...
وغالباً ما يكتب حكمه من نسختين نصاً وروحاً ويُسلم كل طرف نسخة من الحكم ...
وفي بعض الأحيان يستمع إلى الدعوى ويأمر أخاه محمد صالح بن حسن بكتابة مجريات الدعوى والحكم كما في الوثيقة المؤرخة في عام 1312هـ أو يأمر ابن عمه محمد بن عايد زوج ابنته بالكتابة كما في الوثيقة المؤرخة في عام 1344هـ وهكذا ....
عاش الشيخ عتيق بن حسن قاضياً شرعياً خلال النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري حتى عم البلاد الحكم السعودي الذي نشر محاكم القضاء الشرعي في كافة أنحاء البلاد ومع ذلك لم ينقطع الشيخ عتيق عن حلقات المسجد النبوي الشريف ومواصلة صداقاته من خلال تلك الحلقات وغيرها في المدينة المنورة وفي أواخر النصف الأول من القرن المذكور وفي إحدى سفراته إلى المدينة في منطقة (الحنو) في الطريق بين وادي الفرع والمدينة وافته المنية ودفن هناك رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وأجزل له المثوبة ...
وبعد وفاته تولى ابنه الشيخ حسن بن عتيق مهام والده في القضاء والحكم بين الناس لإنهاء ما يشكل عليهم ويزيل خصوماتهم وكذلك ابنه الشيخ أحمد بن عتيق رحمهم الله جميعاً وامتد هذا إلى الشيخ حامد بن أحمد بن عتيق الذي سار على مسار أبيه وجده في هذا المجال كما تولى إمامة مسجد المضيق بوادي الفرع) لمدة تزيد عن خمسين عاماً وكلفته محكمة المدينة بتقدير إصابات الشجاج الذي يحصل في المضاربات بين المواطنين وكانت تأخذ برأيه وتقديره كما كان الشيخ ابن صالح والشيخ ابن زاحم يوجهون إليه بعض المهام التي يرون مخالفتها للشريعة الإسلامية للتنبيه والرفع عن المخالفين ...
وهكذا بقي اسم الشيخ عتيق بن حسن رمزاً من رموز العلم والقضاء والعدل في المنطقة ورث ذلك عن آبائه وأجداده وورثه لبنيه رحم الله
الجميع وغفر لهم وأجزل لهم المثوبة والأجر .

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.