آطام المدينة

محمد بن صالح البليهشي

آطام المدينة
آطام المدينة

قالت: أنيسة دع بلادك والتمس
دارا بطيبة ربة الأطام
تكتب عيالك في العطاء وتفترض
وكذلك يفعل حازم الأقوام

بيتان لشاعر من أشجع في العصر الأموي اسمه يزيد بن عبيد بن بكر من عنيزة القصيم وقد كنى المدينة برية الأطام حيث عرفت منذ العهد الجاهلي يتحصلون فيها وقت الأخطار والحروب ويرمون أعداءهم من فوق سطوحها بالسهام والنيال والحجارة إذ لم يكن للمدينة أسوار في ذلك العهد بل كانت تجمعات سكانية متفرقة، وكان بالمدينة أكثر من مائة وثمانية وعشرين أطماً عند هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها كما ذكر بعض المؤرخين.

والأطام حصون مبنية بالحجارة غالباً أو باللبن والحجارة مستديرة أو مستطيلة من طابق أو طابقين أو ثلاثة مغلقة الفتحات من جهاتها وجميع غرفها تفتح على رحبة وسطية وكانت تبني للسكن وللاحتماء بها وقت الحروب والعداوات. وقد تميزت المدينة المنورة بها تميزاً خاصاً عن بقية المدن الأخرى وعرفت مكة الأمام من المدينة وبنيت بها على قلة وسموها (الأجام)، وانتقلت الأطام إلى الطائف بسبب الحروب التي وقعت بين فرعي ثقيف وهما بنو مالك والأخلاق كما يذكره المؤرخون وكانت الحرب بينهما شديدة مما جعل كل فريق يلجأ إلى من يحالفه لنصرته على الآخر فسعى بنو مالك إلى الحلف من دوس وخثعم وأتى مسعود بن متعب الثقفي سيد الأحلاف إلى أحيحة بن الجلاح سيد الأوس لنصرته والتحالف معه.

لقد أكرم أحيحة مسعوداً وقال له: يا ابن أخي والله ما خرج رجل من قومه قط يحلف أو غيره إلا أقر لأولئك القوم بشر مما أنف منه من قومه، فقال مسعود إني أخوك وكان صديقاً له فقال أحيحة ناصحاً: أخوك الذي تركته وراءك فارجع إليه صالحه ولو بجدع أنفك وأذنك فإن أحداً لن يكون أبر لك من قومك إذا خالفته ...

زوده أحيحة بمال وسلاح وأرسل معه غلاماً كان ماهراً في بناء الأطام لاستعماله في إقامتها في الطائف وقام ذلك الغلام ببناء (أطم) كبير لمسعود بن متعب وبعده عرفت الطائف (الأطام) وأهميتها في الحماية ودرء أخطار العدوان.

ولعل قوله عليه الصلاة والسلام عن زيد الخيل الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم (زيد الخير عندما وفد عليه في مسجده وهو يخطب فآمن به وصدقه ومدحه عليه الصلاة والسلام وأثنى عليه ثم انصرف فقال النبي صلى الله عليه وسلم عنه: أي رجل إن سلم من أطام المدينة حيث خاف عليه من بعض الرابضين في الأطام ممن لم يخالط الإسلام قلوبهم وهذا يعطي دليلاً عن خطورة أطام المدينة للسائر في طرقاتها ويعطى كذلك حرص الأنصار على رسول البشرية عليه الصلاة والسلام وهو يمتطى ناقته القصواء مع طرقات وحوائط وبساتين المدينة وأطامها يوم أن أحاط به في مسيره ذاك خمسمائة . من أحواله بني عدي من بني النجار متقلدي السيوف والرماح يسيرون من أمامه ومن خلفه وعن يمينه ويساره إشادة به وفرحاً بقدومه وحراسة من غوائل وسهام الحاقدين الرابضين في الأطام لأنهم يعرفون تلك الأطام ومواقع كل قبيلة وأطامها على جنبات تلك الجادة التي سار معها الرسول صلى الله عليه وسلم

ولما هاجر المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى المدينة نهى الانصار والمهاجرين عن قدم تلك الأطام) وقال عليه الصلاة والسلام الأطام .. زينة المدينة وقدم. المدينة وبنو ساعدة يبنون أطمهم وأقرهم على ذلك، وفي غزوة أحد استخدم النبي صلى الله عليه وسلم الأطام وجعل بها النساء والأطفال وكبار السن ليحتموا بها.

ومن على شرفات أطم (الشنيف) لبني بياضة رؤي قدومه في صباح يوم الهجرة وسرى ذلك الصوت بالبشرى لذلك المقدم الميمون، وفي الشنيف هذا قال كعب بن مالك لأحد خصومهم:

فلا تتهدد بالوعيد سفاهة وأوعد شنيفاً إن
غضبت وواقما

وفي استظلال النبي صلى الله عليه وسلم في ظلال مزارع العصبة غربي مسجد قباء شاهد عليه الصلاة والسلام أطم (الضحيان) الذي بناه أحيحة بن الجلاح سيد بني عوف من بني عمرو من الأوس الذي قال فيه

وقد أعددت للحدثان حصناً لو أن المرء تنفعه
العقول
طويل الرأس أبيض مشمخر يلوح كأنه سيف صقيل

وهذا الحصن هو الذي (تدلت ) منه ليلا (سلمى بنت عمرو التجارية) أم عبد المطلب يوم أن كانت زوجة لأحيحة بن الجلاح سيد الأوس في زمانه لتخبر قومها بما أجمعت عليه قبائل الأوس من عدوان على بني النجار مع فجر تلك الليلة وكان إخبارها سبباً في طلاقها وزواجها من هاشم بن عبد مناف القرشي وإنجاب عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى غير بعيد من الضحيان وقف الأطم الآخر لأحيحة أطم المستظل الذي تحصن فيه حين قاتل (تبعاً) عندما غزا المدينة.

وعند مبرك ناقته صلى الله عليه وسلم في موقع مسجد قباء أمام دار كلثوم بن القدم ودار سعد بن خيثمه رأى عليه الصلاة والسلام أطام الصياصي وعددها أربعة عشر أطما شرقي بئر الخاتم الذي في رحبتها تجمع بنو النجار في يوم الهجرة حين عزم النبي صلى الله عليه وسلم على النزول إلى المدينة وقد زاد عددهم على خمسمائة رجل متقلدي السيوف حماية له عليه الصلاة والسلام. وعلى غير بعيد من موقع مسجد قباء اليوم وفي شرقيه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أطم (واقم) لآل أبي لبابة الذي قال فيه شاعرهم:

نحن بنينا واقماً والمسكبة
قبل وكان للجنان ملعبة
يزينها فعم عريض المنقبة
يبرق في الصبح كلون المذهبة

وهذا الأطم واحد من الأطام التي سميت بهذا الاسم فهناك (واقم) حصن حضير الكتائب من بني عبد الأشهل والد أسيد بن حضير رضي الله عنه الذي قال فيه:

نحن بنينا واقماً بالحرة
بلازب الطين وبالأصرة

وفي طريقه عليه الصلاة والسلام إلى المدينة رأى حصن مزاحم) لعبد الله بن أبي بن سلول الذي قال فيه ابن الخطيم

صحبنا بها الأطام حول مزاحم
قوانس أولى بيضنا كالكواكب

وبجوار هذا الأطم أقيم سوق كبير من أسواق المدينة كما رأى حصن (المزدلف) المالك بن العجلان السالمي الذي قال فيه:

إني بنيت للحروب المزدلف
قدمت فيه جندلاً مثل الدلف

وبالقرب من مبرك القصواء يوم أن أخذت مكانها في موقع المسجد النبوي الشريف برز أطم (فارع أمامها على بعد أمتار من الغرب لصاحبه ثابت والد حسان بن ثابت شاعر المصطفى عليه الصلاة والسلام وقد قال فيه حسان بن.

ثابت رضي الله عنه:

أرقت لتوماض البروق اللواقع
ونحن نشاوي بين سلع وفارع
أرقت له حتى علمت مكانه
بأكناف سلع والتلال الدوافع

إن الأطام انتشرت في جنبات المدينة المنورة وحوائطها وسماها (اليثربيون) بأسماء أصحابها أو بأسماء مواقعها وأرخ بعضهم بالوقائع التي حصلت حولها أو بزمن بنائها وكانت تبنى من حجارة الحرة ومن (النين) أما الحصون فكانت تبنى بالحجارة فقط، إنها قلاع الحماية والحرب في ذلك الزمن ولما رأى المصطفى تلك الأطام عند قدومه إلى المدينة المنورة حث الأنصار على بناء أطام جديدة ونهى عن هدم القديم منها وقال: (إنها زينة المدينة) في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه.

وذكر المؤرخون أنها بلغت سبعين أطماً وأوصلها بعضهم إلى مائة وثمانية وعشرين أطما انتشرت في جنبات المدينة وقد اندثرت في الوقت الحاضر ولم يبق إلا رسوم قليلة من بعضها وليت أمانة المدينة المنورة وهيئة تطوير المدينة فيها وهيئة التراث تعيد بناء ثلاثة أو أربعة منها في جهات المدينة المنورة كرمز من رموزها وجزءاً من تاريخ أربة الأطام التي تميزت بها في حقبة من حقب التاريخ.

Create a free website with Framer, the website builder loved by startups, designers and agencies.