عاتق بن غيث البلادي

محمد بن صالح البليهشي

عاتق بن غيث البلادي
عاتق بن غيث البلادي

قبل خمسة عشر عاماً من الآن ويوم أن توفي المؤرخ والأديب والنسابة والجغرافي والرحال عاتق بن غيث البلادي ولما له من مكانة ومكان في عالم الحرف كتبت عنه مقالاً رثائياً نشر في جريدة المدينة بتاريخ 1/4/1431هـ. بعنوان راند .. فقدناه)، واليوم أكتب عن ذلك الرائد تحت هذه السلسلة (رموز ... في الذاكرة بعنوان عاتق بن غيث البلادي محراث التراث والتاريخ وهذا العنوان هو كتاب له من تأليفه رحمه الله تذكيراً وإشادة بجهوده في عالم الأدب والتاريخ بل في عالم الحرف) عموماً وترحما عليه لأنه يعتبر من الرواد الأوائل الذين رسموا لأنفسهم جادة خاصة لم يسبقهم إليها أحد من أجيالهم.

وتلك الجادة رسمها وحفر طريقها في صخور صلدة فهو محراث تصدى للتراث والتاريخ والصلابة رأيه ومعدنه وقوة عزيمته، حرث التراث وزوايا التاريخ وأظهر للأجيال اللاحقة كنوزاً تمثلت في أكثر من خمسين كتاباً أشرقت في رفوف المكتبة العربية وأثارت السبل للمعالم والآثار والتراث في مجالات شتى أفنى عمره وشبابه وضحى بصحته وبوقته وماله في سبيل الغربلة والتصفية، فأشرقت مؤلفاته التي بقيت تحكي قصته وجهوده، وتبرز ثمار ذلك الحرث الذي كان في صخور صماء لا يقدر عليها في ذلك الزمن الذي سار فيه إلا الرجال أمثال (الرمز) أبو غيث الذي خرج من عمق الصحراء وخاطبها وقلب تاريخها ونفض الغبار عن معالمها وتراثها، فأشرقت تلك الجهود يكتب معالم مكة التاريخية والأثرية -ومعجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية وفضائل مكة وحرمة البيت العتيق - ومعجم معالم الحجاز - والأدب الشعبي في الحجاز وطرائف وأمثال شعبية - وأمثال الشعر العربي - سقط الندى وفوح الشذا - ومعجم الكلمات الأعجمية والغريبة في التاريخ الإسلامي واتخذ من مكة منطلقاً الرحلات جغرافية وتاريخية فأظهر مؤلفات ابين مكة وحضرموت - وبين مكة واليمن - وبين مكة وبرك الغماد - والرحلة النجدية - وعلى طريق الهجرة... ووقف يرحمه الله متأملا في جهات مكة المكرمة ورأى أن يلفت أنظار متابعيه فأخرج لهم كتب انشر الرياحين في تاريخ البلد الأمين -وهديل الحمام في تاريخ البلد الحرام وطرق باب الشعر فصيحه ورديفه فحوى ديوانه الحان وأشجان قصائد تدل على ذائقة شعرية مميزة وعذوبة الحان شجية. وأثبت لمتابعيه وأقرانه أنه ناقد من طراز فريد وذلك من خلال كتابيه محراث التاريخ والميضاح الذي صحح من خلالهما كثيراً من الأخطاء والتجاوزات في عوالم التراث والتاريخ والفلسفة.

لقد اتخذ الشيخ عاتق بن غيث البلادي من أم القرى موقعاً لبدايات مساره دراسة وعملا وسكنا واستلهم من نفحاتها ووقف أمام بوابات التاريخ وترسم المعالم إنساناً ومكاناً وأحبها بنفس ابية، وروح سامية، واتخذ من فجاجها وودياتها وجبالها وقبل ذلك من قداستها منطلقات لبحوث شتى. ونيش بعصاه كل آثر واستنطق كل معلم، لم يعبأ بالمتاعب في سبيل تحقيق أهدافه السامية التي جعلت منه مؤرخاً سماه العارفون بمؤرخ البلد الحرام أو مؤرخ الحجاز في العصر الحديث.

إنه مؤرخ عصري ينافس المؤرخين القدامى كابن بطوطة والبتنوني وابن جبير وغيرهم، وامتاز أبو غيث عن غيره بأنه مؤرخ متعدد الاتجاهات في أبواب التاريخ وزوايا التراث، وقد مشى على الشوك عندما تطلعت عزيمته إلى قرع أبواب الأنساب ولاقى على أعتابها المتاعب والإزعاج، ولكنه صبر وصابر واستوعب كل تلك التيارات وقابلها بحلم وأناة، ولا أنسى موقفه معي يوم أن صدر كتابه إنسب حرب) وكتبت مقالا حينها تحت عنوان (إعلان الحرب على كتاب نسب حرب استعرضت فيه تجاوزات في معلومات مغلوطة، فما كان منه إلا أن اعتذر وعدل ولم تأخذه عزة بإثم عن التصحيح وقول الحق كما هو منهج الكبار الذين لا يتمادون في باطل إذا تحقق لديهم الصواب.

وأعلم أن داره في تلك الأيام كانت تستقبل كل معترض على معلومة، واستقبل كل أولئك بابتسامة وعلو همة وشفافية وفراسة ومعرفة بأقدار الرجال، لا يحقر أحداً ولا يرد سائلا ويكرم كل من أتاه بابتسامة وصبر وجلد

لا أنسى مرافقته يوم أن جرى تكريمه بفوزه بجائزة السيد أمين مدني في عام 1421هـ، وكان من ضمن برنامج حفل الجائزة زيارة مدينة خيبر ذات الحصون والعيون التجاجة، وتشرفت بمرافقته نيابة عن أعضاء مجلس إدارة النادي الأدبي الذي تقام الجائزة تحت مظلته، وكنت ضمن أعضاء مجلس الإدارة حينها والمسؤول عن النشاط الثقافي، وجرى الحديث ونحن في الطريق حول جهود الشيخ البلادي ومشواره الذي اختطه لنفسه في بحوثه بمجالات التاريخ والأنساب والتراث، وما لاقاه من عنت ومشقة فقال في تواضع وثقة واعتزاز بأن على المؤرخين والكتاب والمثقفين أن يفتحوا الأبواب التي يقدرون عليها خاصة أولئك الذين أعطاهم الله القدرة والمعرفة، وسيأتي من بعدهم آخرون يدخلون ويصححون ما قد يكون من خطأ أو يعدلون ما يحتاج إلى تعديل المهم أن تفتح الأبواب ولو (مواربة)، وهذا القول في رأيي عقل الكبار وإيمان المصلحين والرواد الذين يمثلهم (أبو غيث عليه رحمة الله فهو الرائد المؤرخ الأديب المصلح.

ومما امتاز به رمزنا) الشيخ عاتق دقة نظره وتحليله لكل أثر يبحث عنه أو يتراءى له، واتضح ذلك في وقوف مرافقيه في تلك الرحلة التاريخية في مناسبة تكريمه إلى خيبر أمام سد عظيم قديم في (حمد خيبر) حينما وقف بعض المحللين والمؤرخين أمامه واختلفت الآراء في زمن بنائه وضخامة مشروعه، وقطع اختلافهم بتأكيده بأن ذلك السد من آثار الدولة العباسية، وذلك على قوله بمعطيات أحقاب التاريخ وبما يمتلكه من نظراته الفاحصة التي اكتسبها من تلك المسارات الميدانية التي اتخذ منها الخبرة وقوة الحجة والبيان.

لقد علمنا نحن مرافقيه في تلك الرحلة الشيء الكثير من حياته مع البحث والتاريخ والتراث والمصابرة والجد والاجتهاد في سبيل الأهداف النبيلة التي سعى إليها، وكونت لديه حصيلة ثقافية أنتجت خمسين كتاباً ازدانت بها رفوف المكتبة العربية وورث بها علماً نافعاً يقف الكثير أمامه مذهولاً لضخامته، وما صاحب تحصيله وتأصيله من مشاق ومتاعب خاصة إذا عرف الباحث أن رمزنا) العلم الشيخ عاتق لا يؤمن بالمعلومة خاصة في
باب التاريخ والآثار حتى يقف عليها ويصورها في نظره الحسي والمعنوي. بقي القول عن شيخنا الذي هو (رمز) للعطاء والبذل والتوثيق بأنه ولد في شمال مكة في نواحي محافظة خليص في مكان يسمى (مسر) باسم جبل يدعى (أبيض) في عام 1352هـ، وبوفاة والده عام 1364هـ، سارت خطاه إلى مكة المكرمة ووجد في مسجدها البيت الحرام) رغبته في تلقي بعض العلوم، ولطموحه درس بالمدارس الليلية واجتهد حتى حصل على شهادة المعهد العلمي السعودي، ومن ثم التحق بالجيش العربي السعودي وحرص على التدريب فيه وكان ضمن فريق الجيش الذي أرسل تعزيزا للجيش الأردني أثناء العدوان الثلاثي على قناة السويس وحصل على دبلوم الصحافة من معهد دار عمان العالي أثناء وجوده هناك وعلى دورات عسكرية في الجيش الأردني وتدرج في ترقيات الرتب العسكرية حتى نال رتبة (مقدم) عند عودته من الأردن، ولجدارته وثقة المسئولين به تسلم قيادة الفوج الأول بالمنطقة الشمالية وتسلم قيادة قطاع رابع في سلاح الحدود ولم يلبث حتى صار رئيسا للمجلس العسكري بسلاح الحدود في جدة، ولانشغاله بالثقافة وشؤونها تقاعد وتفرغ لبحوثه في عام 1397هـ. ونتيجة لجهوده دعته الكثير من الأندية الأدبية والثقافية لإلقاء المحاضرات في نشاطاتها الثقافية وكرمته الكثير من الجهات والشخصيات كعبد القدوس الأنصاري، واثنينية عبد المقصود خوجة ونادي الطائف الأدبي ونادي مكة الثقافي ومجموعة نسابي الأشراف بالحجاز ومحافظة الطائف، ومحافظة جدة التي أطلقت على أحد شوارعها باسمه في عهد أمينها الأسبق عبد الله يحيى المعلمي وكرمه معرض الكتاب الدولي الثالث بالرياض وتسلم درع التكريم من يد معالي وزير الثقافة والإعلام عبد العزيز خوجة ومنحه مؤتمر الأدباء السعوديين الأول ميداليته، ونال عضوية الشرف من الجمعية الجغرافية بجامعة الملك سعود، كما فاز بجائزة السيد أمين مدني للبحث في تاريخ الجزيرة العربية في دورتها الرابعة عام
1423هـ

هذه خطوط عريضة في مسار هذا العلم الذي أفنى عمره دراسةً وتحصيلاً وتاريخاً وتراثاً وترك لنا هذا الإرث العظيم الذي نقرأه ونفاخر به وتقرؤه الأجيال اللاحقة.. وهو يقول:

وجب الوفاء فما علي ملامة
إن بحث بعد الصمت بالإطراء

وقد غادرنا رحمه الله في يوم الاثنين الأول من شهر ربيع الأول عام 1431هـ، وصلت عليه جموع المسلمين في بيت الله الحرام وأخذ مكانه في مقبرة المعلاة رحمه الله رحمة الأبرار وأدخله فسيح جناته.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.